بقلم: برعي محمد

قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأننا أنجبنا هنا واحدًا من أولادنا » فقال لها أركاديْو : « و لكن لم يمت لنا أحدٌ هنا ، ولا ينتسب الإنسان إلى أرض لا موتى له تحت ترابها » ، وحين رأت إصراره على الرحيل قالت : ” إذا كان لابد من ذلك فسوف أموت أنا هنا ” …

 هذا الحوار القصير يحمل، وهو مقطع من رواية ماركيز الشهيرة « مائة عام من العزلة » ، رؤيتين متناقضتين حول مفهوم الوطن و الداعي إلى الانتماء ، ففي حين ترى أورسولا في الوطن ضرورة أن يكون قادرًا على الانجاب وأن يتحقّق فيه هذا الشرط من أجل البقاء ، يرى أركاديو أن الوطن الحقيقي مشروطٌ بأن يكون حضنًا دافئا ، قبرًا ، ذاكرة ، إذ كل هذه الدوال يجمعها مدلول واحد هو ” التاريخ “.

 ” فالإنسان لا ينتسب إلى أرض لا موتى له تحت ترابها ” ، ومعنى هذا أنّه ينبغي لمن يريد البقاء في أرض تكون له وطنا أن يحيلها إلى ذاكرة و تاريخ ، ليمتدّ من خلال هذه المعطيات ويحقّق ماءه في الأرض بوصفها وطنًا ، وإلا فالرحيل عنها أولى من البقاء فيها ..

وعلى العكس تمامًا ترى أورسولا أن الوطن / رحم و مهد ، والانتماء فيه مشروط بهذا الفعل الإنتاجي ، ولهذا فهي ترفض أن تذهب و تصرّ على البقاء لأنها أنجبت في هذا الوطن أحد أولادها …

 إنها تتعامل مع الأرض بوصفها أنثى ، أي معادلا رمزيا لها ، وترى أنها تتشكّل وطنًا من اللحظة التي تنتج فيها فعلًا إنسانيًا ، فالإنسان ينتمي إلى الأرض التي وُلِد فيها ، إلى الأرض / المهد ، لا الأرض / اللحد ، وعلى هذا يمكن القول إن الرؤية التي تحمل الطابع الذكوري للوطن هي رؤية تاريخيّة ، في حين ترتكز رؤية الأنثى على الفعل الراهن ، الذي يحدث في الحاضر أو في المستقبل وهذا يدلّ عليه إنجاب الولد حاضرًا ورغبتها في الموت مستقبلًا ، إذ قالت حين أصرّ زوجها على الرحيل : ” إذا كان لابد من ذلك فسوف أموت أنا هنا “، وهو فعل يحيل اللحد إلى مهد ، وبالتالي يحقّق رؤية المرأة / أورسولا من خلال رؤية الرجل / أركاديو ، وذلك على اعتبار أنّ موتها امتزاج بالأرض لتصبح وطنًا قارًّا ، يمنع الرجل من الرحيل ، وفي الوقت نفسه يحقّق فعل الإنجاب ومن هنا يصبح هذا الحوار جدلًا بين رؤيتين يؤول في النهاية لمصلحة المرأة على شرط الرجل ، و يتسنى للأرض / الوطن أن تكون مهدًا ولحدًا في الوقت نفسه ليتحقّق بذلك شرط البقاء الإنساني و الفعل الحضاري فيها ، وهو ما تحقّق فعلا من خلال أحداث الرواية المذكورة ، حيث توالدت أسرة أركاديو بوينديا إلى أن أصبحت أسرة كبيرة تأسست من خلالها قرية ماكوندو الصغيرة ، ثم كبرت ، إلى أن بلغت نهايتها ، بعد مائة عام من العزلة ، وانتهت بذلك فرصتها في العيش على وجه الأرض ، أي اصبحت القرية ذاتها مهدًا لنفسها ولحدًا في الوقت نفسه ، وجاءت لتتمثّل قول أورسولا : ” إذا كان لابد من ذلك فسوف أموت أنا هنا ” ، وكأنّ قرية ماكوندو هي أورسولا حين استحالت إلى رمزٍ للأرض ، وفي الوقت نفسه أيضًا تحقّقت وطنًا على شرط أركاديو : ” فالإنسان لا ينتسب إلى أرض لا موتى له تحت ترابها ” .

و الحقّ أن كلتا الرؤيتين تحمل حجّتها المقنعة ، وفلسفتها العميقة ، فالوطن ليس ذا قيمة ما لم تكن له ذاكرة تمده بأسباب البقاء ، وما لم يكن له تاريخ وجود يحقق له إنتماءه ، وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون وطنًا يحمل معنى الوطن الحقيقيّ ما لم تكن له حضارة منتجة ، و ما لم يكن له مستقبل يمتدُّ في أفقه ، ولذلك جاءت عبارة أورسولا الأخيرة ، لتجمع بين الرؤيتين و تصالح بينهما ، بل و تزاوج بين هذه و تلك ليكون فعل الإنجاب أقدر على الامتداد ، كما امتدّت هذه الأسرة وكبرت بها القرية في مدة استغرقت مائة عام

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

لا يموت الشاعر

الشاعر: عمار شرف الدين يفضل غفوة كتابةٍ أبدية يعالج فيها نصاً أرّق حياته  تصلح غفوته الطوي…