في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت وفي قلبي أشلاء أوقات ضائعة لم أستفد منها كما يجب أو أنا أرى نفسي لم أستفد منها كما يجب، لكن العمر يتدفق من ساعة رملية محطمة ونحن لا نملك إيقاف هذا التدفق أو ملء هذه الساعة بالمزيد من الرمل، لا أحد مهما ازداد ثراء يستطيع شراء وقت إضافي أو رشوة الموت ليحصل على المزيد من الوقت .

أمسكت بالرواية وأنا أشعر بالقلق من أن ألوث صفحاتها بآثار بصمات أصابعي، في خيالي عينا صديقي أيمن اللتان يمكن أن تمتلآ بالكثير من التقريع واللوم؛ لأني خطفت هذه الرواية منه . وكنت أشعر بالخوف من أن تكون رواية صباح أروع بكثير من ما أحتمل، يمكن للأعمال الرائعة أن تخنق قلبي من عنقه وتجعلني أواجه صعوبة كبيرة في التنفس .

القراءة لصباح سنهوري بالنسبة لي رحلة محفوفة بالمخاطر، أشبه بدخول حديقة أطفال مهجورة في مدينة حدث فيها انفجار مفاعل نووي، قد تصاب بالسرطان بفعل المعادن الملوثة بالإشعاع قد تنقض على ساقك أفعى جائعة من كومة عشب أخضر . ورحلة القراءة تزداد خطورة إذا كانت المؤلفة تنتمي لجيلك .

لكني قارئ بارع، دخلت الرواية وأنا في غاية الحذر، كنت كمن يدخل السينما ليشاهد فيلم رعب وهو يظن أنه لن يشعر بالخوف، لكن الموسيقى التصويرية وزوايا التصوير ترعب كل ما هو قديم وغرائزي في داخلي. أيقظت الرواية الخوف النائم في دمي مرتين، مرة حينما كتبت “سلام” إحدى شخصيات الرواية:

” آه … أشعر برغبة كبيرة في الكتابة، أبدأ بتحريك قلم الرصاص على ورقة ناصعة البياض، أطرافها حادة للغاية، تكاد أن تجرحني… رسمت نهرا وطفلا يرمي حجرا على ماء النهر فيحدث دوائر متفاوتة في الاتساع … أجدني مدفوعة لكتابة كلمة “الموت” فأكتبها إحدى عشرة مرة… أضيف إليها ” الموت” واحدة أخرى ثم أكتب:

الموت: يجلس على الأريكة الخشبية في الحديقة، يراقب طفلا يراقب فراشة صغيرة .

الموت: يسحب دخانا من سيجارته الخالدة، ينظر إلى الفراشة، ينفث دخان سيجارته ويحول بصره إلى الطفل، ينفض سيجارته وينظر من جديد إلى الفراشة .

الطفل: جالس على العشب، يراقب الفراشة بهدوء تام، يريد أن يحك أنفه لكنه لا يستطيع؛ إذ لا يريد أن يزعج الفراشة، أن تخاف فتطير بعيدا.

الموت: يحك أنفه ويسحب دخانا من سيجارته.

الفراشة: تشعر بالامتلاء وتراقب الرحيق المتبقي بالوردة.

الطفل: يشعر بقبضة يد مؤلمة تعتصر قلبه، لكنه لا يريد أن يصرخ فتطير الفراشة .

الموت: ينفث دخان سيجارته بهدوء.

الطفل: لا يريد الصراخ ولا أن يضع راحة يده الصغيرة على قلبه…. هو ينظر فقط إليها… الفراشة.

الموت: يسحب دخانا من سيجارته.

الفراشة: تموت الآن من التخمة.

الطفل: يموت الآن من اعتصار القبضة المؤلمة لقلبه.

الموت: ينفث دخان سيجارته الخالدة، يلعق أنامله بهدوء ويحول بصره إليك… أنت.”

إن لم تشعر بالخوف بعد قراءة نهاية هذه الكلمات، فإما أنك لم تفهم النص أو فهمته لكنك لا تهاب الموت حتى لو رأيته ينظر إليك وهو يلعق الدم من أنامله بلذة وهو ينظر إليك كأنه يقول لك: أنت التالي . يظهر الموت هنا لا مباليا فهو لا يهتم برقة الفراشة أو بلطف الطفل، إنه يقتلهما بسبب أو من غير سبب، فالفراشة تموت من التخمة وهذا سبب عبثي، والطفل يموت عمدا بفعل اعتصار الموت لقلبه.

الرواية تتحدث عن شخص غامض اسمه” سيد” يقوم بفتح وكالة اسمها ” بارادايس” بمعنى الفردوس. تساعد الوكالة زبائنها على الانتحار. وظيفة ” سلام” هو كتابة سيناريو مناسب لكل عملية انتحار . “رياض” زميلها في العمل مصور فوتوغرافي مهمته تسجيل لحظة انتحار الزبائن وتوثيقها حسب رأي سلام إلى الآبد .

سأقوم هنا بفك الرموز وبالطبع هذا لا يعني أن الروائية صباح سنهوري قد قامت عمدا بوضع هذه الرموز حتى أقوم أنا بفكها أو حلها. ما أنا متأكد منه أني بقراءة الرواية قمت بكتابة رواية موازية لها، فلو وضعت يدك في ماء بارد فشعورك بالماء ليس هو الماء ذاته، درجة حرارة الماء ليست كل خواصها الفيزيائية .

“سيد” رئيس الوكالة الغامض والذي وظف سلام وحسب زعمها هو يعرف كل شيء يرمز إلى ” الله” و ” سلام” ترمز إلى الدين والتي وظفها الله ليجد الناس معنى لحياتهم .

يسأل “سيد” في مقابلة العمل “سلام” :

– ما أهم ما في عقل الإنسان ؟

تجيب ” سلام” ضاحكة:

– الكتابة ربما .

– لا أهم ما في عقل الإنسان بحثه عن المعنى والغرض .

تؤدي “سلام” دور كاتبة السيناريو لزبائن وكالة “بارادايس” والتي يملكها “سيد” تماما كما يملك الله “الفردوس” كأن “سلام” الموظفة لدى “سيد” ليست تعاليم الدين فحسب بل القدر أيضا، فكل إنسان يموت بطريقة ما، وهذا الطرق عبارة عن سيناريوهات يسطرها القدر .

رياض زميل “سلام” في العمل يرمز إلى الخلود، فكل المؤمنين بالله والملتزمين بالدين يريدون الخلود في الجنة . واسم “رياض” له علاقة بالجنة “رياض الجنة” . رياض وظيفته في الرواية تصوير آخر لحظات الموت بالكاميرا الديجتال وعمل عمليات مونتاج لمشاهد الانتحار . فكأن عمل ” رياض” مجرد وهم وشيء غير مفيد بالنسبة للمنتحرين الذين ماتوا. فما فائدة المشاهد المصورة بالكاميرا للموتى؟ بمعنى آخر ما فائدة حكايات نعيم الآخرة ودرجات الجنة بالنسبة للموتى؟ هذا السؤال يطرحه الأحياء بطبيعة الحال لأن لا أحد يعرف أين ذهب الموتى ؟

في الرواية يحكي “رياض” ل”سلام” رؤية شاهدها في المنام قال لها: أنه رأى أشخاصا كثر يتظاهرون حاملين لافتات، تطالب الوكالة بأن تعطيهم “البارادايس” التي وعدوا بها. أخبرها أن أولئك المتظاهرين كانوا أنفسهم زبائن الوكالة السابقين .

غضبت سلام كثيرا منهم وقالت: كيف يجرؤن على تحطيم أثاث المكتب ؟

يسألها رياض: لماذا يتظاهرون لماذا عادوا مرة أخرى؟

تجيبه سلام: ربما لأنهم لم يجدوا المعنى، لم يجدوا شيئا .

كأن الموت لا ينهي حيرة الكائن الحي .

كانت الوكالة حسب رأي سلام تساعد هؤلاء الذين لم يجدوا المعنى والغرض” لأن وكالة بارادايس” رمزية للدين بكل مؤسساته وأركانه الغيبية التي يجب الإيمان بها لتجد المعنى والراحة والسلام .

لا يفوتني أن أخبركم أن وكالة “بارادايس” تقع في شارع الشهيد ” عمران عمران” المبنى الذي يحمل رقم أربعة . شارع “عمران عمران” رمزية للواقع للدنيا وهو واضح حقيقي جدا بغباره رغم غموضه فلا أحد يعرف، في الرواية على الأقل، من هو الشهيد عمران عمران ؟. أما المبنى رقم أربعة الذي تقع فيه وكالة بارادايس بكل غموضها .فرقم أربعة هو رمزية للكتب السماوية الأربعة” الزبور، التوراة، الإنجيل، القرآن” يمكنك أن تذكر المذاهب الأربعة أيضا . تذكر هذه قراءتي للنص وليس بالضرورة قصد الكاتب الحقيقي .

يمكن للروائي أن يعبر عن فكرة ما بصورة رمزية بطريقة غير واعية وهذا جزء من سحر الرواية والإبداع بشكل عام .

سأخبركم الآن عن المرة الثانية التي شعرت فيها بالخوف والصدمة بفعل صورة مشوهة للواقع جعلتني الروائية أراها:

” رأت “مي” في كابوسها الأخير، أنها و ” سليمان” لديهما فتاة، بدت الفتاة في المنام كأنها في العاشرة من عمرها، نادتها “مي” باسم لا تستطيع تذكره جيدا الآن، ربما يكون “ابنتي” أو ” نسمة” أو أي شيء، التفتت الفتاة لأمها “مي” وكان لها رأس صغير الحجم جدا، تذكرت “مي” أن قشعريرة باردة سرت بكامل جسدها بعد رؤيتها هذا المشهد، وربما على الأرجح قد تبولت على نفسها من الخوف والصدمة، كان للفتاة رأس صغير الحجم جدا، مفرط في ضآلته لدرجة كبيرة، الباقي من جسد الفتاة يبدو طبيعيا لمن يستطيع أن يحول بصره عن رأس الفتاة صغير الحجم.”

لغة الرواية سهلة، كافية للتعبير عن المشاهد بدقة، فمن السهل على الكاتب أن يصف مشهدا يراه في ذهنه بوضوح. أحيانا التعمق في اللغة وسيلة لتعويض نقص تفاصيل المشهد، أو بقاعدة: إن لم يكن هناك ما تصفه فأسرف في الوصف .

المشاهد في الرواية تتغير بسرعة لكن بسلاسة، لا شك أن الكاتبة حسب رأي لا زالت متأثرة بتكنيك كتابة القصة القصيرة بما أن هذا عملها الروائي الأول، وقد جاء صغير الحجم لكن مكتمل النمو بأصابع يد كاملة وبفم خال من الأنياب ولعاب يرقص في الهواء كخيوط العناكب وبعينين سوداوين غامضتين .

أنا سعيد أني أكملت قراءة رواية ” بارادايس” من غير أن أصاب بأذى، أو أن ألوث أوراق الرواية بأثار زيت المكرونة أو أن أبللها بالشاي الأحمر والبسكويت .

مثلما أن في الرواية مشاهد رعب فإن فيها روح ساخرة وتشبيهات بارعة .رغم موضوعها المأساوي إلا أنها مشرقة ومتفائلة ومضحكة في كثير من صفحاتها.

هي رواية سودانية مختلفة لأنها لا تحمل الكثير من ملامح الواقع المحلي، فيبدو المكان في الرواية غير سوداني لولا بعض العبارات التي تشير إلى الفساد الحكومي السابق وإلى تردي البنية التحتية بحيث أن “سلام” تخاف أن تدفن المدينة تحت أطنان الغبار .

فموضوع الرواية هو: الموت في غموضه، وفي بحث الإنسان عن معنى وغرض .

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

تلاشي

” خرجت زاحفة من السرير، وهي تصغي ناحية الباب، قليلون فقط هم الذين يستطيعون ارتكاب ال…