1601483_771603046254220_2910511592232216864_n

أيمن محمد :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

فِي هذا العام أُغلق مصنع السلاح، وقصّ الرئيسُ الجديد، الشريط، عن أول مصنع لإعادة تَأهيل الأسْلحة، بحيث يتم تحويرها إلى مَواد أخرى مفيدة، كألعاب للأطفال، وأثاثات للمنازِل، وأشياء لا حصر لها.

وأصبح الكون مُضيئاً كمصباح في مشكاة، يغشى نُوره كل الآفاق، وصار الناس سواسية كأسنان المِشط، تخيل معي أنّك تمشي في الأرض فلا تخشى سِوى انقطاع الشبكة عن جوالك، ونسيان موعد مهم مع حَبيبة.

كل ذلك كان يحدث، العالم يَزداد مثالية يوماً بعد يوم، توقّفت الحروب وإلى الأبد، وأصبح الصغار فِي أدغال إفريقيا يواظبون في الذهاب إلى المَدرسة، يقابلون بَعض الأسود في الطريق فيطعمونها شيئاً من قشر البطيخ.. فمنذ زمن أحْجَمت السباع عن أكل اللحوم، بالأحرى، العالم كله كفَّ عن الدموية، إنه عالم لطيف، عَالم مثالي.

أنا الآن أعيش أسوأ لَحظات حياتي، أبغض هذا العالم، فحالما أرى صَغيراً يضع مالاً في صندوق شحاذ، أتمنى لو أقرض أذنيه بأسناني، أتمنى أن أطفئ سيجارتي دَاخل عينه، هذا الوغد الصغير يقتدي بالكبار، وقريباً لن تكون هناك سِلبية، سيتحرر العبيد من قبضة الأسياد، وسيزيلون كُل إشارات المرور، الناس سيلتزمون بإرشادات نموذجية يحْفظونها كما يحفظون تقاطيع أنوف حبيباتهم.

أرتدي نظارتي السوداء حَتى في ظلام الليل، أغطي رأسي بقطعة قماش سميكة، ثم أخرج متجولاً في الشوارع، مراقباً نفسي وهي تذوب وسَط حشد من الناس المثاليين. يصيب أحدهم كَتفي فيبادر معتذراً، أشتمه فيقول: “شكراً”، أضربه على وجهه فيدير خده الآخر ويقول: “اِضرب”، لكني أكتفي بالشتم وأنا أحس الدم يَغلي في عروقي.

أقف أمام باب المصنع القديم فتراودني الذكريات، الدّمع ينحدر شيئاً فشيئاً، يجعل على خدودي مجرى ماء مالح، أتذوقه بلساني فأستحسنه، يتكرر ذلك كُل يوم، ولكني للحظة اتخذتُ قراراً مهماً، ولن أنظر إلى العواقب مَهما يكن، فأنا أكره المثالية المفرطة، العالم يكاد يشتعل مِن فرط الهدوء، حتى أن أذنيَّ فقدتا شيئاً من قدرتيهما بسبب السكون المطبق. وبعض الأغبياء زادوا الأمر سوءاً واخترعوا كاتماً لعوادم السيارات.

مصنع (موتتنا الأولى) للسلاح، بشعار بارز: نقتلك أينما كنت.

قال الحارس وهو يراني أمسح دمعة أخرى نزلت على عُجالة: “هل عليّ أن أعيد لك كلامي؟”

قلت: لعلها ستكون المرة الأخيرة.

قال: “يا سَيد، المصنع مغلق، وأنت لم تعد تعمل هنا، اِبحث لك عن عمل آخر”.

ليس للأمر علاقة بالعمل، ولكني أدمنت رائحة البارود، صَدى الرصاص الذي يقع في أذني كضربة على العُود، ودوي السلاح الذي هو مثل أغنية لذيذة، تخرج متمايلة من فَم مغنية على مسرح كبير.. هذا ليس جنوناً، أنا إنسان طبيعي.

وعلى حين غفلة من الحارس دخلت المصنع، وهَالني المنظر، وكأن المكان لم يكن يضج بالحياة ذات يوم، في هذا الركن كنا نضع الصناديق الفارغة إلى حين ملئها بالذخيرة، هُناك نضع السلاح الخفيف، وهنا في هذه القاعة الكبيرة نستقبل مئات الزبائن… ثم وكأن شيئا لم يكن، سكن العَنكبوت أركان الحائط، في هذا الزمن الوجيز صنعت اليعاسيب بيوتها الطينية بالقُرب من صورة مالك المصنع المعلقة في السقف، كان يظن نفسه إله، بنى مصنع السلاح وسط البيوت، ثم صار يحيي ويميت، كيفما يُريد، والآن أمسى أحد أولئك المثاليين الأغبياء.

فجأة شعرتُ بيد غريبة تتحسس كتفي، ثم صوت رجل عجوز يقول: “مكانك أيها المثالي”.

رفعتُ يدي عالياً: ” أنا لست مثالياً.”

قال: “وماذا تفعل هنا؟”

قلت: “جئت لأسرق السلاح.”

أنزل يده عن كتفي، توجهت نحوه بِحركة بطيئة، ونظرت إليه، كان عجوزاً لدرجة أنني سأتمكن منه حتى وإن امتطى دبابة، ضحكت وقلت: “ألست مثاليا؟”

قال: “لا، ولا أخفيك سراً، مثلكَ أتيت أسرق السلاح.”

فتحنا الكثير مِن الصناديق، أزلنا الغبار عن الأسلحة ثم تخيرنا من بينها أقوها وأكفأها، ثم قررنا أن نخرج إلى العالم لنعيد إليه إتزانه، كان الرجل العجوز أكثر حَماسة، خرج يجري إلى الشارع وهو يطلق النار يميناً ويساراً، أصاب الحارس في كرشه وأرداه قتيلا، قَتل المئات من أولئك المثاليين، العجيب أنهم كانوا يموتون مبتسمين، ما إن تستقر الرصَاصة في رأسه، حتى تبدو نواجذه للعيان، حَتى الموت يموتونه بنموذجية، هؤلاء لا يستحقون الموت أيضاً.

حضَر رجال الأمن، رأوا حارس الباب صريعاً فاشتاطوا غضباً، اختفت مثاليتهم أدراج الريح، وصاروا بدورهم يطلقون النار في غَضب، يميناً ويساراً، وما هي إلا ساعة حتى أرغت المدينة وأزبدت، هاجت ومَاجت، جاءها أمر الموت فانطلقت الرصاصات تحصُد الأجساد.

من بعيد وقفت أتأمل ذَلك بسعادة، لقد عاد التوازن، إن لم يكن للعالم فلمدينتنا عَلى الأقل. لقد انطفأ نور المِصباح الكوني، وعمَّ الظلام الأرجاء، ارتفعت أبواق السّيارات وعوادمها، وبات السائقون المهرة يلعنون مبتدئي الطريق مِن أصحاب الرُخص الطازجة، وجاءني الرجل الذي كنت قد ضربته ليصفعني آخذاً بحقه… أخيراً، الحمد لله، العالم صَار كما يتمناه أصحاب العقول.!

تعليقات الفيسبوك

27 تعليق

  1. I absolutely love your blog.. Pleasant colors & theme.
    Did you build this amazing site yourself?
    Please reply back as I’m wanting to create my own blog
    and would love to know where you got this from or exactly what the theme is called.
    Appreciate it!

  2. Very great post. I just stumbled upon your blog and wished to say that I have truly loved
    surfing around your blog posts. After all I’ll be subscribing for your
    feed and I’m hoping you write once more soon!

  3. Thanks for another great article. The place else may just anybody get that
    kind of information in such a perfect means of writing?
    I have a presentation next week, and I am at
    the search for such information.

  4. You really make it seem so easy with your presentation but I
    find this matter to be really something which I think
    I would never understand. It seems too complex and extremely broad for me.
    I’m looking forward for your next post, I’ll try to get the hang of it!

  5. I love your blog.. very nice colors & theme. Did you make this website
    yourself or did you hire someone to do it for you?
    Plz respond as I’m looking to create my own blog and would like to find out
    where u got this from. many thanks

  6. Very nice post. I simply stumbled upon your blog and wished to mention that I have truly loved browsing your blog posts.
    In any case I’ll be subscribing on your rss feed and I
    am hoping you write once more very soon!

  7. I absolutely love your blog.. Excellent colors & theme.

    Did you build this site yourself? Please reply back as I’m attempting to
    create my own site and want to find out where you got this from or exactly
    what the theme is named. Many thanks!

  8. You actually make it seem so easy with your presentation but I find this matter to be actually something which I think I would never understand.
    It seems too complicated and extremely broad for me. I’m looking forward for your next post, I
    will try to get the hang of it!

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…