liilasup3_fb5c9a345f

أحمد يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

لو لُخّصت لك فكرة رواية لوليتا في سطرين فعلى الأرجح أنك ستفكّر أن “همبرت همبرت” بطل الرواية كائن وضيع يستحقّ أن يُسلخ حيّاً ثم يُطعم للكلاب .. و لكن لو قرأتها كاملة ، و سمحت لنابوكوف المؤلف بأن يمارس عليك سحره فقطعاً ستُصاب بالأسى و الشفقة و ربما حتى بعض المَيل نحو “همبرت همبرت” الكائن الوضيع الجهمني ، و ستبحث له عن الحجج و ستختلق له الأعذار ..

ففكرة الرواية ببساطة هي أن “همبرت همبرت” شيخ في الخمسين ، مُصاب باختلال نفسي يجعله يشتهي المراهقات اللاتي تجاوزن لتوّهن العاشرة ، و لا يُستثار إلا من قِبلهنّ ، ثم يجد همبرت فرصة ذهبية لإشباع هذه الرغبات المريضة بلوليتا ، إبنته بالوصاية التي بلغت الثانية عشر من عمرها للتو ، فيطوف بها الولايات المُتحدّة في رحلة الخطيئة ، مُستغلاً كل نُزُل ، كل فندق رخيص ، و حتى كل بقعة هادئة في الطريق ، لإشباع غرائزه المنحرفة ..

كُتبت الرواية فيما يشبه الاعترافات ، فهي مجموعة أوراق خطّها همبرت في سجنه ، الذي توفّي فيه قبل أيام من محاكمته ، اعترافات تذكّرنا باعترافات القّديس أوغسطين و اعترافات الماركيز دي ساد ، و إن كانت أقلّ جموحاً و ضراوة ..

الرواية صُنّفت خطئاً ، و من قبل المنافقين الإجتماعيين على أنها رواية إباحيّة ، رغم أنه و مع كل حساسية الموضوع الذي تعالجه لم ترد بها جملة واحدة خادشة للحياء أو جملة إغوائية رخيصة ، بل تميّزت الرواية بأسلوب أدبي رفيع ، و حَبْكة سرديّة رائعة و تعرية للمشاعر الإنسانية في أكثر لحظاتها إنحطاطاً و أصالة .. و لكن رغم ذلك ، مُنعت الرواية من النشر في الولايات المتحدة أوّل ظهورها ، مما دفع بالكاتب إلى نشرها في فرنسا أولاً ، ثُم و بعد عِدة أعوام في الولايات المتحدّة ، و ما زالت بعض الدول حتى الآن تُصنّفها على أنها رواية محظورة .. و حتى عندما تمّ إنتاجها كفيلم ، تم منع الفيلم من العرض لعامين قبل السماح بذلك!

الجزء الأكبر من الرواية هو عبارة عن مونولوج داخلي ، يُشرّح فيه همبرت مشاعره و أحاسيسه في كل مرحلة بحياديّة ، فتارة يحاول كسب التعاطف و الشفقة في خطابه لهيئة المُحلّفين ، و يظلّ يردد قوله أنه ما سعى إلا لراحة لوليتا ، و أن أفعاله تلك كانت بدافع حب سامي قبل أن تكون أفعالاً حيوانيّة تشمئز منها حتى الحيوانات .. و تارة أخرى يُقرّ بأنه حطّم حياة لوليتا المراهقة ، و دنّسها مُدنّساً معها أرض أمريكا في كُل بقعة مارس فيها شذوذه .. و الرواية تكشف عن عظيمِ دراية نابوكوف بالتحليل النفسي ، من خلال غوصه عميقاً داخل أغوار شخصيّة همبرت ، و ربطه لجميع أحداث حياته مع بعضها البعض .. بل إن همبرت يعرف يقيناً سبب إنحرافه هذا ، و هذا ما ساعده على تضليل الأطباء النفسيين الذين لم يقترب أحدهم من تشخيصه تشخيصاً صائباً .. فكل القصة بدأت مع آنابيل ، المُراهقة الإنكليزية البديعة ، أول حوريّة مسعورة _كما يحب همبرت تسمية المراهقات الشبقات_ في حياته ، و التي ماتت في صغرها تاركة غصة في حلق همبرت ، غصة أنه كان على مرمى سهم من نيل وطره منها .. و مُذاك الوقت و هو يبحث عن شبيهات آنابيل للتحرر من تلك اللعنة .. و هذا ما يُسمى في التحليل النفسي بالنكوص ، و النكوص هو تقهقر النشاط النفسي إلى مرحلة سابقة من مراحل تطوّر اللبيدو ، فيثبّت المرء نقطة في حياته _الجنس مع آنابيل هي نقطة همبرت_ يثبت عندها الإشباع الغُرزي ، يعود إليها الفرد كلما أصبح الإشباع مُحالاً ، أو غير كافٍ .. و قد أمدّت الرواية الحقل النفسي بمصطلح “عقدة لوليتا” و هو مصطلح مُستعمل بسعة الآن لوصف هكذا إنحرافات جنسية عمرية ..

إن همبرت في بعض _أو معظم_ أجزاء الرواية يتكشّف عن خِسة و دناءة رهيبتين ، مثلاً كيف أنه كان يجلس في الحدائق العامة لساعات طويلة ، متظاهراً بقراءة كتاب ما و هو يراقب بعين الصقر مجموعة من الفتيات الصغيرات ، مقتنصاً تلك اللحظات التي ترفع فيها الريح أطراف ملابسهن فتستبين أفخاذهنّ البضّة ، و يرتعش همبرت .. و كيف أنه إستغلّ شارلوت والدة لوليتا أسوأ إستغلال و أوهمها بحبه دون أدنى إحساس بوخز الضمير فقط ليضمن بقاء لوليتا قريبة منه ، و كيف أنه فكّر جاداً بعدها أن يقتل شارلوت حتى يخلو له الجو مع لوليتا .. بل حتى علاقته مع لوليتا ، كيف كان يستغلّ ضعفها و وصايته عليها فيبتزها عاطفيّاً ، و يخوّفها بإرسالها لمدرسة داخليّة صارمة إن لم تنصع لرغباته .. كان همبرت وحشاً دنيئاً وضيعاً لا شكّ في ذلك ، و لكن هذه الهالة السلبيّة حول همبرت أتاحت لآخر لا يخلو من دناءة و كراهية ألا تتم ملاحظته ، و أتاحت له التخفّي و الإختباء خلف ثيمة الحمل الوديع الذي يتم إستغلاله .. أجل ، إنها المراهقة الصغيرة البريئة لوليتا .. فلوليتا شريكة أساسية في نسج كل هذا الإنحطاط ، مُذ بداية إستجابتها لهمبرت ، بل و مشاركتها في الإغواء المتبادل هي أيضاً ، ثم العذاب النفسي الذي إستمتعت بتسبيبه لهمبرت حينما علمت سطوة جسدها المراهق الغضّ عليه ، فكانت تبتزه ماديّاً و معنويّاً ، و تزدريه بقسوة ، و تتعمّد إدخاله في نوبات من الشكّ و الوساوس بتصرفاتها الطائشة .. بل و حتى الطريقة التي هجرته بها في النهاية ، عالمةً بأن ذلك من شأنه أن يفطر قلبه ..

إن رواية لوليتا تُجسّد فكرة تفاهة الحياة حينما يسيطر علينا هوس ما ، فهمبرت ما خلا هوسه بالمراهقات و لوليتا كانت حياته صفراً على الشمال ، بل إنه لشيء يدعو للضحك و الرثاء أن تلاحظ ذلك في أحداث الرواية .. فهوسه هذا هو ما ظلّ يدفعه و يحركه من مرحلة لأخرى ، فهو لم يقبل الإنتقال إلى الريف إلا حينما علم أن لقريبه الذي يسقطن معه إبنة مراهقة .. و لم يقبل بتأجير بيت أستاذ الكيمياء إلا حينما وجده مُطلّاً على مدرسة بنات ثانوّية .. لم يتزوّج شارلوت إلا من أجل لوليتا ، و لم و لم و لم .. و همبرت يعرف أن إنحرافه هذا جزء أصيل من هويّته ، فهو لم يذكره بشرّ مُطلقاً أثناء سرده ، و لم يتخذّ خطوات إيجابية للحدّ منه سوى زواج كان يعرف بفشله مُقدماً ، بل كان يذكره كأمر واقع ، كجنّي عنيد يسكنه و يستحيل إخراجه و طرده ، بل كان يذكره على أنه “المُتعة الوحيدة الحقيقية في هذه الحياة” !!

تعليقات الفيسبوك

لا توجد تعليقات

  1. قدرة عالية علي النفاذ .. إسحلاب جيد لبنية الوعي النفسي لكل شخصية … فالأرجحة بين التعاطف مع ولا تعاطف .. حرفية نقدية محايدة أضفت علي التحليل بناء جدير بالتقدير ..

  2. قدرة عالية علي النفاذ .. إسحلاب جيد لبنية الوعي النفسي لكل شخصية … فالأرجحة بين التعاطف مع ولا تعاطف .. حرفية نقدية محايدة أضفت علي التحليل بناء جدير بالتقدير ..

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…