Samuel_Johnson_by_Joshua_Reynolds

**

صموئيل جونسون Samuel Johnson من أشهر رجالات الأدب في إنكلترة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، كتب في كل الأجناس الأدبية، وكان له من السلطة ما جعل تلك المرحلة في تاريخ الأدب الإنكليزي تدعى «عصر جونسون».

ولد جونسون في بلدة ليتشفيلد شمال لندن. في 18 سبتمبر 1709. التحق بعد إنهاء دراسته الثانوية بجامعة أُكسفورد وقضى فيها سنة واحدة اضطر بعدها إلى تركها لفقره. وعلاوة على الفقر المدقع عانى جونسون في صغره مرضاً في الدم سبب له عللاً نفسية أدت إلى سوداوية مفرطة مما انعكس في مجمل مؤلفاته. تزوج إليزابيت هنري بورتر Elizabeth Henry Porter، وهي أرملة تكبره عشرين عاماً، وأنشأ بمساعدتها مدرسة صغيرة قرب ليتشفيلد، لكنه فشل في اجتذاب عدد كافٍ من الطلاب، كما فشل في التعليم والقضاء فاحترف الكتابة، كونها الشيء الوحيد الذي أتقنه. ويعود الفضل في معرفة الكثير عن حياته إلى صديقه جيمس بوزويل،الذي كتب عن رحلاتهما معاً، كما كتب سيرة «حياة صموئيل جونسون»(1791)Life of Samuel Johnson.

كتب جونسون كماً هائلاً من الترجمات وعُرف بمراجعات بعض الكتب. كان أول كتبه، «رحلة إلى الحبشة» (1735)Voyage to Abyssinia ترجمة عن اللاتينية لقصص الرحلات التي قام بها أحد الآباء اليسوعيين البرتغاليين إلى إثيوبية. وكتب أيضاً مجموعة مقالات لمجلة «الجنتلمان» Gentleman’s Magazine أهمها «حوارات مجلس ليليبوت الأعلى» Reports of the Senate of Liliput سخر فيها من عبثية الحياة السياسية والبرلمانية في إنكلترا، وكتب بعض المداخلات السياسية، ومنها «ضرائب لا استبداد»(1775)Taxation No Tyranny التي اتهم بأنه كتبها لممالأة السلطة الحاكمة، خصوصاً بعد قبوله راتباً تقاعدياً من الملك جورج الثالث، متناسياً قوله المأثور إن الراتب «أجر تدفعه الدولة لمستخدميها لقاء خيانتهم الوطن», ومتجاهلاً هجومه العنيف على سياسة تبني الأغنياء للكتّاب الشباب الذين يصبح همهم الأول إرضاء أرباب نعمتهم. وهذه الكتابات لا تخرج عن الخط السياسي والفكري الذي التزمه جونسون طوال حياته، مثله في ذلك مثل صديقه إدموند بورك E.Burke المعادي لمفهوم الثورة.ولذلك لم يكن مستغرباً، بعد تجاوزه مرحلة الفقر والعوز، أن يشترك جونسون مع بورك وغولدسميث[ر]Goldsmith وغيبونGibbon وشيريدانSheridanوغيرهم من نخبة المفكرين المحافظين في تأسيس «النادي» The Club الذي انضم إلى عضويته فيما بعد آدم سميث[ر] Adam Smith، الأب الروحي للرأسمالية المعاصرة.

كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر سجالاً مريراً بين الفكر المحافظ والفكر المتحرر في إنكلترا؛ وموقف جونسون المحافظ، في فترة تاريخية كانت أوربة فيها تغلي بإرهاصات الثورتين الأمريكية والفرنسية وبكتابات روسو، وفولتير، وتوماس بينT.Paine، يبقى موقفاً إشكاليا لا يمكن فهمه بمعزلٍ عن رؤية جونسون الأشمل بأن الحياة والتاريخ والدوافع الإنسانية تحركها عجلة الأنانية والطمع والمنفعة الذاتية. ونظراً لأن الخير فعل إرادي لا غريزي، كما في فلسفة هوبز،] Hobbes التي تأثر بها جونسون في شبابه، وبما أن الفضيلة نقيض الطبيعة البشرية، فإن من واجب الإنسان توخي الحيطة والحذر والنظر بعقلانية وواقعية إلى الحقائق الكامنة خلف الرغبات والمثل الإنسانية، بما فيها شعارات التقدم والثورة والتغيير السياســي والاجتماعي، كي لا يقع الفرد، وبالتالي المجتمع، فريسة الوهم والتفاؤل الكاذب وخداع الذات.

ويجسد جونسون فلسفته بمختلف الصيغ والأشكال الأدبية: شعراً، كما في أشهر قصائده، «حماقة الأماني الإنسانية» (1749)The Vanity of Human Wishe، وهي تقليد ساخر لقصائد الشاعر الروماني يوفينال،]Juvenal ينتقد فيها جونسون قدرة البشر اللامحدودة على خداع الذات والهروب من مواجهة الواقع المؤلم؛ ونثراً في رواية «قصة راسيلاس، أمير الحبشة»(1759)History of Rasselas, Prince of Abyssinia، إذ يكتشف الأمير الإثيوبي إخفاق كل الأنظمة الفكرية والسياسية والاجتماعية وعجزها عن تحقيق السعادة الإنسانية، فيقتنع بأن جوهر الحياة الإنسانية واحد لا يتغير على مر العصور وباختلاف الأمكنة، الأمر الذي دفعه إلى اختتام رحلته الفلسفية في نقطة بدايتها, في الحبشة، بعد وقوفه طويلاً أمام الأهرامات المصرية التي رأى فيها رمز الغرور والغباء الإنساني؛ وجسدها على المسرح في مأساة «آيرينه» Eirene التي عرضت في لندن عام 1749 ولعب فيها ديفيد غارِك D.Garrick، أشهر ممثلي عصره، دور السلطان التركي الذي يواجه خياراً تراجيدياً يقتل فيه عشيقته الجميلة ليثبت أهليته للحكم؛ وجسدها أيضاً في مجموعة المقالات النقدية التي نشرها في مجلة «رامبلر» (1750-1752)The Ramblerومجلة «آيدلر»(1758-1760) The Idler التي يجمع النقاد على أنها أفضل كتابات جونسون، سواء من حيث ملاءمة الشكل الفني لأسلوبه الفخم والرصين، أو من حيث نجاحه في سبر أغوار النفس البشرية وتعرية الألم والشك الكامنين في جوهر الوجود.

ترتكز المكانة التي يتبوأها جونسون في تاريخ الأدب الإنكليزي بالدرجة الأولى على أعماله النقدية التي طوَّر بها المقالة الأدبية القصيرة وعلى نشره «مسرحيات وليم شكسبير» (1765)The Plays of William Shakespear، وهو تحقيق لمعظم الشروحات والقراءات النقدية المتوفرة آنذاك لأعمال شكسبير المسرحية، مع «المقدمة» الشهيرة التي تعتبر فتحاً في تاريخ النقد الأدبي في إنكلترا؛ وعلى «حياة الشعراء الإنكليز»(1779-1781)The Lives of the English Poets وهو آخر وأهم أعمال جونسون النقدية يتناول فيه إبداعات وسير كبار الشعراء، من أبراهام كاولي،وجون ملتون، إلى ألكسندر بوب،وتوماس غراي،ويقع في عشر مجلدات تشكل تاريخاً أدبياً لتلك الفترة، ولا تزال آراؤه مثار جدل في إنكلترا بعد قرنين من الزمن، ويرى كثيرون في جونسون رائداً للنقد الأدبي الحديث.

يؤكد جونسون في مقدمته لمسرحيات شكسبير أن «من يفكر بطريقة عقلانية لابد وان يفكر بطريقة أخلاقية أيضاً»، الأمر الذي دفعه إلى إطراء «واقعية» شكسبير من حيث الحوار والشخصيات ومن حيث قدرته على محاكاة الطبيعة البشرية بدقة وأمانة واكتشاف جوهر الحياة الإنسانية وتجسيده فنيا بأسلوب لا يضاهى ؛ لكنه، من جهة أخرى، هاجم شكسبير لغياب «البعد الأخلاقي» في مجمل أعماله، إذ غالباً ما «يكافىء المذنب ويعاقب البريء فيضحي بالفضيلة على مذبح التسلية والإمتاع» وبهذا كان آخر من تجرأ على نقد شكسبير. المشكلة أن جونسون، وهنا يكمن التناقض في منهجه النقدي، يطلب المستحيل، لأن تقديم العبرة والفضيلة الأخلاقية من خلال محاكاة الطبيعة البشرية بدقه وأمانة يفترض جدلاً أن هذه الطبيعة خيرة وأخلاقية بجوهرها، في حين أن سر تشاؤم جونسون نفسه يرجع، إلى إيمانه بأن الفضيلة نقيض الطبيعة البشرية.

ومن الأعمال الأخرى التي ترتكز عليها مكانة جونسون الأدبية «معجم اللغة الإنكليزية» (1746-1755)A Dictionary of the English Language، الذي يعد أول محاولة لشرح معاني المفردات وتبيان استخداماتها المختلفة عن طريق الاستشهاد بمقولات كبار الكتاب والأدباء الإنكليز. وجاء هذا المعجم ليحدد المعايير اللغوية والثقافية التي تضمن للإنكليزية بقاءها وتطورها وحمايتها من هيمنة اللغة الفرنسية.

أسبغ جونسون على كتاباته النقدية مسحةً شخصيةً آسرة، وقوة ملاحظة ودقة تعبير ودفق مشاعر وأحاسيس أكسبتها قيمة فنية خالدة، بغض النظر عن المعيار النقدي الذاتي والجائر أحياناً. وبعد معاناة طويلة من مرض الاستسقاء، توفي ودفن في كنيسة ويستمنستر Westminster في لندن. 13في ديسمبر 1784

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…