10382463_10204168241350355_7262097930359692143_n

محمد النوراني :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

إتهمونني بأني غشاشٌ , و  لَذة الانتصار الطُفُولي كانت تدفعني للتَمادي في إغاظتِهم كلَ ليلةٍ دون أنْ يكشفوا خُدعتي , و علي رِمال الحي و ضوء النُجَيماتِ الشَحِيح  تحتَ السماء الغائمة ننتشر بحثاً عن الحَجَر البيضاوي  و نُغني ( شِلِيل وينو؟؟.. أكلو الدودو .. شِلِيل وينو راح ؟ أكلو التُمساح)*, و يبدأ البحث , عند ظلال شجيرات (العُشَر) النامية على حافة مجرى الأمطار,  تَحتَ التاكسي القديم المتعطل , لكني , أغمض عيناي و أنصت , أسير بضعة خطوات في كل ناحية أتحسس صوت الحجر .. اركض نحوه فيقترب الصوت .

في الظلام أتلمس حوافه الملساء ,فيصرخ متبرماً من قبضتي .. و أعود مفاخراً صِبية الحي متلذذاً بالخيبة في أعيُنهم الطفلة  . وهارباً من تشكك البعض في تكرر انتصاراتي الصغيرة . لكن لم أخبر أحداً أن الأحجار تُكَلِمُني .فقط إشتهرت بأني أمهرهم في لعبة شِليل

      أذكر أني مرةً كنتُ ماراً بمحاذاة شارع القصر في نَهار صيفيٍ لا يرحم , أعبر أمام  فندق الماريديان , على رصيف شارع القصر هناك شَحاذون بترَ الفقرُ أو الجذام أطرافهم لست ادري ! , شحاذون في شارع القصر , يبدو إسما لرواية ما .

نظرتُ إلى الأرض هرباً من العار الكامن في الأطراف الخيالية التي تسبب لي القشعريرة  (الحمد لله الذي عافاني مما ابتلي به غيري) أسرع حتى أكاد أهرول  , تعثرت فصاح الحجر من تحتي متألما  . انحنيت لأحمله . فتوسل كي أعيده إلى الظل …

رميت الحجر ناحية الظل فوقع جوار متسولة عجوز مبتورة الأصابع , كفها يشبه ثمرة بطاطس ضخمة نتنة  , أصابها الهلع ثم غضبت ووصفتني بأشياء نابية  في حين حملق المارة في وجهي باشمئزاز .

 قطعا  لن أخبرهم أني رجمتُ شحاذة عجوز رأفة بحجرٍ يبحث عن قيلولة.حاولتِ العجوز أن تحمل الحجر لتقذفني به لكنها لم تستطع ..من العسير أن تقذف حجرا إذا كان الجذام قد قضم كفّك ..

أصابتني حمى ذهول , وأنا أرى أصابع لا وجود لها تدافع عن ذات صاحبها , الحجر الذي يعبر الأصابع التي لا وجود لها يسقط على الأرض , ترى متى آخر مرة أمسكت هذه العجوز بحجر , ربما عندما لم تكن عجوزاً ما زالت تحاول رفع الحجر  في يوما ما قد رجمها أهلها بالعزلة ,  ربما طردوها من الباب لتتوسد أحجار الرصيف ,  قيمة الإنسان في عشر قطع من اللحم و العظام إذا ما فقدها أصبح لا شيء , واللا شئ لا يدافع عن نفسه .

 لكن يبدو أنه نَمَتْ لها أنامل أخرى , طفلها ذو الأعوام الستة و المخاط يسيل من انفه امسك الحجر ورماني .. تفاديت الحجر فنحنى ليلتقط ثانياً و ثالثاً , هرولت بعيداَ  و يتخافت في أذنى صوت حجرين يكيلان السباب للحجر الذي تعثرت به , أخرجهما من جنّتِهما إلى حُرور الشمس .

على الرغم من أني أتجاهل أصواتها المزعجة في كثير من الأحيان فهي  تعلق في أذني كرائحة التبغ في أصابع المدخن , وكثيرا ما أصرخ على أمل أن يهرب الصوت من أذني , فيهرب الناس من حولي أو يسيرون في توجس مبتعدين . في البدء كنت أحاول أن أستوقفهم لأشكو لهم صوت الأحجار المزعج لكن تأكدت أنَ الأمر مزعج لهم أكثر من إزعاج الأحجار لي .

 

لم يعد الأمر محتملاً حين أصبحتِ الأحجار تُضاحكني و تغني و تبكى لي ,  في الجانب المقابل من فناء منزلنا كان مسافر يرتاح على السرير القصير , في الظلام هناك غناء حزين يحمل صوت الأحجار المُزعج , الحجر الدائري المنقوص كقطعة الكعك التي قضمها الطفل الشقي صباح العيد وأعادها مكانها في وجل قبل أن يراه أحد  , كان يصرخ , يبكي , يأنُ كسرابٍ بعيد , تجاهلتُ الأنين و تماديت برأسي بين الوسادة و اللحاف , حتى كاد العرق يغرقني و أنفاسي تنقطع , لا أحد يستطيع أن ينام بينما حجر يغني في فناء منزله . نهضت نحوه , حجر مفلطح أشبه برحى قزمة , نصف مدفون تحت رجل السرير القصيرة و يغني , رجوته أن يكف عن البكاء  توسلتُ له بصوت خفيض  حتي لا أفزع الضيف الذي يغفو علي السرير ذو القدم القصيرة . أخاطبه ( يا أبن الأرض  أنا أتفهم مُعناتك  ,و الحق يقال فلاشك أن قضاء الليل و قائمة السرير الصدئة تخدش جسدك لهو أمر مؤلم . فقط لو تحمل البقاء تحت رجل السرير حتى الصباح سأخرجه و لن يكون في هذا الموضع المؤلم ثانية..يا أبن الأرض , لو صبرت )

    إنقطع الغناء وحل محله صراخ و شتائم ,  يتهمني بالجهل , يشرح لي أن البكاء  ما هو إلا غناء الحزين ,  يتباهى أنه استطاع أخيرا أن يكون خيّرا و يمد يد العون إلى السرير المعاق , فلا يشعر السرير بالحَرجِ وسط بقية الأسرّة في الحوش – فليس ذنبه أن الصدأ قد تسلل إلى ساقه في غفلة من الطلاء – وهو سعيد بذلك ثم واصل في الغناء كأنه على مسرح الكون يغنى للنجوم .  فعل الخير فعل جميل حقا لكني أريد أن أنام .. نزعت الحجر من تحت السرير فاستيقظ الضيف و أمسك بقميصي و هو يصفعني ويصرخ (حرامي حرامي… (الحجر صرخ ليقول أني مجرد جاهل – لكنى لست لصا – لكن  الضيف لم يكن من الذين تكلمهم الأحجار . فعاد الحجر يغني بذات الصوت المزعج.

كانت ليلة  حادثةِ الضيف تلك  آخر مرة أبيت  في منزلنا , ذهبوا بي إلى المسيد** ,

  قالوا للشيخ أن  الشيطان قد مسني , وعدهم خيرا , دنا منى  , وهمس في أذني :

 : (…وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ…).***

 منذ تلك الساعة وأنا أرتدي جٌبتي المرقّعة أجول بها في نواحي المَسيِّد  , لا أشرب الماء إلا في ثمار القرع  و لا أكل إلا القوت الذي جمعتُ بيدي  حطبه ولاطفت الأثافي**** التي نضج فوقها و صليت أن تكون النار عليها برد و سلام . ,

أحيانا  يأتي أهلي  فيجدوني على سجادة القش , بيدي سبحة اللّالوب وفي فمي أوراد لا تنتهي , أوراد  لا تشغلني عن السماع . أصبحت أسمع همهمات الأحجار الصغيرة , الحصى , صلوات الجبال التي لا تنتهي  أيضا , بل و أسمع  الرياح التي تَهز جذوع النخل و الشموس القادمة خلف الأفق البعيد  .

ولا تغيب عني صيحات الأطفال الذين يبحثون عن شِليل علي أطراف المَسيِّد .

واحد منهم غشاش سيجد الحجر قبل الآخرين .وسيمضي بقية عمره في البحث عن شليل آخر

____

هوامش

*شليل : من ألعاب الأطفال يرمى احدهم حجرا أو عظمة في الظلام و يبحث عنه الآخرون وهم يغنون الأغنية المذكورة *

**المَسيِّد  : مسجد ومدرسة لتحفيظ القرآن وعلوم الفقه , تنتشر في أطراف السودان**

 

***الآية 74 سورة البقرة

****الأثافي :  الأحجار التي يحمل عليها القِدر بينما تشعل النار من تحته

________________

مدينة كسلا كانون الثاني 2014

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…