الحادي والعشرون من أذار كيوم منذور للشعر أبداً؛ في خليقة ما بعد الحداثة، يمر علينا ولمّا نتلُ قُدّاس الشعراء مكللا بالتبجيل كما يجب، فالشعر هو أبهى تجليات النفس، بل هو كمال الروح المنطوق في عوالم الكمال، وقد كان على مر تواريخ البشر -المتشبثين بتفاحة ابيهم الاول وخطئية أمهم المُهلكة- اسمى طُرق إحتجاجهم وأكمل شعائر الإمتنان، ولأجل ذلك ظل الشعر في مشوار تراكمه يتلوّن بألوان الروح متسربل بتمظهراتها التي تترقق كلما تمادت مجرة التبانة في دورانها المستهلك لوقود الزمن.
    في الحادي وعشرين من مارس ذي الحظوة الشعرية، من اقدار ندائده-ألايام- يمكنني الزعم بأن امرؤ القيس هو -إضافة الى سبق فحولته وجزالة وصفه للحسرة والنعم البالية- أول من روّض الشعر في المخيّال العربي ليكون أداة أكثر قداسة. حيث لا توقيت اكثر صفاء من يوم منذور لإختلاق الدهشة لأقول أن الملك الاول للشعر والفوضى العابثة هو أول من أخرج الشعر  من دوره التقليدي كجبهة ثانية للقتال و حفظ الشرف القبلي يحصد -في معاركه الكلامية – ما عجزت عنه الاسلحة من غنائم.
    امرؤ القيس في لائيته الأم والتي أُعتبرت حجر أساس الشعر الطويل، أفرد مساحة كبيرة جداً لوصف الطبيعة  ومشاهد البرية الخلابة، وبالاخص تدفق السيول على الجبال والوديان وسنا البرق الراعد في أخرها، وكأنه جالس على منصة عليا يرصد حركة الماء وهي تعصف بالاحجار والبيوت، إضافة الى تأريخه لمغامراته اللاهية مع الظعائن، وهو ما فتح الباب واسع امام العاشقين من الشعراء في العصور اللاحقة للتصريح – المبالي والغير مبالي منه-فرأينا كثير وجميل وقيس، وكذلك الداهية ابا نوّاس .
    من جمالية شعر الملك الضِلِّيل؛ أنه يُشعرك بأنه يقول الشعر من أجل الشعر  نفسه، -ولو بدى أنه يكتب لينسى تقلّب الدنيا ونكوصها-مذ لم يكن لأمرؤ القيس هدف  بعد ضياع المُلك في شعره سوى التصوير ؛ فوصف البرية ورحلات صيده؛ خدمه وحشمه، في تداعي آسر عن ماضي غير مأسوف عليه وحاضر لا يُحمّله الإ ما يطيق من أوزار لهوه، مُعضداً بطانة شرفه التليد بسؤدد كنده الوضاء. تاج على رأس معد.
    لشعره وَلَه الشاب باللهو  وبصيرة المسترجع لما مضى بشغف التفاصيل، يلعب بالحرف لعب الحاذقين، ويمجد تاريخه ببصيرة الراسخين في الفكر والتأريخ، أنفق من مخياله السيّار ما شاءت له قريحته المفعمة بحب الطبيعة؛ ثم رسّخ حرفه في تبجيل مقتنياته والتي على رأسها جواده كميتي السِحنة الذي بلغ عنده حد التقديس والملازمة.
    ما من خيال في تلك البيئة الغبراء لينتبه لجمال الطبيعة سوى خيال رجل مشبعاً بأمجاد عصره ، متطلعاً إلى سماء فكره يروم سؤدداً لمّا يتلألأ نجمه في أفق الصحراء القاحلة.
    ما جعلني افكر بأن امرؤ القيس كان يرى في الشعر ابعد مما يراه اقرانه هو : تصويره لمشهد المطر  في منطقة جبلية وذكره بأنه واصحابه كانوا يتأملون عصف الماء وشدة بأسه بالطبيعة في اخر بائيته الشهيرة؛ وهي القصيدة التي تنقل فيها بين المشاهد والموضوعات مفتخراً مرة ووممجداً مرة اخرى؛ ثم عاشقاً؛ ماجناً فحلاً يلهي بالوطء المرضعات عن ولدانهن، وصياداً مغامراً في البرية ثم متأملاً محايداً  يصف جمال الطبيعة وهياجها كما في المشهد أدنا. ولك أن تتأمل عبقرية هذا الشاعر في اليوم  الموهوب لشعره وبهاء الشعراء السابق منهم واللاحق ببصيرة مَلَكته الشعرية.
يقول امرؤالقيس حُندج بن حُجر الحارث الكندي في  نهاية بائيته:*
أصاح تَرَى بَرْقًا أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ 
كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيْحُ رَاهِبٍ 
أَمال السَّلِيْطَ بالذُّبَالِ المُفَتَّلِ
قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتِي بَيْنَ حامر 
وبَيْنَ إكام، بُعْدَمَا مُتَأَمَّلِي
فأَضْحَى يَسُحُّ المَاءَ عن كل فيقة
يَكُبُّ عَلَى الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
وتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ 
وَلَا أُطُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجِنْدَلِ
كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً 
 مِنَ السَّيْلِ وَالغُثّاءِ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
كَأَنَّ أبانًا فِي أفانين ودقه 
 كَبِيْرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
وأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبيْطِ بَعَاعَهُ 
نُزُوْلَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المحملِ
كَأَنَّ سباعًا فِيْهِ غَرْقَى غُديّة 
بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيْشُ عَنْصُلِ
عَلَى قَطَنٍ، بِالشَّيْمِ، أَيْمَنُ صَوْبِهِ 
وَأَيْسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُل
وَأَلْقى بِبَيسانَ مَعَ الليلِ بَرْكَهُ 
 فَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ
تلبو
—————
*اخر معلقة امرؤ القيس من ويكيبيديا الموسوعة الحرة على الشبكة العنكبوتية

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رقص العروس وإبتسام المرايا

ينطبق الخصر الضامر كفرع اراك غض،تتلوى معه السواعد،ترتجف الارجل تهتز ويهتز الصدر،ترتفع كرتي…