يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

الفصل الثاني: فتى النافذة الوردية.

السماء صافية و الجو معتدل على غير عادة أيام فصل الصيف الملتهب، كان يطل من النافذة، حيث توقف زوجين عند باب المشفى، يتجادلان بلا توقف، يبدو على السيدة التوتر، و يبدو على السيد الضيق، بالنظر لحركات يديها و طبيعة زيها الذي يميل لعدم الاحتشام، لم يكن على الدكتور إبراهيم أن يشك في أنها ليست أحداً سوى ليلى و زوجها، ترتدي قبعات غريبة لتبدو و كأنها سيدة من ستينيات القرن الماضي، بعد لحظات تركته خلفها و مضت، بينما زوجها كان يلوح بيديه في الهواء، في تلك اللحظة بالذات سمع صوت حميد يناديه، كان غير واع بما يقول، ربما اختلطت عليه الوجوه بعد الحقنة المهدئة…

اتجه الدكتور ببطء نحو سرير حميد، جلس إلى جانبه، ثم بحنو وضع راحة يده على كفه ثم رمقه بنظرة أسف، في ذلك الحين دخلت الممرضة لتخبره برغبة السيدة ليلى بلقياه.

ليلى البوزيدي، أخت حميد غير الشقيقة، الشاهد الوحيد على ما جرى في تلك الحادثة التي حملت حميد لهذا المكان منذ عشر سنوات، كانت هي في العاشرة من عمرها بينما هو كان في الخامسة عشر، كثيراً ما كانت تنهمك في البكاء كلما قصت أحداث ذاك اليوم، لكن حكايتها دائما ما تبدو ناقصة.

تلقي عليه نظرة بسرعة ثم تتوارى خلف أسوار المشفى دون أن تلتفت وراءها، و كأنها تهرب من ذنب ما، بينما يبدو في الأفق زوجها في انتظار عودتها بصبر فارغ.

كل مساء كان يفتح النافذة التي تطل على الشارع العمومي، يرى موقف السيارات البنزيني و الفندق القريب بألوانه الزاهية، لكنه لا يراه.

في يوم ماطر، كانت رائحة التراب المبلل تملأ الأنحاء، في بهو المنزل الواسع تنتصب حقيبتين واسعتين مكدستين بالملابس و الحاجيات، اقترب منهما ببطء، ألوانهما جميلة، لكنه بسرعة تراجع نحو الخلف حين بدأ يسمع صوت والديه، يتجادلان كالعادة، لكن هذه المرة يبدو الجو أكثر تشنجاً، مر برق شديد أضاء المنزل بأكمله مصاحباً لصوت صفعة قوية، لم يكن يعلم من صفع من، لكنه بدأ يجهش بالبكاء، حينما خرج والده بسرعة من غرفة نومه، في بدلة بيضاء ناصعة و قبعة مستديرة قد أحاط بها شريط أزرق بنفس لون ربطة العنق. جرجر حقيبتيه نحو الباب حينما ارتفع صوت حميد بالصراخ، كان يبكي بحرقة، شيء ما يخبره بأنه إذا خرج فهو لن يعود، بعد تردد، عصر الأب الغاضب قبضته، ثم أسرع ناحيته بابتسامة سعيدة مفبركة، محاولاً أن يضلله عن ما حوله، ثم انحنى اتجاهه، ليهمس له: “انتظرني، سأعود يوما”

تتبع خطواته من النافذة الوردية، إلى أن حملته سيارة أجرة إلى المجهول. كان ينتظر كل مساء، حتى استبد به السأم، لكن الشوق كان أعتى، حتى سمع ذات مساء ضحكات في بهو المنزل، خرج بسرعة ليرى هل عاد الغائب، لكنه لم يجده هو، كان رجلا أخر، أصغر سناً، يصفف شعره إلى الخلف، ندبة غريبة مستقرة على خده الأيسر، سمج، سليط اللسان، قميصه شبه مفتوح دائماً، ينظر نحوه بقرف، ليلتفت نحو والدته و يسأل بصوت جاف: “من هذا الولد؟”

كانت تلك البداية وحسب، فلم يكن حميد ليعلم أن الرجل سيشاركه منزله و والدته، و لازال يرتجف خوفاً حين يتذكر ذاك اليوم الذي دخل على غرفة والدته، ليجدها تضاجع من طرف زوج أمه، شهق شهقة فزع، لينتفض الزوجان بسرعة من وضعهما الحميمي، كادت الأم تنهض بسرعة نحو ولدها تخفي قدر ما تستطيع من عريها، لولا أن الرجل ذو الصوت الجاف دفعها بعيد، ليصفع الولد الصغير بقوة رمته على الأرض، ثم نحو ذاك القبو الرطب لأول مرة.

البداية دائما ما تكون صعبة، و كذلك كانت ليلته الأولى في القبو الرطب، حيث لم يسعفه توسلات والدته و بكائها المتواصل، كانت تبدو ضعيفة، عارية، و مهزومة. القبو المظلم لم يكن يوما معداً للاستعمال، كل شيء منسي و لا يعمل يرمى هنا، لا يكسر ظلمته إلا نافذة عالية جدا تملؤها القضبان الحديدية الغليظة، حتى نور القمر لا يكاد يمر من بين كل تلك الأسنان الحديدية، بعيد في الشارع المقابل علت ليلاً أصوات الكلاب الضالة و حربها الشرسة مع بعض القطط التي على ما يبدو انتهى بها الأمر كوجبة، تكوم حميد في ركن بعيد محاولاً أن لا يفتح عينه، لكن شيء ما تحرك في الجانب الأخر جعله ينتفض و يبدأ في الصراخ بقوة، لوهلة ظن أن الظلام يبتلعه، أياد كثيرة تمتد نحوه، تحاول النيل منه، صرخ بقوة حتى أغمي عليه، في صبيحة ذلك اليوم وجدته أمه غارقاً في ما يبدو أنه نوم عميق، حملته برفق نحو سريره و دموعها تنساب على جبينه، كان زوجها قد خرج منذ الصباح الباكر، فهرعت بمجرد أن فعل إلى ولدها.

لم تكن تلك المرة الأخيرة، في كل مرة كانت تلك الأيادي تمتد نحوه تطارده تحاول أن تسرقه من المكان، لكنها تختفي أحيانا و أحيانا أخرى يغيب عنها في إغماءات متواصلة.

كانت الصور تتسارع في مخيلته، جثة أمه الهامدة، صرخات أخته في بهو المنزل، ظهر والده و هو يركب سيارة الأجرة، قبلة والدته على جبينه ذات صباح، رائحة القهوة، حضن دافئ في يوم بارد، ابتسامة والده.. كان يصرخ بكل قوة.. لينهض من سريره و هو مبلل بالعرق، كانت الأصوات العالية تملأ المكان، نهض بتعثر من السرير، يخطو ببطئ، وصل إلى النافذة و هو بالكاد يستطيع الوقوف، بحذر سحب الستارة قليلاً، مجدداً، كان العم حسن يرمي، بمشهد مكرر، جثة في حفرة واسعة، و مجدداً نظر نحوه بابتسامة مختلة، لم يمتلك معها حميد سوى أن يضم يده نحو فمه لينهمك في البكاء.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

إنبعاث

غرفة ضيقة رطبة، لها نافذة واحدة تطل على جبل بعيد، جدران قضمتها الرطوبة و عبثت بطلائها الأب…