p22_20151009_pic1

  • ﺳﻔﻴﺘﻼﻧﺎ ﺃﻟﻜﺴﻴﻔﻴﺘﺶ

  • ترجمة خاصة: جيل جديد

        أنا أبحث في الحياة عن الملاحظات ، الفروق الدقيقة ، التفاصيل.

ذلك أن اهتمامي في الحياة ليس متعلقاً بالحدث بحد ذاته ، ولا الحرب بحد ذاتها ، ولا تشرنوبل بحد ذاتها ، ولا الانتحار بحد ذاته. ما مهتمة به أنا هو ما يحدث للإنسان. ما يحدث له في زماننا. كيف للمرء أن يتصرف ويتفاعل. كم يحوي بداخله من الحياة ، كم  فيه من وقته ، وكم منه فيه.

         لقد كنت أبحث عن النوع الأدبي الذي من شأنه أن يكون الأكثر موائمة -حسب تأملي للكون – كي ينقل طريقة سماع أذنيّ ورؤية عينيّ للحياة. وفي سبيل ذلك ، جربتُ هذا وذاك ، لأختار أخيراً الأسلوب الذي تتكلم به الأصوات البشرية عن نفسها. ففي كتبي يتحدث أناس حقيقيون عن أهم ما جرى في العصر من أحداث ، كالحرب ، كارثة تشرنوبل ،  وسقوط إمبراطورية عظيمية. مدونين معاً تاريخاً شفوياً لبلادهم ، تاريخهم المشترك ، حيث يضيف كل شخص منهم ، إلى الكلمات ، قصة حياته/تها الخاصة. اليوم ، أصبح الإنسان والعالم متعددي الأوجه ، وأصبحت الوثيقة المتغيرة بفعل الفن أكثر جذباً للاهتمام ، في حين أن الفن في حد ذاته غالباً ما يثبت لنا بأنه عقيم. إن الوثائق تلصقنا بالواقع لأنها تلتقط وتحفظ الأصول. وها أنا الآن أقر ، بعد ٢٠ سنة من العمل على المواد الوثائقية وكتابة خمسة كتب على أساسها ، أن الفن قد فشل في فهم أشياء عديدة عن الناس.

       إنني لا أسجل فقط التاريخ الجاف للوقائع والأحداث ، بل أكتب أيضاً تاريخاً للمشاعر الإنسانية. ما فكر به الناس وفهموه ، وظلّوا يتذكرونه خلال الحدث. ما آمنوا به أو شككوا فيه ، ما توهموه ، وجربوه من آمال ومخاوف. إن من الصعب تخيل أو تلفيق ، على أي حال ، مثل هذا القدر الوافر من التفاصيل الحقيقية. نحن ننسى بسرعة ما كنا عليه قبل عشرة أو عشرين أو حتى خمسين عاماً. أحياناً نحن نخجل من ماضينا ونرفض تصديق ما حدث لنا في الواقع الفعلي. الفن قد يكذب ، لكن الوثيقة لا تفعل مطلقاً. وعلى الرغم من أن الوثيقة هي أيضاً نتاج إرادة شخص ما وعاطفته. فأنا أؤلف كتبي من آلاف الأصوات والمصائر ، فتات من حيواتنا وكينونتنا. لقد استغرق الأمر مني ثلاث إلى أربع سنوات لأكتب كل كتاب منها. التقيت ودونت محادثات مع ٥٠٠-٧٠٠ شخص لكل كتاب. إن تسجيلي للأحداث يشمل عدة أجيال. بدءاً من ذاكرة الناس الذين شهدوا ثورة ١٩١٧ ، مروراً بالحروب ومعسكرات الاعتقال الاستالينية ، وإلى أن يصل أخيراً إلى وقتنا الحاضر.

هذه هي القصة لروح سوفيتية-روسية واحدة.

  • كتابي الأول ”الوجه غير الأنثوي للحرب“

     شهدت أكثر من مليون امرأة سوڤيتية العمل على خطوط الجبهة الأمامية للحرب العالمية الثانية ، تتراوح أعمارهن بين الخامسة عشر والثلاثين ، متقنات لمختلف المهن العسكرية ، فصِرنّ كباتِن طائرات ، سائقات دبابات ، مدفعيات ، قناصة ، وغيرها الكثير. ولم يكن مجرد ممرضات وطبيبات كما في الحروب السابقة. لكن بعد الانتصار نسى الرجال أولئك النسوة ، وسرق الرجال النصر من المرأة.

       في كتابي تتحدث المجندات عن تلك الجوانب من الحرب ، التي لم يجرؤ الرجال على ذكرها. فنحن لم نكن لندرك مطلقاً مثل هذه الحرب. فحينما وصف الرجال مآثرهم ، تكلمت النساء عن شيء آخر. مثلاً ، كم كان مرعباً لهن أن يسرن وسط ساحة مغطاة بالجثث المتناثرة من حولهن كحبات البطاطس ، وكلها جيف لوجوه يافعة. ليشعرن بالأسف لهم جميعاً ، للروس كما للألمان.

         بعد الحرب ، كان كذلك على النسوة أن يخضن حرباً أخرى ، أخفين هويتهن العسكرية وشهادات الاصابات والجروح ، لأنهن أردن أن يتزوجن.

  • كتابي الثاني ”الشهود الأخيرون“ : كتاب للحكايات غير الطفولية

      هذه بقايا ذكريات الحرب ، لإؤلئك الذين لم تكن تتجاوز أعمارهم السابعة والثانية عشرة. وُصِفت الحرب عبر عيون الأطفال البريئة. قال دوستويفسكي ذات مرة : «إن الصالح العام ليس له قيمة على الإطلاق إذا جاء اكتسابه على حساب دموع طفل واحد»

  • كتابي الثالث ”فتيان في الزنك“

           هو عبارة عن حرب العشرة سنوات بين الاتحاد السوڤيتي والأفغان ، شاملاً قصصاً لأكثر من مئة ضابط وجندي شاركوا في الحرب غير المفهومة ، بالإضافة إلى حكايات الأرامل وأمهات الضحايا. إننا نتعلم كيف أن العالم بشقيه – الشرق والغرب – قد اشتبكا في مبارزة قاسية وميؤوس منها. أي نوع من الحروب كانت تلك. إي أناس كانوا يفكرون في ذلك الحين ، كيف قتلوا بعضهم البعض ، كيف ناضلوا يائسين من أجل بقائهم. ”هناك حتى الوقت كان يمضي بطريقة مختلفة ، التقويم بعينه كان مختلفاً : إنه رجوع بالزمن لما يقارب ٢٠٠ عاماً إلى الوراء “. وهذا ما كنت أسمعه مراراً وتكراراً في العديد من القصص.

       إنك تقرأ هذا الكتاب كما لو أنه قد كُتب ، ليس في الماضي ، ولكن في الآن. كما لو أنه قد كُتب من أجلنا ، نحن الذين شهدنا مأساة ٩/١١ عندما تغير العالم جذرياً في غضون يوم واحد. إنه ينتقل إلى الخلف بدلاً من المضي قدماً ، نحو الرجل المسلح بالعتاد عوضاً عن الرجل الأعزل.

        يقول أحد الشخصيات في الخاتمة : ”إن أؤلئك الذين كانوا هناك ، لن يودوا أبداً القتال مرة أخرى. إنه يجب عليكم محاربة الأفكار بدلاً من الناس. أقتلوا الأفكار ، التي تجعل عالمنا في غاية الوحشة والرعب ، وأتركوا الناس لشأنها “.

     وهذا هو ما يدور في ذهن كل شخص اليوم.

  • ابتهالات تشرنوبل : سجلات للمستقبل

       إننا نعيش ، بعد كارثة تشرنوبل ، في عالم مختلف. في الحقيقة لقد وقعت كارثتان في ذات الوقت – البعد الكوني لتشرنوبل، والكارثة الاجتماعية حين اختفت أرض الاشتركية العظمى. الحادثة الثانية طغت بظلالها على الأولى لأنها الأكثر إلحاحاً وارتباطاً بنا ، وأكثر قابلية للفهم. ما حدث في تشرنوبل كان هو كارثة من نوعه ، وكنا نحن أول من يختبرها. نحن الآن نعيش معها ، شيء ما يحدث لنا : لقد تغيرت صيغة الدم والشفرات الجينية ، واختفت تلك المناظر الطبيعية المألوفة. لكن لكي نفهم تماماً ما يحدث فإننا في حوجة لتجربة إنسانية مختلفة ، وأداة داخلية مختلفة ، والتي لا وجود لها حتى الآن. إن أبصارنا وأنوفنا غير مستشعرة بعد للعدو الجديد ، واحد من أولئك الذين يأتون من المستقبل – الإشعاع. حتى كلماتنا ومشاعرنا لم يتم تعديلها لما كان قد حدث. وكل تجاربنا للمعاناة الكامنة في التاريخ ، باتت الآن غير ذات فائدة تذكر. إن مقياسنا للرعب هو نفسه – للحرب. وعينا لا يتحرك أعمق من ذلك ، إنه لايزال واقفاً على العتبة. إن ما حدث في تشرنوبل حقاً هو أسوأ بكثير من معسكرات الغولاغ ومحرقة الهولوكوست.

        من الصعب أن ندافع عن أنفسنا من المجهول ، من ما هو حتى الآن غير مألوف للجنس البشري. لقد غيرت تشرنوبل علاقتنا مع الزمن؛ الكلمتان ”إلى الأبد“ و ”مطلقاً“ امتلأتا بمعاني مختلفة واكتسبتا هيئة مادية. كل مفاهيمنا السابقة عن ما هو كوارث كبيرة وصغيرة تحولت لتصبح غير كافية – كمرء يطل على هوة الكون. حالاً تم تجريدنا من الأبدية. ولا يزال الوقت متوقفاً على أرض المقاطعة الميتة ، وأصبح ما هو عليه دائماً – الخلود.

      في يوم ما ، من أيامنا ، أيام التشرنوبل ، سوف تصبح أسطورة. الأجيال الجديدة ستنظر إلى الوراء ، نحونا ، وتتساءل كيف حدث كل ذلك ، أي نوع من الناس عاشوا هنا ، بماذا شعروا وفكروا ، كيف ارتبطوا به كلهم ، وما الذي يتذكرونه.

      هل يمكن للـ – المرء والحدث – أن يكونا متساويين ؟ الأحداث ذات الصلة بشخص واحد تصنع له/لها حياته الخاصة ، لكن الأحداث المتعلقة بالعديد من الناس تصنع لهم تاريخاً.

      إن تاريخ تشرنوبل لا يزال يُكتب ويُدون ، إن هذا هو لغز وتحدي القرن الواحد والعشرين.

  • الأيل الرائع لمطاردة الأبدية :

      ما الذي سيجده القارئ في هذا الكتاب؟ سيجد أن كل شيء يمكن أن يتحول إلى ذكريات. وأن كل حياة مثيرة للاهتمام بطريقتها الخاصة. وأنه دون الموت لا يمكنك فهم الحياة. وأن الحب هو الذي يغطس بنا إلى أعماق ذواتنا. وأن البشرية كائنة في مكان ما بين القديسين والشياطين. سيجد أن معرفتنا عاجزة. وأن ما يبحث عنه الناس في الحب هو الشيء نفسه كما في الحرب والجريمة. وأن كل واحد منا يخفي بداخله الرجال والنساء كليهما. سنجد أننا نعيش بين الظلال، بين المستحيل وغير المدرك. وأنك في الحب قد تختفي كما في الموت. وأن حقيقة الحياة وموت الجسد غير قابلة للوصول إلينا. وأن السيد المسيح كان هو أيضاً إنساناً. ستجد أن بإمكانك الموت عشقاً أثناء الحرب. وأن كل واحد قد يستدعي ما يريد هو/هي أن يخفيه. ستجد أن جميع المخلوقات في هذا الكون تعشق بعضها بعضاً – الزهور ، الأشجار ، الفراشات ، الديدان ، الطيور. وأنه لا توجد تكنلوجيا حديثة يمكنها أن تحررنا من هذا الاحتياج للحب ، للإحساس والمعاناة. ستجد أنه لا يمكننا أن نعتاد على فكرة أن كل شيء لنا هو محدود بالأمد الذي سنحياه. ستجد أن هنالك رجال يدركون كم من المهم أن تكون امرأة. وأن الوقت في الحب يتدفق مختلفاً عن الزمن المعتاد في حياتنا. وأن الناس يتوقون إلى الخلود. وأن أسرار الإنسان هشة وبلا رحمة. ستجد أن الألم هو الفن.  وأن ميتتنا الصغرى قريبة جداً ، وأن كل شيء روسي مملوء بالحزن.

       يتضمن الكتاب قصص مئات الذكور والإناث ، ليحكي عن رغبة الآدميين والعجز في العثور على السعادة.

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…