بقلم: منيب مختار

في الصباح تُلملِم الشمس ثوبها، تستيقظ وتقفذ من أعلى وجهِ أنجلينا إلى الأفق، أنجلينا موسى قابريال كما يدعوها الجميع وانجلينا تاتو كما يحلو لي مناداتها في لحظات إنتشائيّ، إمرأه مرسومة بدقة ابنوسية متناهية وعنفوانٍ مربِك، ممتدة وعنيدة كما النيل الذي يدخل بيوت الحي ورقيقة كالغرق المُتنصت على اصواتٍ تطلب النجدة

أنجلينا مرآةٍ نقشت الحروب على حوافها العجائب، هي ذاكرة أكثر تورط في حفظ دلالات الخراب وسياق الأوضاع بمخيم “خور الورل” حيث والداها اللذان يقبعا في إحدى أزقة المخيم، ما يقلِقها هو شقيقها الذي إلتحق بقوات الجيش الشعبي، لا تدري ولا يدري الجيش نفسه حقيقة موته أو حياته

عزيزتي، نحن تلك الصور التي هيئتها المرآة مسبقاً لتغِيظُ عبرها سطوةِ الحضور، نحن عصفوران شقيان نمارس غريزة التحليق علّنا نمشي، يوماً ما، كالأطفال تحديداً، هي الغواية يا حبيبة وإنتشاءِ الفراغ والجزء المُنفلتْ من صُراخ الناجين، قصيرة، مرعبة ومتذبذبة، يساري تماماً تتلصص إنعكاساتيّ عليّ، تبدو أكثر خشونة على سطح الزجاج، وتُهمهِم طالما ليس هناك مخرجٍ لهذا الألم

نحن عصفوران ناما فوق غيمة، فوق أيكْ، تحت ظل، أسفل غابة، 

كل الأماكن تحتوينا ولا تحتوينا في الآن ذاتهُ، المرآة تلفظ اشباحٍ من الضوء، أشباح أكثر رعب، أكثر شراهة تلفظ “زومبي” يلتقط يابس الأشياء ودمائها

هي المرآة إذن

تُحرر من إطارِها الأبدي حبيبتي الأخرى، الجزء البدائيّ منها، نهمها المتجدد لإبتلاعي، فستانها الأحمر، “فارغ الرصاص” وإبتهالات القُرى القريبة، تُحرِر موسيقى “الجاز”، صوت شرحبيل، قميصهِ “الكونغولي”، رائحة القصيدة منهُ، تُحرِر من بئر الموت الطحالب ومن غيبوبةِ الدخان تماهي “الطَلح”

نحن عصفوران، شيطانان، نبيّان، هامانان مثقلانِ بالتحديق إزاء المخرج السري للأرواح، عصفوران للمنفى، تُساورهم طفولتهِم على التحليق هو النزوح إذن، ركاكةِ الإيجاز في لغة التواصل وإرتباك المعنى، حينها تداهمنا الأمكنة القديمة وتُعيدنا لزماننا الطفوليّ

وفي أوج مداخلات الاحداث وفيضانها تذكرت أنجلينا بيتها الأول، رمال المدينة التي رسمت بها أحلامها، بيت الجالوص وزريبة جدتها، ربما أكثر ما تشتاقه في مدينة الأبيِّض جدتها السُرّه

كانَ القِط يُوسوِسَ للجَاراتْ بأنْ ” شَرّموطَ” السُرّه ألذْ مِن طعمِ القرنفل وكانتَ السُرّه تهمس في أذن القِط، القرنفل نكهةِ التجليّ في فوضى القهوة

والجَاراتْ يصرُخن بكامل أنوثتهِن، شغبهِن، صُنانِ إبطهِن غيرتهِن وغنجهِن :

مَنْ الذي عبث بثديّ السُرّه، قطةِ الحي العجوز، في إشارة حميمية لأنوثتها الطاغية

أمسكت بحقيبتها اليدوية متخلصة من فداحة المكياج الذي على وجهها، دسَّت حُججها الواهية للذهاب إلى جوبا بحثاً عن شقيقها _ابولو_ الذي قد يكون داخل أيّ بذلة عسكرية تمرّ على أرصفة المدينة، كل شيء مجرد إحتمال وتهيؤ صاغه الشعور بالفقد والحاجة لحضن دافئ تعرفه منذ طفولتها، حضن مغاير لما يعرضه عاشق ما قد يكون متاحاً يوم ما أو قد لا يكون، ربما _ ماكس إشنايدر _ موظف مكتب الأمم المتحدة محق عندما إقترح فكرة سفرها إلى جوبا، الأمر بمثابة آخر بصيص أمل يواصل تبدده ويلوح في آنٍ واحد

حي ” أطلع بره” حيث موسيقى المطر وإنزِلاق الماء من إناء الربْ ومحاكاةٍ تنسجُ لقاءً تشيوئيّ مُحاط بوساوس السلاطين، أسفلَ الأشياءْ مخبأ لا يتَسعُ للفوضَى، لِموسيقَى الموت، أسفلَ الأشياءْ قبراً ظلامِيّ متخِمْ بالحُمَى وأساليب الرقصَ المُلفقة للحُب، المُسممة والمتحيزة لإيماءةِ الشهيق الأخير، وحدهُ المطر يتحيّن لحظةِ المُخاط، و راديو ” البانسونِك” يحشر أنفهُ في الفراغ الحميم يمتزج مع لحظات السكون تِلك، يتلاحم معهُ فيتجلى زخماً لا نهائي، راديو، راديو التعاون، هكذا كان يسمى، أدمن الفوضى مِثلي وإستنكر أسفل الأشياءْ مِثل أنجلينا، نبذَ صُراخهِ المُفرط وإنحاز لفكرة التسرُب، تُسرب الصديد الهادئ والإختناق، تسرُب الدمع، إنحاز لفكرة أن يدُسْ ذاكرتهُ داخلهِ البعيد، الأمر أشبه بإستئصال الرغبة من تجاويف الأشياء لتغدو ماسِخة ومبتذلة

هي الفوضَى إذنْ، ليستٰ التي ضِد الترتيب، ليستْ ضِد التمرحُل والإنتقال بقدرِ ما هي إنعِتاق، إنعِتاقُك مِنكْ المُوغل في الولوج داخِلُك الآخر، مدينة أو بيتٍ مهترء، مقطوعةٍ موسيقية أو غناء أو ربما أنت

مصطفى سيد أحمد يُحرضنِي، يقفذ مُعتصِراً انفاسهِ الطويلة الماطِرة

تقيأهُ الراديو بتلقائية وإنهِزام

” كيف تبدو الذكريات

كيف يبدو طعم ايام الشجن

مَنْ يعلم ذكرياتي كل اشكال التداعيّ والرحيل المُر دوماً….” 

مقطوعة تُحرضنا على تحسُس الفوضى، تحسُس الأشياءْ داخِلنا العميق، الفوضى إذن، الصوت الذي لا يخصنا عندما نصرخ، عندما نغني أو نتألم وعندما نُمطِر ايضاً

جلست على قمة الجبل،”خور الورل” يبدو أكثر بشاعة من على القمة، ليس سوى مكبْ للقمامة، لفظت قطرات الدموع من على شفتيها البنّيتين ثم أردفت:

الإفراط في الموت اسوء من الموت

فمن فرط الموت نهرب من المرآة، من الجدار المقابل لبقايا النوافذ، نهرب إلينا، حيث الفراغ العالِق فيّنا أو العالقين فيهِ

من فرط الموت تُخفي الأمهات تشقُقات أرجُلهِن ليلاً من الكوابيس الكئيبة، يتزيّن لعزاء، لفرح، لموت، لهزيمة، ولكل شيء

من فرطِ الموت تتسرب الدموع كُرهاً ويعبئ الرجال ما تبقى من صراخ في جوف أطفالهم فهم أحقْ بهذا المخزون البذيء، من فرط الموت نحشر أنفسنا دفعة واحدة داخل رصاصة تقصد الجميع ولا أحد نلتهِمها لنُبقيّ الطريق مختصراً سريعاً

أخذت تزرع شوارع المخيم بتلذذ أحياناً وألم أحاييّن أخرى، مرّتْ بمدرسة الأبتدائية الصغيرة التي انشئها استاذ شول تعج بالأطفال، بصراخهم وضجيجهم المستمر، بموسيقي تقليدية مصدرها أفواهِهم ومؤخرات الأواني البلاستيكية، هم هكذا ممتلئين ومرهفين حد التخمة ومرضى أيضاً، استاذ شول الذي أدمن الحب وإحتواء الأطفال فضل أن يُحوِل بيته الصغير الذي في الأصل خيمة، إلى فصلٍ مدرسي مليء بالفوضى والحب والكتب، ينفث في رئتهِم دخان الخلاص من واقعهم المزري ومتعلقات الذاكرة المُتقدة بأحداث الحرب النتنة، لاحظتَ أن هناك طفلة تصرخ وتلوح بقلمٍ مكسور، تتقاذف الرياح ضفائِرها، يتخذ وجهها هيئةِ بلورٍ مائي، تستجمع في عيناها الصغيرين دمعاً، تستدير، تُحملِق في كراسةِ الرسم الملونة

تُطبق شفتاها، تعدل فستانها الرمادي القصير ثم تُضيف برِقة :

(قلمي إنكسر)، كانت تحشُره وتُقحِمه إقحاماً على هامش العصفور القابع في كراستها، تعزِز جناحيه، تفرط في إظهار مِنقاره وعيناه الرماديتين

كان استاذ شول يعلم بأن القلم لن ينجو، ويعلم أيضاً أن لوحتها تحتاج لمزيد من التآلف تنسجهُ بحب عبر قلمها الرصاصيّ

هناك في إحدى الأزقة الملتوية تجلس والدتها “ماما بور” امام مخزن المؤونة، تعمل على ضبط مقادير الذرة وتعبئتها وفق ما أمرها به _ ماكس إشنايدر _ موظف مكتب الأمم المتحدة، أكياس الماكرونة وعُلبْ الزيت، هي إمرأه وهبت نفسها لخدمة سكان المخيم رافضةً ذلك المبلغ الذي يقدمهُ المكتب جزاء عملها المُضني الذي قد ينتهي آخر الليل أو لا ينتهي، كانت تقول عندما توشك على المغادرة

“أخشى أن ينام أحدهم جائعاً ضِعف الجوع الذي أعرفهُ، فليسامحني الرب”

داهمتها أنجلينا، تأملتها وهي ترسم إبتسامة خفيفة على وجهها المستدير وتمسح على رؤس الصغار بحنو، نادتها فإستدارت بإرتباك وهلع

_ ماذا بكِ “ماما بور”، هل انت بخير

_ نعم، لبرهة تشابه ليّ صوتكِ مع صوت _ ابولو

_ لا تقلقي، لا تقلقي سيأتي يوما ما، أعدكِ أنني سأعيدهُ

هي تعلم بأن صوتها لا يشبه صوت ابولو، تعلم أن الصوت الذي تحدثت عنه والدتها نابع من داخلها العميق، من ذاكرتها التي تعيش فيه متحسسةً وجود ابولو الذي إتخذ مفهوم يخصهُ وحدهُ للوجود

ذاكرةِ الرياحْ قصيرة جداً ودافئة، تفضح المُدن المشيدة من ورقٍ تعِبْ وتُعرِي ما لم تحرص الأشجار على مواراتهِ، هي هكذا، تحشو الفراغ بحُبيبات الرمل وتحشوّنا بالضباب، هي لغةً أكثر إتساقْ أكثر دقة، أكثر لعنة وإستمالة، ذاكرةِ الشباك توقفت عند آخر عصفور، آخر قُبلة على الزجاج وآخر إنزياح توقعاً لمجيء الحبيبة أو مجيء الريح، ذاكرةِ الطفل الذي يستدعي حكاوي جدتهِ، ينمو حيوانٍ اسطوري في رأسهِ سمتهُ الجدة ” أب دُربانْ” يسعى حثيثاً مرعباً خلفهِ فيصرخ الطفل مُتحسِساً ” عِرقْ الشيطان” الذي يخصهُ، ويلعن بحنو جدتهِ العزيزة، ذاكرة الحرب هي في الأصل ذاكرة دانيال، جيانا، رِياك، مجوك وانجلينا أيضاً، هي ذاكرة متشابكة ومتشعبة ومشتركة، ليست معنونة لأحد أو مملوكة 

أخذت تصرخ إلى أن تمدّد صوتها، صوتٍ مبتور وكأنه ذاك الجزء المُنفلت من صراخ الناجون، مسحت بكفيها زجاج السيارة، سيارة مكتب الأمم المتحدة، وبين حبيبات الماء العالق فيهِ لمحت ابولو، لمحت ماما بور، لمحة خاطفة أحالت لبرهة تلك المسافة الواسعة بينهما إلى عناق، عناقاً سراب مضى لسبيلهِ حينما جف الزجاج

وبين آهاتها وشهقاتها التي تحاول أن تُبقى تلك اللحظة لمدة أطول، تحاول إمساك الوقت علّها تحفل بإنجاز وعدها الذي قطعتهُ لماما بور، أدركت أن الذي أطلْ عليها عبر الزجاج ليست سوى ذاكرتها التي أحالت الزجاج مسرحاً للفوضى

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…