يا عين يا عنية يا كافرة يا نصرانية..

عين الفتاة تقد الوطا..

عين الصبي سيفاً مضي..

العين مسحور صابت الرسول..

أخرجي أخرجي أخرجي…

كان صوتها عالياً رغم هدوئه.. جباراً  في نداء الخروج ذلك رغم نعومته.. لم أكد أتبين من هي صاحبة الصوت حتى أغشي علي..

***

دخلت على مضض وأنا أردد في نفسي “ما هذا الهراء”..

منذ أن دخلنا ذلك المنزل هالني إحساس غريب.. لا أعرف كيف لي أن أصفه.. ولكنني لوهلة أحسست أن جسدي ضاق بروحي. تقدمنا نحو صالة كبيرة أقرب إلى استراحة نسائية واسعة.. بها سجادة خضراء غامقة اللون مخططة بخيوط بنية على امتداد الصالة.. تناثرت عليها العديد من الوسادات.. تركنا أحذيتنا عند الباب ودخلنا.. جلست بقرب والدتي وابنة خالتها التي دلتنا على هذا المكان.. لم يكن العدد كبيراً.. ربما كنا نقارب العشرين سيدة في تلك الجلسة.

دارت علينا بعض الفتيات دون الخامسة عشرة.. بكؤوس صغيرها بها قليل من شراب لاسع الطعم لم أستطع تناوله.. إلا أن والدتي لكزتني منبهة إياي إلى ضرورة تناول الضيافة.. فشربته مرغمة.. ثم مر علينا وعاءٌ مُلِئ بلحاً.. يبدو أنه من نوع “البركاوى” الذي أحب.. تناولت منه سبع بلحات.. كما أشارت لنا إحدى السيدات من بعيد.. بضع دقائق أخرى وأطلق البخور.

“سبعيها سبعيها”

تنادى بعض الحضور لحاملة البخور.. وهى تدور فينا بمبخرها.. تسبع وتهمهم.. عند زاوية الصالة بدأت إحدى السيدات تضرب ضرباً خفيفاً على الدف بيدها.. وتزيد في وتيرة ضربها تلك رويداً رويدًا.. امتلأ وسط الساحة ببعض النساء يتمايلن في اتزان مع سرعة ضرب الدف.. طربت.. وطبع نفسي طروبة للألحان.. ولو أنني في حجرتي لكنت على قدمي أرقص الآن.. مالت والدتي تُحدث خالتي

“الزار شنو فينا؟!”

فردت عليها مبدية اندهاشها هي الأخرى “ياها الشيخة الوصفوها لي.. يمكن بتاعت كلو”

فاستعدلت والدتي واضعة يدها على فمها “نصبر ونشوف”..

 بينما نحن على هذه الحال من الطرب والعجب.. مر علينا صحن آخر به حناء.. رفضت أن أضع منها.. حاولت والدتي أن تثنيني عن رفضي.. إلا أن صوتاً هادئاً اعترضها

“خليها على راحتها”..

لم أدر من صاحبة الصوت من بين الحاضرات.. ولكن صوتها وقع في نفسي موقعاً غريباً، فانطبع في ذاكرتي كلما سمعته تحرك شيء في داخلي..

كانت الطقوس في هذا المحفل الصغير متباينة.. وكان لنا أن نختار بين الحناء، ودخان الكمون، وشيء آخر أعتقد أنه القرنفل الحار.. لست متأكدة.. ولكنني أذكر جيداً عندما عُرضت على الحناء أشرت بيدي ممتنعة فتدخلت والدتي

“يابتي بطلي المعاندة شيلي حِته”

فقاطعتها بصوت هادئ إحدى السيدات “خليها على راحتها..”

لم تقف عند ذلك بل أضافت “أم سلمة أديها كمون”

لم أختر، ولكن اختارت لي صاحبة الصوت.. فنادتني أم سلمة سيدة خمسينية بشوشة الوجه ممتلئة الجسم.. جلست بجانبها.. أخذت ورقة لفتها بعناية.. بللت طرفها ببعض الماء.. ثم ملأتها بحبات الكمون.. ووضعتها على طرف موقد النار قربها.. تركتها حتى احترقت مقدمتها واشتعلت ناراً.. ثم انطفأت وكررت ذلك عدة مرات.. حتى بدت حبات الكمون نفسها محمرة من باطن الورقة.. وتصاعد منها الدخان ناولتها لي.. فأخذتها دون تردد.. كنت أسحب الهواء بقوة إلى داخل رئتيّ.. وأدعه يتجول بداخلهما لبضعة ثوانٍ.. ثم أنفثه ببطء وثقة.. لم أختنق لم أرتبك.. هكذا أمام والدتي.. وخالتي وجمع من النساء.. لم تبد والدتي انزعاجها.. ربما مذهولة هي من تبدل حالي.. ورغم تلك الحرية الباذخة.. لم يكن طعمها مشوقاَ.. لم تكن كسيجارتي الأولى.. تلك التي تناولتها داخل حمام منزلنا الخلفي ذات نهار.. كان طعمها مختلفاً.. دخانها متمردا.. ورائحتها نفاذة.. أذكر نبض قلبي المتسارع.. وعيني المتحركة في كل اتجاه.. ربما هي ديناميكية الخوف.. الرغبة والتحدي.. تلك المتضادات التي تصنع هيبة التجربة الأولى فتملؤنا بالدهشة.. وتعطيها ذائقه تختلف عن غيرها من المرات.

غبت في عالمي بعيداً عن الحاضرين.. وقمت أدور وأدور.. يملأني دخان الكمون برائحته الغريبة.. وطعمه الحارق.. سلمت نفسي للاشيء من حولي.. فبت لا أدرك سوى سحابات الدخان التي أنفثها.. وصوت آتىٍ من بعيد آمر 

“يا عين ياعنيه.. أخرجي …”

كمن من الزمن بقيت هائمة دائرة.. لا أدري..

لم يكن ذلك كموناً .. وإنما كميناً.. لتلك الروح المتنازعة بداخلي..

***

منهكة أنا، لا أقوى على التفكير،

أأثر الدخان أم الدوار.. أم تلك الهمهمات التي تعم المكان..

إلهي ما هذه التراهات.. أنا لا أومن بها..

ليست تراهات.. يبدو أنني مسلمة لها..

بل محض فضول..

خرافات..

أساطير ..

لا أصدقها..

لا..

***

أشعر بالدوار.. الكثير من الدخان.. والأصوات المتداخلة.. لا أستطيع تمييز أي منها.. كنت أراقب في صمت.. وعيناي تفيضان بالدمع.. لا أدري ما الذي أصابني.. أين أنا؟ ومن كل هؤلاء؟.. لا أستطيع الحراك.. جاءني صوتها مرة أخرى

“أخرجي أخرجي أخرجي..”

يا إلهي إلى أين تطلب مني الخروج.. درت بعيني في المكان بحثاً عن صاحبة الصوت..  كُثُر هم النسوة هاهنا.. بحثت بينهم عن وجه مألوف.. ولكن لا جدوى.. كدت أصرخ من أنتم إلا أن عيني وقعت على والدتي..

“أمي؟”.. هناك عند زاوية الصالة.. ربما لم تسمعني لكثرة الأصوات.. ناديتها رافعة صوتي مرة أخرى “أمي.. أمي..”  إلا أنها لم تنتبه لي.. هممت أتحرك نحوها ولكنني لم أستطع النهوض.. أنني عاجزة تماماً عن الحركة  “ماذا هناك؟؟”

صرخت ملء صدري ولكن لا أسمع صوتي.. أنا نفسي لا أسمعني..

عدت أبكي.. وعيني على والدتي التي تحركت نحوي بسرعة.. ربما أدركت ألمي..

“مي… مي..” أمسكت برأسي بين يديها.. لم أستطع الرد فقط دموعي المنسابة على خدي كانت تُحدث عني..

مي؟.. أهى أنا أم شبح يسكن جسدي.. كلما سمعت الاسم قلت نعم.. نعم تلك التي لا يسمعها أحد.. وأنا أسمع الجميع.. أمي والنسوة وصاحبة الصوت الهادئ.. جميعهن.. أسمعهن..

لا أدري لا أدري..

بدأت أصرخ وأضرب وجهي أو هكذا هُيئ لي..

مازلت لا أشعر بشيء ..

لم أعد اسمع.. أحس بحرارة شديدة تمر من خلالي.. حولت عيني جانباً.. فرأيتها.. إنها هي.. نظرتها.. صوتها.. تلك السيدة.. التي تكاد تخترقني بنظراتها.. هي صاحبة الصوت.. ينادونها حجه سعدية.. تحمل مسبحة سوداء شديدة اللمعان في يدها.. تميزها شفتها السفلية الموشومة.. وسنها الذهبية التي كلما فتحت فمها بانت لمعتها بالجانب الأيمن من فمها.. كانت تهمهم ببعض الكلمات.. وتضربني بمسبحتها ضرباً خفيفاً.. أصرخ “تباً.. تباً” فتنظر إلي..  أنا لا أسمعني.. أتراها تسمعني؟؟

مثبتة نظرها علي أشارت إلى والدتي وقالت “الخوف فاتح باب شر.. وبتك دى عارضها كبيير”

تسمرت والدتي مكانها.. وتغيرت ملامح وجهها.. شعرت بضيق لضيقها.. لم أدرك بعد ما الذي حدث..

“حجة سعدية.. بتي وحيدتي” أمسكت والدتي رأسي بقوة بين يديها وكأنها تخاف أن أفلت منها..

ردت السيدة -حجه سعدية- في هدوء “مابتجيها عوجة.. يا أم سلمة.. جيبى البخور وزيدي الكمون”

***

انتصف النهار.. ومازلنا في منزل الحجة سعدية..

تحركت أم سلمة وأنا أتابع خطواتها المتثاقلة وهي تقترب منا.. وضعت الموقد أمام حجة سعدية وناولتها صحن به قدر من بخور التيمان وكومة من الكمون.. رشت عليه هي بدورها بعض الملح و خلطتهم جيداً.. ثم ألقت بهم على الجمر فتعالى الدخان وأصوات الطقطقة..

وأخذت تنادي من جديد

ياعين ياعنية..

ياكافرة يا نصرانية..

عين المارد.. شغلها كايد..

عين الشيطان تقلب الميزان..

العين مردود.. مردود.. مردود..

لبير مسدود.. مسدود.. مسدود..

أخرجي..

أخرجي..

أخرجي..

لم يغشى علي هذه المرة.. لم أشعر بالضيق كما الصباح.. ربما هو دخان الكمون الذي أكمل احتراقه داخل رئتاي أعياني ففقدت وعيي وقتها.. أما الآن فأنا أسمع جيداً حديث حجه سعدية وهي تطالعني بنظراتها.. أحس ببعض الضيق والحرارة داخل عيني إلا أنني أدرك تماماً ما حولي.. وليس كل ما حولي يرضيني.. ربما لو تُرك لي الاختيار لفاتني هذا العالم المجنون.. ولكن ها أنا أهيم بوجهي في عوالم غريبة.. ربما شيء من الرغبة في معرفة ما يحدث.. يدفعني للبقاء.. من حجة سعدية.. ما الذي تفعله.. ولماذا طلبتني دون غيري من الحضور..

أخرجتني حجة سعدية بنبرة صوتها الجادة الهادئة من فوضى أفكاري وكأنها كانت داخل رأسي “إختارك سُلطانك، جيبى يدك دى”

ناولتها يميني فقالت “لا.. الشمال”

ناولتها يُسراي.. فمسحت عليها بيمينها، في حركة دائرية، بطيئة وغير مكتملة، وأخذت تمرر سبابتها على خطوط يدي المتفرقة، جيئة وذهاباً، إلى أن توقفت فجأة عن الحركة..  مازالت ممسكة بيدي وهى تردد وكأنها تحدث نفسها..

“على إيدك تلقي دليلك!”..

ثم وجهت الحديث إلىّ “مي؟؟”

رفعت رأسي منتبة لها فسألت “لمن جاك في النوم قال ليك شنو؟”

سحبت يدي بسرعة ونظرت إليها متعجبة “نعم؟”

رغم انفعالي.. أحسست بأنني أعرف ماذا تقصد.. وذاك ما أرعبني.. فتراجعت عن إحساسي.. أنا لم أخبر أحداً بذلك من قبل.. فأنى لها أن تعرف.. ذكر هذا الأمر هكذا زاد من توتري..

قالت في هدوء وهى تعدل جلستها “أنت عارفة وأنا عارفة إنك عارفه”

أثارتني ببرودها وثقتها.. فرفعت صوتي “عارفة شنو؟ انت من؟”

أطرقت قليلاً وقالت “يابتي الزارك عشمان”

ثم حملت نفسها وغادرت الصالة.. من عند الباب الذي ربما دخلت منه صباحاً دون أن ألحظها..

تركتني هنا مع اضطراب وجداني.. مثيرة في نفسي ما حجب الزمن عنها..

***

جلست على سريري أحدث نفسي.. وأراجع تفاصيل يومي.. منذ أن غادرنا منزل حجة سعدية.. وأنا في صمت وقلق..

اقتربت والدتي مني.. جلست بجانبي.. مرتبكة لما حدث معي.. فقالت متنهدة

“مشينا فى شنو وجينا فى شنو؟”

“كله مقسوم يا أمي”

“ونعم بالله” ثم سكتت برهة وسألتني “حلم شنو القالتو ليك الشيخه قبيل؟”

“حركات شيوخ ساي يا أمي ماف حاجة”

وهززت رأسي مبتسمة لتطمئن.. إلا أنها سايرتني وفي نفسها الكثير.. وضعت رأسي على حجرها كنت خائفة.. خائفة بحق.. أنظر إلى الشمس التي تتدحرج في طريقها إلى الغروب.. أكاد أستسمحها لتبقى قليلاً.. أخشى ذلك الليل القادم.. وأخشى ذكرى زائره الغائب منذ سنوات.. ربما زيارتي لحجه سعدية فتحت الأبواب المغلقة في داخلي.. وأعادت إلى خاطري ذكرى تلك الليلة.. أنا لم أعد أبحث عن نفسي التائهة في تلك العتمات.. ولكنها أربكتني.. فانفجر سؤالها أمامي كطرق عنيف على أبواب نفسي..

ربي ما الذي أخذني إلى هناك؟؟

***

كان الجو بارداً.. ليلة الحادي عشر من يناير عام ألفين وإحدى عشر.. عدت إلى المنزل زهاء الغروب.. تناولت كوباً من الشاي بصحبة والدي وأنا احكي لهما عن أحداث يومي.. ثم جلست أراجع بعض المقالات التي كنت أعمل على تنسيقها لأجل نشرها.. ولما أحسست بالفتور أخذت “اللابتوب” واستلقيت على السرير وأنا أعدل وأصحح حتى غلبني النعاس.. إلى أن استيقظت فجأة.. بشيء من الانقباض.. لا أذكر ما السبب.. كان تنفسي بطيئاً.. ودقات قلبي أكاد لا أسمعها.. خلتنى فارقت الحياة.. ضغطت على عينىّ بيدي فكان ألم.. تنفست الصعداء.. ومن قال أن الأموات لا يستشعرون ألمهم.. نحن فقط لا نعرف ما هم عليه.. فارتبكت من جديد.. أشعلت الضوء.. تلفت في صالة منزلنا الفارغة.. فلمحت ساعة الحائط وهي تشير إلى الواحدة والنصف صباحاً.. بدا لي وكأنني نمت أمداً طويلاً.. شعرت ببرد ووحدة شديدين.. حتى خفت على نفسي مما اعتراني لحظتها.. فعرجت على المطبخ.. شربت بعض الماء.. وتناولت حبتين من الزيتون الموضوع على رف الثلاجة وأغلقتها.. ثم رجعت وفتحتها مرة أخرى لأتناول قطعة زيتون ثالثة.. وقلت في نفسي “الوتر خير”.. عدت إلى سريري وأنا أسترجع إحساس الانقباض الذي أيقظني من نومي.. فقفز إلى رأسي حلمي الذي أفزعني.. ارتعش قلبي تسارعت دقاته.. وضاق نفسي.. كل الذي رأيته كان يحاكي المآتم.. ربما فقدت أحداً من عائلتي لا أدري.. كنت أبكي بشدة وأصرخ.. مر أحدهم بجانبي.. لا أذكر الملامح.. أذكر أنه نفث بقرب أذني ثلاثاً.. أخذ بيدي وقال اتبعيني.. فتبعته.. كنت أسير على بُعد خطوة خلفه.. أسمعه يهمهم بكلمات لا أذكرها.. إلا أنني أذكر جيداً أنه عرف نفسه قائلاً لي بأنه..

بأنه الشيطان..

خفت كثيراً.. نفضت رأسي.. استعذت بالله.. تمتمت بالمعوذتين وقرأت ما استجمعت من أية الكرسي.. تفلت على يساري.. وانكفأت على نفسي أعاتبها.. وأسائلها ما بالها تصافح الشيطان..

أعدو الله؟

نفسي أم الشيطان؟؟

ربي أين أنت مني..

ماذا هناك يحول بيني وبينك.. ما ذاك الذي فعلته فأطاح بي..

من أنا .. ومن أنت..

ربي.. أمازلت ربي أم أنك تخليت عني..

أراني أقرب إليك مني إلى الشيطان.. فلماذا.. لماذا يقتحم الشيطان منامي..

تناولت سماعة الهاتف.. وأخذت أستمع لسورة العنكبوت تلك التي كانت محفوظة على ذاكرة الهاتف.. ولكني لم أستطع النوم.. ولم أستطع التركيز مع آيات القرآن.. الحقيقة أنني لم أكن أسمعها.. إلى أن تلا الشيخ قوله تعالى “كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون” انتبهت فألقيت السماعة بعيداً عن أذني.. وبكيت كثيراً.. بحثت عن النوم  فلم أجده.. ألهيت نفسي بكثير من القصص التي كنت أحاول تذكرها.. إلا أن الحلم كان يراودني.. والخوف.. وآية الموت.. اجتمعوا علي.. فناديت الشمس علها تسارع خطاها وتأتيني بالنهار.. فقد تآمر الليل عليّ..

***

هاأنذا في جلستي هذه.. أناجي الشمس مرة أخرى.. أستبطئها الخطى..

هاأنا في نفس مكاني.. أعاود الحديث..

يا إلهي.. داخل عتمتي من جديد..

بين ربي ووسواسي.. بين نفسي ورغباتي..

بيني والشيطان مساحة استذكار.. ما الذي أتى به إلي..

طريقي إليك لم يعد جلياً..

فاضطربت روحي كاضطرابها سابقاً..

***

لم يكن خوفي من الشيطان.. أكبر من خوفي من نفسي ليلتها.. مازالت الأفكار تعبث بي.. سارعت ألاحق بطلان وساوسي بوضوء وبعض استغفار علي اعود لرشدي.. أدركني الآذان وأنا في جلستي تلك.. فأويت إلى سجادتي.. في ركن قاصٍ مظلم من المنزل.. أكبر وأقرأ.. ثم أنسى ما أقرأ.. فأعيد على نفسي بصوتٍ عالٍ محاولة الإمساك بزمام صلاتي.. أسمع صوتاً جهوراً  “صوتك..صوتك”.. فأمسك بفمي.. ينتفض قلبي.. فأسلم على وقوف.. أكبر وأسقط ساجدة.. ألتصق جبيني بالأرض بقوة.. كأنما أود أن اخترقها.. حاولت أن أشقها بصوتي.. ولكن أنى لي..

“كم هي عصية هذه الأرض.. يا ليتني مثلها”..

خرجت من ركني كما دخلته غريبة أو أشد غربة.. مترنحة ارتميت على كرسي كان في طريقي.. وجدت عليه مسبحة فتناولتها وما أن أمسكت بها حتى شعرت بحركة متسارعة.. لم أستطع التميز أيدي أم المسبحة.. تدور وتدور.. في تجاذب هيستيري أردد “ولا الضالين.. ولا الضالين.. ولا الضالين”.. اختلط علي صوتي.. دقات قلبي.. وتلاطم حبات المسبحة في يدي.. فألقيتها بعيداً.. ثم هربت إلى السلم.. إلى حيث يأتيني صدى صوتي وإن لم أتحدث.. كنت أجد في سُلَمِي هذا من السكينة مالا أجده في ذلك الركن الموحش..

حالة من الفوضى لم أدر معها كم من الوقت مضى علي وأنا على عتبات السلم أسترق السمع لأصداء أفكاري..

“هل تسمعني؟”..

في يأس همست بسؤالي.. تملأ عيني الدموع.. وبعض الحسرة على هذا الخواء الذي احتل داخلي على غفلة مني..

واصلت في حزن “ربما هي حياة وُهِبت لي فما آتيتها حقها”..

فجاءني صدى الصوت مختلفاً  هذه المرة “الهداية طريق مبتدأه التساؤل.. كذلك الضلال.. وبينهما رحمة الإله”

“الإله؟” رددتها كمن لا يدري ماذا تعني..

أخذت أنظر إلى أعلى.. فحجبني السقف عن السماء.. وددت لو أني هرولت إلى حضن سجادتي.. ولكني غريبة بين يدي ربي..

أحسست بالبعد.. بانكسار شيء في داخلي.. كم كان الصباح بعيداً.. فعندما أشرقت الشمس.. كنت مثقلة بالهموم لم أستطع النهوض.. سمعت صوت والداي يتحدثان حمدت الله أنهما بخير.. لا أدري مما كنت خائفة.. ولكني أعلم أن خوفاً كبيراً كان بداخلي.. قضيت يومي ذاك.. قلقة متوترة من غياب الشمس.. صليت أن تفقد بوصلتها فلا تميل عندنا أبداً.. وكلما أقترب الليل ازداد خوفي.. غير أنها غابت.. وجاءني الليل مسالماً كعهدي به.. ولما أصابني من الإرهاق نمت كما لم أنم من قبل.. لم أحدث أحداً بما اختبرته ليلتها.. إلا أنني استشعرت مسافة بيني وبين ربي.. شيء ما أصابني ليلتها لم أدركه.. ولم أكن على استعداد للغوص في عتمة الشك لأبحث عني.. فآثرت أن أنسى الأمر.. وكان لي ذلك..

***

“الخوف فاتح باب شر…”

مازالت كلمات حجة سعدية عالقة في ذهني تطاردني.. مرت أيام وأنا أغالب نفسي.. أتجاهل ما يجول في خاطري.. كنت أنتصر على خوفي بالتناسي حتى هُزمت ليلتها في محفل انفرط فيه عقد التناسي وتدافعت الذكرى دون قيد أو صد.. فحزمت أمري ورجعت لزيارتها وحدي هذه المرة.. لم أخبر والدتي.. ما أن دخلت حتى استقبلتني الرائحة التي بت أعرفها جيداً.. وقفت عند باب الصالة الممتلئة كعادتها بالنساء.. قليلاً ولفح قلبي بعض شيء.. فانتبهت لحجه سعدية عند الباب المقابل.. تنظر إليّ بنظرتها التي انطبعت على قلبي.. فابتسمت حتى بانت سنها الذهبية.. أشارت إلي أن أتبعها.. وقالت بصوتٍ هادئٍ كعادتها

“كنت عارفاك راجعة”

“كنت محتاجة أفهم”

“وماحتفهمي!”

تحركت وتبعتها إلى حجرة تبدو عادية.. إضاءتها.. الأسرة المحازية للحيطان.. خزانة الموسكي العتيق.. كانت كإحدى الحجر في منزلنا.. تلفت في كل زواياها لاشيء يدعو للقلق.. جلست على طرف أحد الأسرة.. وتحركت هي نحو الخزانة.. أخرجت صندوقاً صغيراً.. كان به عدد من الأوراق الملفوفة بصورة دقيقة.. يملؤها الكمون.. أخذت بعضهن وناولتني الصندوق قائلة

“الفيك عين الشيطان.. الكمون دواك”

وكأنما توقف قلبي لبرهة.. وتداخلت علي  الأحداث.. تراءى لي حلمي في حركة سريعة أمام عيني.. مأتم.. خوف شديد.. أصوات نحيب.. أحدهم ينفث في أذني.. كلمات غير مفهومة.. يأخذ بيدي.. أتبعه في خطوات متلاحقة.. ثم لا شيء.. أنه الشيطان..

انتفضت واستعذت بالله “يا حجه أنا الحلم دا لو ما جيتيك كنت ناسياه”..

“المنسي مخفي.. بجيه يوم وبظهر” ألقت جملتها تلك وأشعلت لنفسها إحدى لفائف الكمون..

أخذت أنظر إلى الصندوق بين يدي.. حجه سعدية.. وسحابات الدخان المتحلقة حولها.. كل هذا وقلبي يختلج دون صدري.

***

مر شهر وأزيد على لقائي بحجة سعدية.. جال بخاطري بعض حديثنا.. تذكرت الصندوق الذي أعطتني إياه.. تناولته من خزانتي.. وصعدت إلى سطح منزلنا.. فتحته وأخذت إحدى لفائف الكمون.. أشعلتها.. وأسندت رأسي إلى الحائط.. أدخن وأنظر إلى يدي اليسرى.. أقرأ خطوطاً لا علم لي بها..

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

أثر الشهيد لا يزول

  إنها الأرواح المتحلقة في سماء السودان تحرس قدره الذي صنعته بارتقائها.. شهيدٌ تعالى،…