65761ba61056717e4c035a478c3d5ba0

يس المك :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**
يقول صديقي (المغني) حينما أسأله: لماذا تقدمون هذا الفن وأنتم تعلمون أنه ضعيف البنية, خالي المضمون, لا يحمل إلا أهون المرامي إن وجدت؟! فيرد دون أن يكلف نفسه تأمل سؤالي: “هذا ما يطلبه الجمهور” فما تجدني إلا متعجباً منه, ذاهلاً من تهاونه بالفن وقلة خطر الغناء في نفسه.

وليس هذا رأي صديقي وحده, ولكنه رأي معظم المغنين الشباب, مما يجعلك تشعر بخطر الأمر وعظمه, وإنكَ لترى الواحد منهم قبل أن يلتصق به هذا اللقب؛ تراه يحيى كما يحيى الناس, ويرضى عما يرضى عنه الناس, لا يُنكر من أمرهم شيئاً, ولا ينكر من أمره هو شيئاً أيضاً, حتى إذا جرَّب أن يصدح بصوته, ويردد مثل ما يردد غيره, إنتقل إلى غير الحياة التي كان عليها, وإلى غير تلك الطبائع, فينخرط بعقله وشعوره في هذا الوضع الجديد, مغلقاً كل السبل التي تصله بذاك المجتمع, والتي تؤثر فيه ويتأثر بها, إلا ما يملأ جيبه, ويغذي رصيده من المال.
ثم تراه في صورة أخرى مزهواً بنفسه, مغتبطاً بما يظهره له الناس من إحترام, وما يلفظون به من إعجاب, وما أشدّ فخره وزهوه حين يناديه أحدهم “يا أستاذ”, كأنما الأستاذية تُمنح هكذا كما تُمنح كلمة الشكر والثناء. وحتى يليق بقدر تلك الكلمة فلابد له أن يتزيّا بزِي الأساتذة, وأن يتصرف ما يتصرفون, ولكنه لا يُحصِّل من ذلك إلا التكبر على غيره, والإغراق في جهله وسطحيته.
من أجل ذلك تراه مستصغراً كل من يخالفه الرأي, ويبذل له النصح, غير آبه بما يقول, فيُلقي الكلمات ما يُلقي من يأكل حبوب التسالي القشرة, لا يحسب لها موضعاً, ولا يهمه أن يتسخ بها المكان. ولو أنه فعل لأدرك أن هذا الجمهور الذي يضطره إلى مثل ذلك الغناء إنما هو يتلقّى فقط, ولا يملك أن يجبر مغنياً على أن يقدم هذا النوع أو ذاك من الغناء, ولعلم صديقي هذا أن ذات الجمهور الذي يتحدث عنه لو لم يجد غير الغناء الملتزم الهادف لاستمع له راضياً به ذائقاً له. وقد يطول الوقت أو يقصر, لكن لابد أن تخلد تلك الأغاني في وجدانه, ولابد أن يتكرر ذكر المغني عبر الأزمان. ولا يستطيع صديقي أن يقنع بحديثه هذا من له ذرة فهم, ولن يجرؤ على قول أن الجمهور لوى عنقه ليغني ما يغني.
ولكن الأمر برمته يعود إلى ما يصبو إليه هذا المغني -أو جيله- فلو أن لأحدهم رسالة يؤمن بها, أو فكرة جديدة يريد شيوعها, أو إصلاحاً لما هو مائل من حال مجتمعه؛ لكان له ما يريد, ولكن على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ كما قيل قديماً, وهذا الطريق صعبٌ شاق يثبت ذلك التاريخ. فلم يصبح (محمد وردي) فنان إفريقيا بين يوم وليلة, بل كان يتفاعل مع حال بلده, ويتحدث بلسان الناس ليصلح من أمرهم, أو ليكشف ما ووري عنهم, فيبذل لغايته ما يشق على النفس, ويراقب عمله أشد رقابة, ويصرف النظر عن ساقط القول وفارغ المعنى, وطال به الدهر حتى نال ما نال من النجح والتوفيق. ولكن صديقي هذا وأمثاله ليس لهم عزائم وردي وجيله, ولا يطمعون أن يخلدوا بين صفحات التاريخ, بل تكاد غايتهم تكون ما يدخل محافظهم من النقود ولا شئ غير ذلك.
إن للمغني لمسئولية تجاه شعبه وضميره: تجاه شعبه بأن يحافظ على ذوق الناس ويرقِّيه, ويعبِّر عن هويته وعاداته, ويصور للناس حيواتهم, ويصلح من أمرهم, كما يفعل الكاتب والخطيب. أما تجاه ضميره فأن يصون نفسه من الغرور والكِبر, وأمانة الفكرة والكلمة. إما ذاك أو لا يُنتظر منه فناً, ولا يمكن للذوق العام الخروج من وحله.
وعلى ذلك تكون مقولة “هذا ما يطلبه الناس” باعثة على الخجل, إذ ليس لها مكان في المنطق ولا في الواقع, ولا تصلح إجابة للسؤال في صدر حديثنا هذا, والخير كل الخير أن ينتبه هؤلاء الشباب إلى حالهم, فإن التاريخ لا يرحم. وليعلموا أن ذوق كثير من الناس يتشكل على أغانيهم الخالية في الغالب من اي مضمون سامٍ, وأقول “في الغالب” لأن هناك بعض الإشراقات.

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

  1. Wonderful goods from you, man. I have understand your stuff previous to and you are just extremely great. I really like what you’ve acquired here, really like what you are stating and the way in which you say it. You make it enjoyable and you still care for to keep it wise. I can’t wait to read much more from you. This is actually a terrific website.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…