نقد لمحمود

 

د. سعيد الفـراع

ذكرى رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، هي مناسبة لاستعادة دور الشعر والشاعر في سياقنا العربي، فدرويش شكل نموذجا شعريا وإنسانيا نادرا، بقدر ما كان يحرص على بناء كون شعري متفرد بلُغته وطاقاته التخييلية والفنية، كان يحرص أيضا على تأكيد أن الشعر ليس نصوصا ودواوين، بقدر ما هو رؤية وأسلوب حياة، فالشاعر الحقيقي روح ثائرة ومتوثبة نحو الحرية، ترفض الاستكانة والرضوخ لكل أشكال الاستلاب والقيود، فمهمة الشعر أن يواجه عبث الواقع’وزيفه، وتعرية جبروت السلطة وكشف فخاخها ومفارقاتها، والحفر على ضمير الإنسانية وتصوير كل أشكال التخاذل في الانتصار للمغلوبين والضعفاء والمضطهدين. فهشاشة الوجود الفلسطيني جعلت الشاعر يعيش حالة سباق دائم مع الزمن، لإثبات زيف القيم التي تحكم عالمنا المعاصر.

فقيمة العدالة والمساواة ومحاربة التمييز وغيرها من القيم، التي شكلت شعارات المنتظم الدولي لم تعرف طريقها إلى فلسطين، ولذلك كان درويش يكتب تاريخا شعريا لواقعنا المعاصر، تاريخا حقيقيا بإمكانه البقاء بعيدا عن كل أشكال التزوير والمسخ التي طالت العديد من الوقائع والأحداث. إنه تاريخ الحقيقة الذي يجد في اللغة والمتخيل والرمز والجمال، مادته لصياغة تراجيديا إنسانية على إيقاع ملحمي ينزف ألما وتمزقا.

إن إصرار محمود درويش على مقاومة المشروع الصهيوني في اغتصاب الأرض الفلسطينية، قاده إلى التنويع في أسلوب المقاومة الشعرية، فالشعر في اشتباكه مع أسئلة الوجود، يمتلك طاقات لا حدود لها تسمح بالكشف عن مآزق الإنسان في مواجهته لغربته وانشطاراته بين ثنائيات نمطية ماكرة، تسعى إلى سجن الفلسطيني في قفص البكاء على أمه الرمزية والدوران حول أسئلة الواقع اليومي الضيقة. فكانت المقاومة الشعرية سلاحا لا تقهره أفتك الأسلحة الحديدية والكيماوية، والرهان على الدور الفكري والثقافي في بناء مشاريع شعرية، تُضْمِرُ رؤى قادرة على اختراق الحواجز الذاتية والأدبية التي رسَّخها المُحتل رمزيا ولا شعوريا، مما يمنحُ فعلَ المقاومة الشعرية قدرة على التجدد وعدم الاستسلام للآني والعابر، فشعر المواجهة الذي انخرط فيه محمود درويش سيبقى مشروعا مفتوحا ولا مكتملا.

 

لهذا سنجد وربما من باب المصادفة المقصودة أن تكون آخر قصيدة (1) قبل رحيله الأبدي المفاجئ، موسومة بعنوان ‘ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي’ الزاخرة بالدلالات التي تلتقي عند الإصرار على المواجهة المفتوحة، فالشاعر كان يعرف جيدا أن الغياب الجسدي أمر حتمي لا مفر منه، فمند قصيدته ‘ جدارية’ (2) بدأ في مواجهة سؤال الموت شعريا، بعد عمليتين جراحيتين على القلب، لهذا شكلت قصيدة ‘ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي’ وصية شعرية أخيرة، وصية تحمل ملامح القصيدة الحلم، التي ستظل أفقا مفتوحا إلى الأبد، تقاوم بإصرار لحظة اكتمالها.

 

لقد كانت مهمة درويش مهمة مزدوجة، فبقدر ما عمل على تأسيس وجوده كفلسطيني ينزع نحو تأكيد حريته وحقه في امتلاك هوية وطنية مكتملة، عمل أيضا على تشكيل ملامح القصيدة الجديدة، وهما المهمتان اللتان جعلتا قصيدته الأخيرة قصيدة حوارية بامتياز، تحاور الوجود وترتاد فضاءاته الكونية السحيقة، وتسائل الزمن كفخ يطارد قصيدة مستكينة لمنجزها، ويعبث بمواضعات الذائقة الشعرية لقرائها المتعاقبين عبر الزمن، لهذا ردد درويش في قصيدته ‘ إن الزمان هو الفخ… لأن الزمان يشيخ الصدى’ (3).

 

وتكشف قصيدة ‘ لا أريد لهذي القصيدة أن تنهي’ عن هذا المسعى، الذي يرتفد بصيغ وأشكال رمزية متعددة، تجعل من جدلية المكان والزمان عملية استبدالية، خاضعة للترهين النصي والرؤيا الشعرية للذات الشاعرة، إذ تتميز القصيدة بكثافة خيالية تجعل منها عالما خاصا يقوم على الإمكان التخييلي، ما دامت المعطيات المرجعية المباشرة التي تنهض عليها، لا تشكل سوى مادة خام يعاد تشكيلها وفق متطلبات الإجراء التخييلي، المتحكم في البنى التركيبية والأسلوبية والدلالية، مما يجعل الفضاء النصي خاضعا لمنطقه الخاص، ومولدا لدلالات تنسف المعنى المتداول وتعالقاته النسقية المختلفة.

 

لهذا تحيلنا القصيدة منذ افتتاحها على كثافة تخييلية، شكلت على امتداد النص أداة لحم لمختلف الأجزاء والمقاطع الممتدة عبر جسد القصيدة، والتي تتحكم فيها علاقة الصراع بين حركتين: حركة المكان بكل ما تشف عنه من نزوعات نحو الفضاءات الحميمة، التي تجعل من الموت أقل قسوة بل جسرا نحو الألفة المفتقدة في الواقع المعاش، وبحثا عن سر التناهي الذي يهدد المسار المجهول للذات. وحركة الزمان بما تحيل عليه من وقوف على تخوم النهايات، التي تجعل حركة الزمن لا ترتد في اتجاه الماضي أو المستقبل، بقدر ما تتركز حول الحاضر، الذي شكل بالنسبة للذات الشاعرة بؤرة لتفجير إمكانيات حميمية لا حدود لها. إن العالم المتخيَّل الذي تحيل عليه قصيدة ‘ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي’، هو عالم الأبدية في لا نهائيته المفتوحة، فدرويش يبعث رسالة من الأبدية في اتجاه الحياة المعاصرة، وكأنه يستبق مجازيا عالمه لما بعد الموت، فيتأمل الوجود الإنساني الهش من زاوية العالم الآخر:

 

قلبي الجريح هو الكون

والكون قلبي الفسيح. تعالي معي

لنزور الحياة، ونذهب حيث أقمنا

خياما من السرو والخيزران على

ساحل الأبدية. إن الحياة هي اسم

كبير لنصر صغير على موتنا (4).

 

ومن هنا اتخذت ثنائية الزمان والمكان حيزا هاما في هذه القصيدة، فبقدر ما يبدو المكان أليفا ومفتوحا على العالم، يتخذ الزمن صورة الفخ الذي يتربص بالإنسان، بحكم قَدَرية الموت وجبروته، لهذا نجد الشاعر يعقد مصالحة مع المكان:

 

ليس المكان هو الفخ

ما دمت تبتسمين ولا تأبهين

بطول الطريق…

لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي أبدا

لا أريد لها أن تكون خريطة منفى

ولا بلدا (5)

 

فالأمكنة تبدو من خلال القصيدة فضاءات مفتوحة، لا توجد حدود دقيقة بين الحياة والموت، بين الهنا والهناك، فالشاعر يستطيع أن يشيد أمكنة متخيلة مليئة بأشيائه الحميمة:

 

ليس المكان هو الفخ

في وسعنا أن نقول:

لنا شارع ههنا

وبريد وبائع خبز ومغسلةٌ للثياب

وحانوت تبغ وخمر

وركن صغير

ورائحة تتذكر(6).

 

وبالمقابل يتخذ الزمن صورة الجبار الذي يترصد الكينونة ويجعلها مهددة بالمحو، فلا تجد الذات الشاعرة سوى الاحتماء بمسكن الشعر والذاكرة:

 

قال: إذن، حدثيني عن الزمن

الذهبي القديم

فهل كنت طفلا كما تدعي أمهاتي

الكثيرات ؟ هل كان وجهي دليل

الملائكة الطيبين إلى الله،

لا أتذكر… لا أتذكر أني فرحت

بغير النجاة من الموت! (7).

 

إنه استدعاء للحظات الطفولة التي تشكل ملاذ ذاكرة كل إنسان حين يقسو الزمن الحاضر، وتصبح الحياة صعبة خالية من الألفة، غير أن الشاعر على خلاف الآخرين لا يبدو سعيدا بطفولته الخالية من الفرح والحميمية، لهذا سنجده يتساءل:

 

من قال: حيث تكون الطفولةُ

تغتسل الأبدية في النهر… زرقاء ؟

فلتأخذيني إلى النهر (8).

 

وأمام الإحساس بهذا العجز في مواجهة الزمن وسطوته، يسعى الشاعر إلى قلب استراتيجية المواجهة عن طريق استثمار اللحظة الحاضرة، وجعلها البؤرة التي يتداخل فيها الأمس والغد:

 

ماذا أريد من الأمس؟ ماذا أريد من

الغد؟ ما دام لي حاضر يافع أستطيع

زيارة نفسي، ذهابا إيابا، كأني

كأني. وما دام لي حاضر أستطيع

صناعة أمسي كما أشتهي، لا كما

كان. إني كأني. وما دام لي

حاضر أستطيع اشتقاق غدي من

سماء تحن إلى الأرض ما بين

حرب وحرب (9).

 

إنه تفجير للآني على نحو يجعل الزمن الحاضر ملتحما بالمكان، فاللحظة الزمنية التي تنفتح عليها القصيدة في بدايتها تحيل على الشمس برمزيتها في الثبات أمام الزمن، والغوص في اتجاه الأعماق التي تمكن الذات من آليات قلب وارتداد المكان إلى حميميته، لهذا كشفت ملامح الفضاء المتخيل في القصيدة عن نزوع نحو تخوم النهايات والأبدية البيضاء، التي تحد من قسوة الألم، فالذات الشاعرة تُصر على السير في اتجاه المجهول، الذي يحيل القصيدة إلى بحث عن سر التناهي، من خلال تفجير الأسئلة وجعل الموت ممرا رمزيا من الزمني إلى اللازمني، من التناهي إلى نقيضه الأبدي. وبذلك شكلت قصيدة ‘ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي’ عودا أبديا وتمردا على مواضعات الزمن وإكراهاته، وجعلت من محمود درويش شاعر النهايات التي لا تنتهي.

 

الهوامش والإحالات:

 

وهي عنوان الديوان الصادر في آذار ( مارس) 2009، عن دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت. والمنشورة في مجلة ‘ الكرمل’ العدد 90/ ربيع 2009، من ص 9 إلى ص 22.

جدارية محمود درويش، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى حزيران ( يونيو) 2000.

قصيدة ‘ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي’، مجلة ‘ الكرمل’ العدد 90، ص 18.

قصيدة ‘ لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي’، ص 21.

نفسه ص 16.

نفسه ص 13

نفسه ص 10.

نفسه ص 11.

نفسه ص 14 ص 15.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سيأتي أربعة عشر رجلاً

الشاعر: عمار شرف الدين سيأتى أربعةَ عشر شخصاً لاتعرفونهم وسيطالبون بجثتى لردم حفرةٍ فى طري…