arton19233

طلال الطيب :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

ماذا تفعل , والزمن يغير الأشياء ويعدم ما كان موجودا ؟ أيها الشره اللذيذ !

 أنت حتى هذه اللحظة التي نزع فيها الهواء من غصن شجرة بعض الأوراق بإسم الشتاء والصيف لازلت تنتظر . وللشجر أجنحة خضراء بها تطير مع أعمق أحلامك , تشعر بأن أباك قد ناداك كثيرا وأنك دائم التمرد تضع كفيك على أذنيك : أبي أريد أن أغرق ! هاهي جبال البسكويت تذوب . أحلامك الطفولية , شعرك الذي يثير الضحك وباب مكتب أبيك المغلق دائما . ترتدي بنطال جينز , وتي شيرت لونه أبيض , عطر , وسماعة أذن تصدر شظايا موسيقى عبر ثقوب لا تصلح للتنفس ! وحذاء أبيض , متأنق مثل شاب يعيش في أوروبا تدخن السجائر في ظل جدار إسمنت بارد . ماذا تفعل في هذا الشارع الذي تعتبره القطط مرتعا للجرذان ؟

ليلة البارحة كان القط الرمادي ذو البقع الذهبية والذي تأملك للتو وأدرك بأنك مخلوق من نوع ما ؟ هذا القط الرمادي إنقض على فأر عجوز كان ينظر لحبات النجوم التي تزين السماء ! العجوز الجائع كان يظنها حبات جبن وحتى أنه شم رائحتها وكان يقفز إليها حتى شعر بالوجع في سلسلته الفقرية , وفي القفزة الأخيرة إنقض عليه الموت وكان له صوت قط يشتعل حماسة للقتل !

تنظر لعقارب ساعتك تدور كما يدور كل شيء أخر , كما تدور الأفكار والمصائب وكما يكرر التاريخ مهازله ! ليت المقصلة التي قطعت عنق أنطونيت ما سقطت , ليت سفينة كولمبس غرقت وإحترقت وواصل الهنود الحمر التدخين ورواية أساطير عن رجال لونهم أبيض سوف يهطلون على الأرض من على القمر كما يهطل المطر . شعرك كثير وكثيف كيف تجعله دوائر هكذا ! دوائر لامعة تفوح منها رائحة عطر . وقوفك شرير . أنت نفسك لا تعلم ماذا تنتظر ؟ تجربة من نوع ما , تشعر بأنك غمامة كبيرة تخاف تجربة الهطول ولكنها سوف تهطل ! سوف يرعبها الرعد حتى تهطل وسوف تكون تجربة لذيذة ولن تتكرر ! أنت تشعر بأنك سوف تفعلها دائما وأبدا . حقا بأنك في شوق للتجربة , هاهي ثمرة إنتظارك . فتاة تمشي على إستحياء نحوك ! لماذا تبدو خجولة لطالما كانت جريئة ومرحة ! وما إن تقترب منك حتى تهرول إليك بخطوات سريعة وكأنها تخاف أن يخطفها بصر ! تضمها إليك تشعر بنهدها يشغل فراغ صدرك .

تصمتان لأن الكلمات منطق والمنطق يزعج الجنون . أنت لا تريد أن تزعج الكلمات جنون لحظتك ! تسألك : إلى أين ؟ تجيب : لا أعرف ؟ …. أنا تائه ولا أعرف ماذا أفعل ؟

العناكب تبني بيوتها لنفسها وللذباب والعشاق يهيئون مكان اللقيا لنفسهم ولمن يعشقون , لكنك إلتقيت بها ودعوتها للنفس المكان الذي تلتقي فيه بحمزة بائع المخدرات . هذا مكان تلسع فيه العقارب ضوء الشمس الغريب عليها ! خرائب لا تشبه إلا خرائب نفسك . تمسك بيدها وأنت خائف وكأن في يدك لفافة (بنقو ) لايد حبيبتك تخرجها من عتمة الخرائب وتطمئن قليلا تقول لها : إلى البيت الأن ! وأنت إلى أين سوف تذهب ؟

الحق بأنك تستطيع أن تذهب إلى أي مكان ! وشعرت بأنك مغفل لهذا كففت عن التفكير , ماذا تريد ؟ ذهبت البنت بنهدها . كنت غمام لكن بعثرتك الرياح . تقف أمام بيتك بيت أبيك . يفتح أبوك الباب يسألك بعنف : أين كنت ؟ تدخل بسرعة يده على كتفك : سألتك أين كنت ؟ تنزع عنك يده : لا أريد أن أتكلم معك . تدخل إلى غرفتك . تغلق الباب . أبوك يدق عليه . صوت أمك : إترك الباب لا فائدة . ينهرها : إبتعدي , سوف يفتح الباب . يتشاجران .

تسكت ضجيج الضوء تشعر بمرارة فشلك وأنت تتأمل إسمها في سماء هاتفك , فشلت في أول موعد غرامي ! كانت سوف تعري صدرها وكنت سوف تعرف ال… أريد أن أتكلم معك ! صوت أبوك يمر عبر الباب إليك . ليت إبليس سجد حتى يعيش هذا الوجود في سعادة , ليت الكون إنفجر بسرعة أكبر ليكون للوجود معنى أخر . ليت التاريخ لايكرر نفسه حتى لايصاب الفلاسفة بالجنون وحتى لايرسل الله الأنبياء لإنسانية تقتلهم وتكرر أخطائها .

كنت صغيرا بريئا ,و ملاك قصير القامة قلت له : أبي أريد أن أتكلم معك . لايرفع عينيه عن الأوراق لكن يرسل صوت خذلانه : لا وقت لدي الأن بني !

لكنك تفكر في ما فاتك منها . البنت التي إتخذت منها حبيبتك . بنت ساذجة مثل فراشة ترمي بنفسها في الحريق ! وقوفك هذه المرة شرير ؛ لأنك تبدو بريئا طيبا مقارنة به ! القط الرمادي ذو البقع الذهبية يتأملك هذه المرة وسأل نفسه : هل هناك فئران تعيش في السماء ؟ أصدقائي يقولون : بأنها الوطاويط يحسبها الفئران ملائكة ! ترمي القط بحجر , يهرب وهو يشعر بالإنزعاج !

الشمس لها دور في الحياة , هي فوق الإمبراطوريات وفوق الملوك والفقراء والصعاليك وتجار المخدرات وكأن الإنسانية فوق مسرح تؤدي دورا والشمس تتفرج . مروج المخدرات الذي قال لك في أول مرة : ناديني حمزة وسوف أطلع لك مثل عفريت ! يأخذك الأن في حضنه , أعجبه العطر الذي يفوح منك ,ورقتك وجمالك ! تأمل وجهك مبتسما وقال في نفسه : أنت شاب جميل ! إنه حتى يشتهي أن يقبلك ويتخذك عشيقا له ! ربما سوف يراودك عن نفسك عندما تفلس وهو يظن بأنك لن تفلس أبدا ولكنك قد تموت .

يقدم لك مايسميه بضاعة : كن حذرا هذه ليست مثل كل مرة ! تبتسم أنت بإستهزاء وأنت تفتح حقيبتك وتضع ما تناولته منه مع الدفاتر : وفر نصائحك لنفسك أنت فقط تجلب لي ما أريد !

ولأن كلامك جعل حمزة يشعر بأنه تابع قال : وأنت تدفع لي ما أريد !

تمد له بظرف النقود : لا يا حمزة أدفع لك ما نتفق عليه .

هذا يحدث دائما تكره أن تدخل عبر هذا الباب من المفترض أنك قادم من الجامعة يدفع أبوك دم قلبه لتدرس فيها , كما يردد على سمعك دائما . وأنت تشعر بأنه يمن عليك بإحسانه . تطرق الباب , تدقه . قلبك يصدر صوتا أعلى منه يفتح لك الباب . تدخل بسرعة . تخفض بصرك لاتحب أن تنظر لوجهه الغاضب ! يبدو شرسا ومخيفا وهو ينظر إليك . يمسك بكتفك . تفلته منك . يمسكك هذه المرة بقوة ويلفتك إليه . يصفعك على وجهك : قلت لك أريد أن أتكلم معك ألا تفهم , ألا تسمع ؟ حمار ….. حمار !

الليل ستارة هذه المسرحية لكننا لا زلنا نمثل الدور مايحدث الأن لا تعرفه الشمس ؛ لهذا الشمس تعرف فقط نصف مايحدث , البشر قد يعيشون على نصف الحقيقة وعلى ربعها ويظلون حتى يقفون أمام الموت في نهاية دورهم لا يعرفونها وقد يعرفونها فيما بعد .

تهرول إلى غرفتك . أنت حتى لم تسمع شيئا ,ولم ترى شيئا وكأنك صرت خلقا أخر ! وبسرعة أخرجت المخدرات من حقيبتك , كانت جرعة جاهزة في أنبوب . ربطت ذراعك , ولم تشعر بالألم والإبرة تخترق الوريد لكن لابد بأن خلاياك شعرت بالرعب . كل السم في داخلك الأن .ترمي الحقنة .ترتمي على فراشك . ترى نفسك طفلا صغيرا , تخرج بعد أن قال لك أبوك : ليس لدي وقت الأن . سوف أكلمك لاحقا ! كانت في يدك لوحة . لقد رسمت رجلا ومعه طفل صغير كان الرجل يحارب وحش لونه أخضر ! شرحت لمعلمتك : هذا الوحش الأخضر هو الغول وهذا أبي يدافع عني بشجاعة ! أبي لا يخاف ! تأثرت معلمتك وقتها بما رسمته وقلته ومنحتك الدرجة الكاملة وقالت لك : يجب أن يراها أبيك سوف يحبها أنا متأكدة !

تنهض وثقوب صغيرة تنفجر في عتمة وعيك , ترهف حواسك . تسمع تشاجرهما . أنت تبحث عن اللوحة , وتجدها في كتاب قصص قديم كانت أمك تقراء لك منه كل ليلة سألتك أمك وقتها : ما هذه الرسمة ؟

_ لا لا يا أمي لقد رسمت لك واحدة وهذه من أجل أبي سوف يكون هو أول من يراها .

_ حسنا أسمع سوف أواصل قراءة القصة , قال الأب وهو يحمل سيفه: إرحل أيها الغول لن أسمح لك بخطف إبني . قال الإبن : نعم إرحل , أبي لن يسمح لك بخطفي . هرب الغول وعاش الأب مع إبنه في سعادة مدى الحياة !

تمسك باللوحة تنظر إليها , تنتبه لصوت الباب وهو يتفكك ويتكسر , تغمض عينيك تستريح , تنام مرتاحا , وفي يدك اللوحة .

البنت وهي تنظر لصورتك في سماء هاتفها بكت بحرقة . القط الرمادي ذو البقع الذهبية سوف يفتقدك وسوف يسأل نفسه : أين ذلك العملاق الذي يرمي الكلاب والقطط بالحجارة , كيف أخبره بأن الفئران تعتبرك عملاقها المخلص قاهر الكلاب والقطط؟ . ولن تسمع بما حدث لحمزة إذ قتله مدمن لم يعد يملك شيئا غير سكين ! إنكسر الباب وبعده قلب أمك وأبيك الذي تأمل بحزن كبير ما رسمته ! كان ينظر إلى إبتسامتك وأنت واقف بجواره وهو يحمل سيفا ويقاتل من أجلك وحش أخضر

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

رواية “بارادايس” ثيمة الرعب والموت

في مساء بارد من شهر أكتوبر، قررت أن أقرأ رواية بارادايس، وفي دمي بقايا إدمان على الإنترنت …