large

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

**

أرض غريبة المعالم ..

ظلال بيضاء و سوداء ..

وجوه مربعة قاسية ..

أحصنة مسها جان فصارت ترفس بطون فيلة غادرة قافزة في جميع الاتجاهات ..

الفيلة الجشعة راحت تلتهم بخراطيمها جنودا  تعساء ..

الجنود ذاتهم كانوا يتقدمون ويتقهقرون بمكر ..

يبدون الضعف تارة ..

وتارة يستأسدون ..

قلاع متحركة انتصب خلفها رماة يقذفون السهام بإحكام وبلا رحمة ..

وهناك في خضم الحدث كان هنالك وزيران ماهران يكران ويفران ..

يتبادلان الطعنات القاتلة ويشرفان في الوقت ذاته على سير الحرب باقتدار ..

وعندما مات ضجيج المعركة ..

طفق ملكان متخمان بالصولجانات والتيجان المذهبة يحصيان بقلق عدد الرؤوس المتدحرجة ..

كان أحدهما يغرق في دمه ..

وكان الآخر يبتسم ابتسامة ساخرة وواثقة ..

صاح شعب بفرح غامر عاش الملك المفدى ..

بينما صاح شعب آخر بأسى ..

مات الملك ..

مات الشاه ..

كش ملك !

أي رهبة وسحر يختفيان خلف تلك الكلمة ..

وأي ضياع وشتات يلوح في الأفق عند نطقها ..

أتحدث عن الشطرنج ذلك الفن الخلاب وتلك الرياضة الذهنية المعقدة التي تشحذ الخيال وتربي العاطفة ..

يعود تاريخ هذه اللعبة لقرون قديمة وحضارات عريقة نسبت تارة إلى الفرس

والفراعنة ونسبت تارة أخرى إلى الهنود .

ومن طريف ما يروى عن هذه اللعبة أن ملك الهند أراد مكافأة مخترع الشطرنج و يعود هذا الإختراع إلى وزير هندي، صه بن داهر، فقد أراد هذا الوزير أن يبعد السأم والملل عن نفس ملكه ويدخل البهجة إلى قلبه فاخترع لعبة الشطرنج أو عدلها عن لعبة هندية قديمة وأهداها للملك الذي بلغ إعجابه بها حد جعله يطلب من وزيره أن يتمنى عليه ما يشاء، فطلب المخترعُ طلباً متواضعاً وهو أن توضع له حبة قمح واحدة على المربع الأول من رقعة الشطرنج ثم تضاعف له بمتوالية 1، 2، 4، 8، 16، 32، 64… إلى آخره .

وقد استهان الملك بهذا الطلب الذي بدا له أنه طلب متواضع وسهل التحقيق، ولكن عند التنفيذ وبعد الحساب الدقيق تبين للملك أن المخترع قد طلب ما يعادل محصول الكرة الأرضية لو زرعت جميعها قمحاً بعد تجفيف بحارها وتسوية جبالها لمدة ستة آلاف سنة.الرقم الصحيح لعدد الحبات تساوي 18446744073709551615 وهذه الكمية تكفي لتغطية اليابسة على ارتفاع 11 مليمترا فقط وليس ملاين المرات كما ورد في الرواية فزاد إعجاب الملك بوزيره وقال :

– لعمري لا أدري مما أعجب أكثر أمن الشطرنج أم من الأمنية !

تتكون رقعة الشطرنج من مربعات بيضاء وسوداء تتعاقب بانتظام مثل متوالية رياضية تمنح لكل لاعب 16 قطعة هي ( ملك،وزير،فيلان،حصانان،قلعتان)

وهذه القطع تقف في الصف الأول

بينما في الصف الثاني تنتشر حاشية مؤلفة من ثمان بيادق ..

يحاول كلا من الطرفين تحريك القطع بطريقة نظامية بهدف تصفية ملك الآخر وإحراز النصر بالجملة الذهبية ( تشيك ميت )

علاقتي بهذه اللعبة تعود لسنين مضت مذ أيام الجامعة عندما وجدت الزملاء يلعبون الورق والطاولة بحذاقة وحيث أنني كنت امرؤا ذو حظ قليل وهذه الألعاب تحتاج الكثير من الحظ والتوفيق لم أجد سوى الشطرنج فعلقت ببراثنه واستهوتني طريقته ..

هنالك علاقة مثيرة بين الشطرنج و الحب وجدتها مؤخرا وهي من عدة أوجه ..

فمثلما توجد في الحب طقوس سادية كالهجر والغياب ..

فكذلك نجد في الشطرنج متعة خفية سادية في تحطيم قطع الآخر وإراقة دمائهم ..

ومثلما أن الخسارة في الحب مؤلمة وأشبه بصفعة مؤلمة في قفا القلب وفراسته ..

فكذلك الشطرنج الخسارة فيه مؤلمة كركلة مباغتة في المؤخرة وذلك ينبع من كونه تحديا في المهارة والذكاء وشرف العقول ..

ومثلما تقدم التضحيات العظيمة والتنازلات النبيلة لضمان استمرارية الحب وخلوده ..

فكذلك التضحية بالقطع في الشطرنج تمنح الفوز لذة وبهاء من نوع خاص ..

كثير من الأبطال تلألأت نجومهم في سماء الشطرنج وخلبوا بعبقريتهم الساحرة الألباب والأذهان أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :

ويليام شتاينيتز .. العبقري خوسيه راؤول كابابلانكا ( آلة الشطرنج ) .. إيمانويل لاسكر .. ألكسندر أليخين الداهية .. بول مورفي الساحر .. ميخائيل تال الفريد .. بوبي فيشر العظيم ..

كاسباروف محطم الأرقام القياسية ..

فيشواناثان أناند أسطورة الهند ..

هيراكو ناكامورا الطفل المعجزة ..

ومؤخرا النرويجي ماجنوس كارلسين ..

من المفارقات في هذا العالم الساحر أن الداهية أناتولي كاربوف يوم زفافه عندما قال : أعتقد أن هذه النقلة هي الأخطر والأهم في حياتي كلها ..

وأعتقد أنني لن أربح الآن مطلقا !

وبالفعل لم يذق كاربوف طعم الفوز بعد زواجه مطلقا !

* كاسباروف بعد أن ابتعد عن الشطرنج وانخرط في الحزب المعارض وجد أن السياسة أقذر لذلك لم يكتب له النجاح مطلقا ..

* ميخائيل تال اشتهر بأسلوبه الفريد حيث كان يضحي بقطعه واحدة تلو الأخرى ليربك خصومهم ويحقق الفوز بأعجوبة وكان يقول :

– إذا لعبت بالأبيض لأجل التعادل فهذه جريمة من الدرجة الأولى ..

– هناك طريقتان في التضحية إحداهما معروفة والأخرى طريقتي ..

– ينبغي أن تدخل خصمك إلى غابة مظلمة حيث 2+2=5 وحيث الطريق للخروج يكفي لعبور شخص واحد هو أنت ..

* بوبي فيشر الأمريكي الذي قابل بوريس سباسكي الروسي في بطولة 1972 م حيث كانت الحرب الباردة في أوج قوتها بين أمريكا وروسيا سعت كل من الدولتين لتأكيد تفوقها في صراع العقول هذا ..

الأولى لإثبات أن الرأسمالية هي النظام الأمثل لقيادة دفة العالم والثانية لتأكيد تفوق  الخبراء السوفيت الشيوعيون وأنهم الأكفأ والأعلى كعبا ..

فيشر وسباسكي كان الضغط النفسي عليهما شديدا وهما يشعران بحجم الضغط الذي تمارسه حكومتاهما عليهما ..

في البداية لم يرغب فيشر في خوض المباراة النهائية مما حدا بالرئيس الأمريكي كسينجر أن يستقل طائرة خاصة إلى بيت فيشر يرجوه ويقبل رأسه كي يخوض المباراة النهائية ..

سباسكي بالمثل تم إجباره من قبل السوفييت على خوض النهائي فأخذ فترة نقاهة في منزل منعزل بقرب البحر لمدة أسبوع للتفكير ومن ثم رضخ على مضض ..

أقيمت مباراة القرن على جزيرة محايدة

في الجولات المبكرة تم تغيير صالة اللعب أكثر من مرة حيث اشتكى فيشر من الإضاءة ورداءة الميكرفونات !

 

فاز فيشر ليؤكد أنه الأفضل وكافأته بلده الأم بعد ذلك بسخاء حيث سحبت جنسيته وجواز سفره الأمريكي واعتقل في اليابان لأنه أصبح رجلا بلا وطن عندها ثارت ثائرة عشاقه في العالم ومارسوا ضغوطات مكثفة على الحكومة لتنتشله جمهورية إيسلندا بكل رحابة صدر وتمنحه الجنسية الإيسلندية .. كان لفيشر انتقادات وتصريحات لاذعة .. وكان يردد دائما أن الروس عندما يلعبون ضد بعضهم يلعبون برقة لإفساح المجال لأحدهم للفوز باللقب أما مع غيرهم فهم متوحشون .. كان يعتقد أن الروس لديهم تخاطرا تليباثيا مع كائنات فضائية وأنهم يمارسون الغش كل حين !

أخيرا أختم برأي غاندي رجل السلام الأول في الهند بوجهة نظره الاستثنائية عن هذه اللعبة إذ قال : ( لطالما لم أكن أرغب بتعلم الشطرنج لسبب بسيط لم يفهمه أصدقائي سابقاً و قد فهموه الآن … و هو أنني لا أريد أن أقتل جنودي و جيشي وكل ما على أرض الشطرنج كي يحيا الملك ) !

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…