fire_eye_by_emm0100-d34xe40-600x330

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

 الحلقة الثانية: الخطأ و الغواية

مرّ فصل الصيف بهدوءٍ على المدينة دون أي حدث يعكر صفوها أو ذلك ما علِمناه، اهتمت الصحف أكثر بالمهرجانات و أصحابها من مغنيين و راقصين و ما بينهما.. بعد أن مرّت موجة المهرجانات، بدأت الصحف تبحث عن الجديد الذي يشد القراء فاهتم بعضهم بالاختفاء الغريب للسفاح المعروف ب”وحش المدينة”، و وُضعت تصوراتٌ و حكاياتٌ و تخميناتٌ عديدة بعضها معقول و أخرى سخيفة. كان عبد الغفور دائماً ما يقتني الجرائد التي يجدها تعنّوِن صفحتها الأولى بأخبار السفاح, لكن الأمر الآن صار ينحسر في جريدةٍ واحدةٍ، لازالت تهتم في بعض الأحيان بذلك المجرم.

جريدة الفجر الإقليمية، و التي بين الفينة و الأخرى تتكلم عن السفاح و عن جدوى عدم نسيان أمره، فقد يعاود الظهور مجدداً في المدينة و قد يتجاوز نشاطه الإجرامي حدود حي الشمس.. الصحفية نور الهدى ايت أسا، كانت الوحيدة في الجريدة التي لم تنسى أمر السفاح و كانت تذكر بفظائعه و تحاول رسم تكهناتٍ عن مكانه و سببِ ظهوره في مجتمعنا. كانت مقالاتها مسلية جدا لعبد الغفور، و قد أثاره الحماس الذي تتكلم به عن الأمر، كان ذلك لوحده يفتح شهيته للطعام الذي أمامه، فيلتهمه بنهمٍ شديدٍ. لكن رغم ذلك كله، كان يؤرقه أمر بدأ يزوره كثيرًا و بالتحديد في أحد الأيام عندما نسي سدادة الأذن القطنية في المنزل و كانت أحد أذنيه مفتوحة لسماع ما يطلق عليه عبد الغفور “لحن القلوب”، خفقات القلب المختلفة، لكل منهم خفقة مميزة، كالبصمة، و كأنها تحادث بعضها البعض في غفلة من الجميع و هو الوحيد القادر على أن يسمع أحاديثهم الطويلة، الشيقة و الشهية. لكن الأمر ليس ممتعا حين تشتد شهوته الجديدة في امتلاك أحدها، و لهذا حرص دائما على وضع السدادات القطنية و الانهماك التام في ورشته من الصباح حتى المساء، إلى أن يمر على محل البقال عند العم سعيد قبل الثامنة ليلا بقليل ليتناول وجبة العشاء عنده، و التي أصبحت عادته التي لا ينقطع عنها، ليتجاذب أطراف الحديث مع الشيخ. لكن تلك الليلة كانت صعبة جداً، عدم وجود سدادة قطنية على أذنه اليمنى و غيابه الطويل عن حي الشمس منذ ما يقارب الأربعة أشهر، جوع من نوع أخر يعصر جوانبه، كل ما دخل زبون إلى المحل أرهف سمع أذنه اليمنى لدقات قلبه، لكل واحد منهم لحن مختلف، قوة مختلفة. في لحظة خاطفة كان ينظر نحو امرأة و ابنتها، المرأة تحاور العم سعيد، يبدو وأنها تعرفه منذ زمن، كانت تبتسم كثيرا بينما ابنتها تلعب بطرف ثوبها ثم تتعلق بطرف ثوب أمها و كأنها تقرانهما معا، أغمض عينيه ليستمع لدقات قلبهما بوضوح، قلب مضطرب لكنه سعيد و قلب يخفق كقلوب الأجنة، انتظام و سكون، كلحن الكون القديم، لا شيء يعكره، نبع صاف لا مثيل له.. بعد أن انتهى من عشائه، و مع انصراف الزبون الأخير كان لعابه قد بدء يسيل من جوانب فمه دون أن يستطيع أن يسيطر على ذلك، فقرر المغادرة دون تناول العصير، وضع النقود و هم بالخروج، لكن العم سعيد أوقفه.

 -عبد الغفور، انتظر..

عاد عبد الغفور بخطوات متثاقلة و عين زائغة، و كأنه تحت مطر من المصائب.

– ما الأمر يا عم سعيد؟

 – الباقي يا بني، فأنت لم تتناول العصير. مبتسما بحنو.

 – شكرا، لكنني طلبته، و لم أتناوله، بإمكانك أن تشربه.

-ما بك يا بني، أهنالك أمر يضايقك؟

– لا، أنا فقط متعب، كان يوما طويلا و مرهقا.

– متى ستشفى عينك؟

 – ليس بعد يا عم سعيد..

نظر نحو عبد الغفور بقلق، ثم تمنى له ليلة سعيدة.

 في تلك الليلة، كان الأرق سيد الموقف، تقلب يمينا و يسارا، لم يستطع مقاومة الفكرة أكثر من ذلك، بل إن دقات قلبه التي يسمعها بوضوح تام كانت تزيد من عذاباته. في نهاية الأمر، استسلم لنداءات رغبته، و اتجه بسرعة نحو حي الشمس قبل أن تدق الساعة الحادية عشر.

*****

 الساعة الثانية ظهرا من اليوم التالي، ولج عبد الغفور محل العم سعيد، على غير عادته، الذي بالكاد فتحه، و طلب منه على مضض، ياغورت طبيعي و بعض قطع الحلوى المعدة بالشوكلاطة، جلس في مكانه المعتاد غير أبه بتذمر صاحب المحل و الذي يبدو و كأنه لم يستسغ وجوده. فتح التلفاز و الذي صدح بنبأ مهم، بينما قدم العم سعيد كوب الياغورت الطبيعي لعبد الغفور.. ” اليوم و لأول مرة، نقدم لكم صور السفاح الشهير “وحش المدينة” بعد أن إلتقطت الشرطة له هذه الصور عبر كمرات المراقبة بعد قيامه بجريمته رقم سبعة و قد وضعت الكمرات الرقمية، لتحري عنه في الحي الذي شهد جرائمه كلها، و إليكم الصورة..” سقط كوب الياغورت من يد عبد الغفور عندما شاهد الصورة المعروضة على شاشة التلفاز، لا يصدق ما تراه عينه، هرع العم سعيد نحوه ليطمئنه أن الأمر وارد الحصول و أن لا يقلق بشأن الكأس، و بينما هو ينظف المكان، كان يرمق الصورة المعروضة على التلفاز ثم يحدق بعبد الغفور،كان ذلك يزيد من توتر الأخير كثيراً، و هو يرى صورته أصبحت جد واضحة، لكن فجأة، مرت نسمة برد تلاعبت بشعره المرتب لترمي بضع شعيرات على جبهته، بينما حفر ابتسامة صعبة على محياه، موجها الكلام لعم سعيد الذي كان يراقبه كالقطط.

 -أعتقد أنها مسألة وقت قبل أن نتخلص من هذا الحثالة؟

– من؟

– “وحش المدينة”

– أه, نعم, أكيد.. كان يبدو العم سعيد مشتت الذهن على غير عادته.

 – طيب، سأراك لاحقا.

– جيد. بعد أن اختفى الفتى عن ناظريه، دون أن يتناول شيء مما طلبه سابقا، بدأ الشيخ المهموم بالتفكير بصوت شبه مسموع: أنا في حيرة من أمري، فلا يمكن لهما أن يكونا واحد، فحسب الممرضة التي قابلتها في المستشفى، فعبد الغفور قد خسر عينه اليمنى و لن يرى بها أبدا، كما أنه كان لمدة شهر كامل في المستشفى، و في نفس المدة كان “وحش المدينة” قد ارتكب جريمتين، و حتى و إن كان هو، فالمجرم يغطي عينه اليسرى و يستحيل ان يكون هو نفسه الولد، لن يستطيع أن يرى شيء على الإطلاق، لكن قلبي يقول لي أنهما على صلة ببعضهما البعض، بشكل أو بأخر..لا أدري.

 *****

في النصف الأخر من المدينة، كان أحد الضباط، يشاهد الصور على التلفاز، فتلقف الهاتف بسرعة ليبلغ أحد زملائه بنبأ مهم:

-أنا أعرف من هو “وحش المدينة”.

 – ماذا؟

 – قلت لك، لقد تعرفت على هوية السفاح الشهير.

 – كيف؟

– تلك العين..العين الدامية، لا يملكها أحد غيره.. كان يتحدث، بينما التلفاز يركز أكثر على عين “وحش المدينة” اليمنى و التي بدت كالجمرة المُتقدة.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

إنبعاث

غرفة ضيقة رطبة، لها نافذة واحدة تطل على جبل بعيد، جدران قضمتها الرطوبة و عبثت بطلائها الأب…