واقعية سحرية 1

شبكة النبأ :

شاع هذا المصطلح في الثمانينيات من هذا القرن بشيوع أعمال عدد من كتاب القصة في أمريكا اللاتينية من أمثال الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899م – 1988م) والكولومبي غارسيا ماركيز (1928م) غير أن استعمال المصطلح يعود إلى أبعد من ذلك. ففي 1925م استعمله الألماني فرانز روم في عنوان كتاب ناقش فيه بعض خصائص وتوجهات الرسم الألماني في مطلع القرن، ثم تواصل استعماله للدلالة على نوع من الرسم القريب من السوريالية حيث تكون الموضوعات المرسومة والأشياء قريبة في غرابتها من عوالم الحلم وما يخرج عن العالم المألوف من رموز وأشكال.

هذه الغرائبية جزء أساسي من دلالات الواقعية السحرية كما شاعت في الأدب، خاصة القصة بشكليها الرئيسين الرواية والقصة القصيرة. غير أنها تنضاف هنا وبصورة أساسية أيضاً إلى تفاصيل الواقع إذ يرسم القاص تفاصيله رسماً موغلاً في البساطة والألفة مما يزيد من حدة الاصطدام بالغريب والمستحيل الحدوث حيث يجاوره ويتداخل فيه. ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك قصة لبورخيس عنوانها “كتاب الرمل” يحكي فيها قصة تبدو عادية عن رجل يحب الكتب ويهوى جمع النادر منها، إلى أن جاءه رجل غريب وباعه كتاباً عجيباً له بداية، ولكن ليس له نهاية هو كتاب الرمل. ويصف بورخيس تصفحه للكتاب ودهشته منه وصفاً شديد الواقعية، لكن ما يصفه يظل غريباً حقاً، إذ أنه يطالع صفحة لها رقم محدد وبعد أن يغلق الكتاب يجد نفسه عاجزاً عن العثور على تلك الصفحة. ثم تتكرر التجربة مرة تلو الأخرى والنتيجة لا تتغير. إنه واقع سحري فعلاً، لكن الكاتب لا يرسمه للإمتاع  فقط، وإنما للإيحاء بفكرة فلسفية أو مجموعة أفكار منها أن العالم الذي نراه مألوفاً فيه قدر كبير من الغرابة، ومنها، في القصة المشار إليها، لا نهائية المعرفة وما تتضمنه أحياناً من رعب.

ومن الكتاب الذين اشتهروا أيضاً بتوظيف تقنية الواقعية السحرية الإيطالي إيتالو كالفينو (1923 – 1985م)، والإنجليزي جون فاولز (1926م) والألماني غنتر غراس (1927م)، وهناك من يجد عدداً من خصائص هذا اللون من الواقعية في أعمال كتاب سابقين مثل كلايست وهوفمان وكافكا.

متعلقات

قراءات في المصطلح الواقعية : مدخل وافكار(1)

يعد مصطلح ” الواقعية ” ( Realism) من اوسع المصطلحات شيوعا ً . وعلى الرغم من انه يرتبط بالأدب والفن بشكل خاص ، فإنه يتخطاهما ليشمل مختلف معطيات الفكر الانساني ، وتبعا ً لذلك تشعبت عنه مصطلحات عديدة مثل ” الواقعية السحرية ” و” الواقعية الجديدة ” و ” الواقعية الاجتماعية ” و” الواقعية الجمالية ” و” الواقعية النقدية ” و” الواقعية الاشتراكية ” و” الواقعية العلمية ” وغير ذلك . بدأت الواقعية كحركة ادبية خلال القرن التاسع عشر ، وقد ظهرت بعد الحرب الاهلية وحلت محل الرومانتيكية ،وركزت على واقع الحياة اليومية ، متجاوزة ً يذلك اسلوب الأدب الرومانتيكي القائم على الخيال . لقد جاءت الواقعية من فرنسا اصلا ً حيث كان كتـّاب امثال بلزاك وفلوبير قد بدأوا ممارسة الكتابة . ومع ان هذه الحركة كانت نشطة لبعض الوقت ، فإن الواقعية الامريكية استمدت جذورها من امريكا القرن التاسع عشر بحربها الأهلية وتوسع حدودها وطبيعة الحياة المدينية فيها . وشكـّل العلم مصدر قوة للواقعية ، فموضوعية العلم الهمت الكثير من الكتّاب لأن يكتبوا بهذه الطريقة . وثمة مصدر قوة آخر في تطور الواقعية يتمثل في حقيقة ان الجمهور بدأ يضجر من الرومانتيكية ، وصار كثير من الناس يعتقدون انها اصبحت خارج العصر . وحذا ” الطبيعيون ” حذو ” الواقعيين ” ، مع ان من الصعب تحديد الفارق بين الاثنين ويمكن استخدام احد المصطلحين بدل الآخر . ان الفارق يكمن في كون ” الواقعية ” تهتم بشكل مباشر بما تستوعبه الحواس ، في حين ان ” الطبيعية ” ( (Naturalism تحاول ان تطبق النظريات العلمية في الفن . لقد تتبع الطبيعيون تأثيرات الوراثة والبيئة على الناس وسعى الكتـّاب الطبيعيون الى استخدام معطيات نظرية جارلس دارون في رواياتهم . وقد اعتقدوا ان دورة حياة كل فرد تتقرر بمزيج من سمات الصفات الوراثية والمحيط التاريخي والاجتماعي الذي ولد فيه . وهكذا فإن كل شخصية انما هي ضحية، وبشكل اساسي ، لضآلة قدرة الظروف على تغيير دورة حياتها . ان الكتـّاب الطبيعيين وعلى رأسهم اميل زولا ، وسّعوا قيم الواقعية الى حدود ابعد للموضوعية في ملاحظاتهم ووصفهم للأنساق المختلفة . واذا كانت الحركة الواقعية في الأدب قد تطورت في فرنسا القرن التاسع عشر اولا ً ، فإنها سرعان ما اخذت تنتشر في انكلترة وروسيا والولايات المتحدة . وتتمثل الصورة المثلى للأدب الواقعي في الرواية إذ ظهرت روايات اعتبرت ، وعلى نطاق واسع ، من اعظم ما كُتب . لقد سعى الواقعيون الى سرد رواياتهم من منظور موضوعي غير متحيز مثـّل ببساطة ووضوح العناصر الحقيقية للقصة . لقد اضحوا اساتذة التصويرالسايكولوجي والوصف المفصـّل للحياة اليومية في محيط واقعي و استخدام الحوار الذي يتوفر على مصطلحات لغة الكلام الواقعي . وسعى الواقعيون الى ان يمثلوا بدقة الثقافة المعاصرة والناس من جميع مراتب الحياة الاجتماعية والاقتصادية . وهكذا توجهوا نحو موضوعات الصراع الاجتماعي ـ الاقتصادي بمقارنة ظروف الفقراء الحياتية بتلك التي يعيشها الذين ينتمون الى الطبقات العليا في مجتمعات المدن والمجتمعات الريفية . لقد كان بين الكتـّاب الواقعيين الرئيسيين في فرنسا كل من بلزاك وفلوبير واميل زولا وموباسان وغيرهم ‘ وفي روسيا كل من تورجنيف وديسويفسكي وليو تولستوي ، في حين كان جارلس ديكنز وجورج اليوت من اوائل المؤلفين الواقعيين في انكلترة ، وكان وليم دين هويلز اول كاتب واقعي في الولايات المتحدة . واكدت ” الطبيعية ” التي هي حركة ادبية تعتير فرعا ً من الواقعية ، تأكيدا ً شديداً على التمثيل الدقيق لتفاصيل الحياة المعاصرة. وكانت الرواية التي تؤكد على الخصوصية المحلية بشكل خاص فرعا ً من الواقعية في الولايات المتحدة . وتركت الواقعية تأثيرا ً عميقا ً على الدراما والنتاجات المسرحية فيما يخص التصميم والاعداد المسرحي والازياء واسلوب التمثيل والحوار . اما على المستوى الفكري فإن الواقعيين ــ وكما يدل اسمهم ــ يرون ان المادة حقيقية وليست مفهوما ً فكريا ً ، مختلفين مع المثاليين في ذلك . ويقسم الواقعيون الى ثلاثة معسكرات : الواقعيون الكلاسيكيون الذين يقتفون خطى اسلافهم وصولاً الى الفيلسوف اليوناني ارسطو ، والواقعيون الدينيون الذين يرجعون الى ارسطو ايضا ً ولكن عن طريق القديس توما الاكويني اولا ً ، ثم الواقعيون الطبيعيون . ان اتباع توما الاكويني يبنون معتقداتهم عن واقعية المادة على اساس الالهام كما جاء في تعاليم المسيح والانجيل وعقيدة الكنيسة المسيحية . اما الواقعيون الكلاسيكيون فيبنون تفكيرهم على افكار ارسطو ، في حين يبنيه الواقعيون الطبيعيون على الطبيعة . وبين الواقعيين الدينيين المهمين كل من ايتين غبسون وجاك مارتين ، في حين يقع بين الواقعيين الطبيعيين كل من جون لوك وفرانسيس بيكون وجون ستيوارت مل وجان جاك روسو الذين طبقوا نظريتهم على موضوعة تربية الشباب . ان الواقعيين الطبيعيين يقولون ان الانسان يتكون من عقل وروح ، وان الروح خالدة ، والغرض من وجود الانسان على الارض هو خدمة الله اولا ً وخدمة الانسان ثانيا ً. ولهذا السبب تتم رعاية القائمين بالمهام الكنيسية فضلا ً على اولئك الذين هم على علاقة بحقل التربية . وينكر الواقعيون الكلاسيكيون الخلّص ان الانسان روح وبدلا ً من ذلك يقولون ان عقل الانسان هو اساس اسمى الصفات المميزة وهو ما يميزه عن الحيوان . ويتقبل الواقعيون الطبيعيون فكرة الواقعيين الكلاسيكيين هذه ولكنهم يرون ان الانسان منظومة بايولوجية معقدة تتكون من نظام عصبي على درجة عالية من التطور، وليس غير ذلك . ويتقبل الواقعيون الكلاسيكيون بشكل عام مفهوم الارادة الحرة مثلما يفعل الواقعيون الدينيون الذين يرون ان الانسان معرض لأفعال الشر ولكنه يتجه نحو الخير بفضل العناية الالهية . وينكر الواقعيون الطبيعيون بصورة ثابتة تقريبا ً مفهوم الارادة الحرة ويميلون الى الرأي الذي يقول ان الانسان ” مكيف ” لعمل ما يقوم به . ويؤكد الواقعيون الكلاسيكيون على معرفة التفكير الكلاسيكي ، في حين يضيف الواقعي الدينى الى ذلك اهمية المفاهيم الدينية . وفي الجانب الآخر يؤكد الواقعي الطبيعي على اهمية العلم وينتقص في الوقت نفسه من اهمية القواعد الكلاسيكية وينكر الدين . وبلغة مصطلحات المناهج ، يؤكد الواقعيون الكلاسيكيون على تطور العقل . ويعتقد الواقعيون الدينيون ان المعرفة الدينية مهمة بقدر اهمية المعرفة غير الدينية ، لذلك يرون ان المنهج التربوي ينبغي ان يتضمن دراسة الانجيل واللاهوت وفكر كبار المفكرين الدينيين المسيحيين . اما الواقعيون الطبيعيون فإنهم يرون ان العلوم الطبيعية يجب ان تشكل جوهر المنهج التربوي .  

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…