shamoa-30af6add2a                                                                                                                           

مأمون الجاك :    

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

بينما كان الكولونيل أورليانو بوينديا يوقع معاهدة ( نيرلانديا ) للسلام مع الحكومة تحت شجرة ثيبو ضخمة في ( مائة عام من العزلة ) ، كان والد بطلنا في ( ذاكرة غانياتي الحزينات ) … يلفظ أنفاسه الأخيرة مودعا الحياة .

هذه المفارقة يمكن إسقاطها على معظم روايات ( غابرييل غارسيا ماركيز ) إذ أنها تأخذ حيز الزمان والمكان نفسه في الغالب ، حتى أن بعض المقاطع والمشاهد تكاد تكون متطابقة في بعض الروايات وكذلك النصوص والعبارات .

يمكننا القول أن بطلنا هنا هو نفسه فلورينتينو اريثا في ( الحب في زمن الكوليرا ) ، بنفس قبحه وخجله وإنطوائيته وحسه الشاعري ، كما أنه مصاب بالوسواس القهري لفيرمينا داثا ، وبالعادات السيئة ذاتها للدكتور خوفينال أوربينو .

استلهم ماركيز كل من روايته ( ذاكرة غانياتي الحزينات ) وقصته القصيرة ( الجمال النائم والطائرة ) … من قصة للكاتب الياباني ياسوناري كاواباتا هي ( بيت الجميلات النائمات ) ، وهي تحكي – كيف أن أثرياء كيوتو القدامى كانوا يدفعون مبالغ ضخمة من المال مقابل قضاء ليلة في التفرج على أجمل فتيات المدينة وهن مخدرات ومستلقيات عرايا على نفس السرير ، ولا يستطيعون إيقاظهن أو لمسهن قط .. لأن مبعث لذتهم هو رؤية الفتيات العاريات وهن نائمات –

الرواية عبارة عن قصة بائسة يكتبها بطلنا الذي لا نعرف اسمه حتى ، انطوائي ومنعزل ، قبيح وخجول ، مصاب بالوسواس القهري كما أنه متمرد … لم تمنحه الحياة الكثير لأنه لم يرد ذلك أصلا ولم يسع إليه .

يبلغ سن التسعين بلا امرأة وبلا ثروة حتى أن الجميع يظنونه شاذا كما قيل لفلورنتينو اريثا من قبل ، ما يزال يكتب مقالات راتبة أيام الآحاد لجريدة ( دياريو دي لاباث ) … وبذاكرة آخذة في التلاشي لكن بجسد ما يزال حيويا ونشطا .

يحاول ماركيز هنا كما هي عادته أن يقول أن الحب ليس له عمر أو زمن معين ، فكما التأم شمل فلورينتينو اريثا وفيرمينا داثا بعدما بلغا الشيخوخة ، ومثلما أحب السيناتور أونسيمو سانشيز ابنة نيلسن فارينا وهو لم يتبق له من العمر إلا ستة أشهر وأحد عشر يوما في قصة ماركيز ( الموت أقوى من الحب ) …

يقع بطلنا في حب فتاة لا تتعدى الرابعة عشر من عمرها تغير مجرى حياته ، وهو كان قد طلبها اثر نوبة جنون من ماخور ( روسا كاباركاس ) لكي يقضي عيد ميلاده التسعين .

دعامة هذه الرواية هي الغراميات وسجلات الفراش للبطل حيث كان يسجل أسماء عشيقاته وأساليبهن في دفتر كما كان يفعل فلورنتينو اريثا في ( الحب في زمن الكوليرا ) .

وكما في جميع رواياته تمتلئ هذه الرواية بالفلسفة والحكمة والحنين … والوصف المميز فماركيز لا يترك شيئا إلا وصفه وصفا دقيقا حتى موقع اللوحات على الجدران لكنه في نفس الوقت يترك مساحة كبيرة للخيال في ذهن القارئ ، كأنما ماركيز تقمص شخصية البطل وأصيب بالوسواس القهري .

وكما أقول دوما بأن الرواية ما هي إلا تاريخ قبل أن تكون شيئا آخر ، قدم لنا ماركيز في جميع رواياته تاريخ أمريكا اللاتينية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين : ثقافتها ، أغانيها وأهازيجها ، أبطالها ، مدنها وشوارعها ، أشجارها ونباتاتها وبالطبع تاريخها المليء بالحروب والثورات والأساطير والخرافات … يقدم ماركيز كل ذلك في واقعية غرائبية سحرية ، وسخرية لاذعة ، وسرد عبثي لا متناهي إذ يبدأ في موضوع ثم ينتقل للآخر ثم يعود للموضوع الأول في سلاسة وبساطة يقابلها انبهار وقراءة للنص عدة مرات لمحاولة الفهم من قبل القارئ …

ما يميز ماركيز أنه غزير الإنتاج لكن مع جودة وجمالية في الآن ذاته .

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

  1. At the same time as you oneself have acquired a improved possible chance to connect with click here their partner with the greater quantity of daters. It truly is moreover less hard to meet persons on the web thanks to on the net day web pages furthermore to forums.

  2. I would like to convey my affection for your kindness giving support to persons that have the need for help with in this concern. Your personal commitment to passing the message around turned out to be really useful and have continually empowered some individuals much like me to reach their dreams. Your new helpful useful information implies this much a person like me and substantially more to my mates. Thank you; from all of us.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مساع عبثية: المحاكاة

      نعرف؛ منذ بورخيس ورولان بارت، أن كل عمل فني متشظ زمنياً، وأنه لا وجود لذلك العمل الك…