حديث عنه

خيري شلبي :

طائر الهدهد الجميل يصافح الأفنان، يصبّحها بالخير، يعافيها بالعافية.. الهدهد الأشقر الشعر لا يكف عن عيادة الأغصان في شتى بقاع الأرض، يبث الأشجار شوقه العارم للحرية، ويستقي منها حميمية المواطنة.

المجد للشجر، أعظم مواطن على سطح الأرض.. والمجد للهدهد، حامل رسالة سليمان النبي.. شين.. عين.. راء.. تتكسر الشين فوق رأسه، تتفتح فى قلبه..

جدائل شقراء ناعمة، تميل فوق الجبين، تلتحم به في قبلة سرمدية خصل من القصائد الأراجيز، تعبر الجبين إلى العينين..

الجبين وردي ناعم، يشبه الصابونة اللوكس.. جبين فواح بالشذى.. يغري بالتقبيل، يوقظ – حتى في الرجال عاطفة الأمومة الفياضة..

فى عينيه أمواج البحر المتوسط.. والخليج العربي.. وبحيرة ناصر.. وبردي.. والليطاني.. ناهيك عن دجلة والفرات..

عينان من فرط ثرائهما بدتا على درجة كبيرة من التواضع.. في أعماقه البعيدة ينابيع دمع مدخر، هو دمع ليس يصلح للبكاء.. إنما يصلح لسقيا الأرض، للإرواء.. لبعث الحياة في شجيرات البرتقال، وفى السنابل، وأحمد الزعتر.

أنف هذا؟ أم هو منقار الهدهد؟ أم هو شطفة من قبة الصخرة؟ لعله جسر للعبور إلى رام الله..

أنف بارز شامخ ممتد كعنق الفرس، كمعلقة امرئ القيس، يبدو تحت المنظار الطبي العريض العدستين كممر من الحصباء يفصل بين نافذتين مفتوحتين على ستائر من المخمل..

الخد أسيل.. يعلوه سالف جميل.. الحنك عصفور يرقد فوق ذقن شامي.. في سحنه الوجه عذرية مريم.. وسماحة المسيح.. ومدائن مزهرة عامرة.. وحضارات غامرة.. وعصور قهر قاهرة… وسفائن حائرة.. وأضواء باهرة.. وقواميس ماكرة..

وجه ما أبهاه.. ما أحلاه.. ما أغناه، لكأنه الحسين بن على رضي الله عنهما، لكأنه خالد بن الوليد، هشام بن عبد الملك، يوسف الصديق، سليمان الحلبي، المهلهل سيد ربيعة، فلتتعدد الأسماء والشخصيات لكنها تجمعت في شخص واحد والاسم محمود – والأصل درويش.

هو فعلاً درويش من دراويش الشعر، من مجاذيبه، على صغر سنه بات قطباً من الأقطاب.. له مريدون وأتباع ومجاذيب يتعاهدون عهده يسيرون على دربه يتفيأون ظله الممدود.

في صوفية الشعر هناك طريقة معروفة اسمها المحمودية الدرويشية، أين منها طرائق الصوفية الدينية؟..

في حركة الشعر العربي الحديث كان محمود درويش مذاقاً جديداً تماماً، فمن بواكير الصبا كانت بداياته تنبئ عن شاعر كبير شديد الفحولة أكبر من أن يكون مجرد شاعر بين الشعراء.

لا أزال أذكر بداياته الأولى، تلك التي طالعتها في أوائل عقد الستينيات من خلال ذلك الأديب الفلسطيني الفذ، الشهيد، غسان كنفاني، أحد أهم روافد الحداثة في أدبنا العربي المعاصر، صاحب الأعمال القصصية والروائية التي ارتفعت بالقضية الفلسطينية إلى أرفع مستويات الإبداع العالمي.. كان كتابه ” أدب المقاومة في فلسطين المحتلة ” نافذة لنا علي جيل جديد هو نفس جيلنا في طبعته الفلسطينية في جحيم الاحتلال الإسرائيلي، محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم.

كانت أشعارهم طازجة بمعنى الكلمة، فرغم أن المفردات التي نستخدمها جميعاً في مصر وسوريا واليمن والعراق والسودان ولبنان والمغرب العربي، فإنها مع ذلك تكاد تكون جديدة علينا كأننا نتعرف عليها لأول مرة، ولم يكن السر في ذلك غامضاً، فتفسيره في المثل الشعبي الدارج: من كانت يده في الماء ليس كمن يده في النار، وصحيح أننا كنا جميعاً نكتوي بنار المحنة، لكنهم كانوا يحملونها في قلوبهم.

أذكر أنني فرحت فرحاً عظيماً كأن فلسطين قد عادت إلينا، لا أنكر أنهم جميعاً قد سكنوا في وجداني رغم أن ما قرأته لهم لم يكن يتجاوز مقاطع قصيرة من قصائد مبتورة، ولكن محمود درويش كان نسيجاً وحده.

كان فيه الكثير الكثير من خصائص السنبلة.. تأكدت هذه الخصائص في القصائد التي أصبحت ترد إلينا عبر منافذ متعددة، فنتناسخها ونتناقلها فيما بيننا، ونقرأها في السر وفى العلن، بالعين تارة وبالصوت تارات.

من خصائص السنبلة في محمود درويش أن القصيدة عنده مضفورة كضفيرة السنبلة بالضبط، الحب فيها منضود في تناسق إلهي مذهل، كأنها منبر الخطابة في مسجد إسلامي مشغول بالأصداف والأرابيسك وفنون الرقش الإسلامي المبهر.

القصيدة السنبلة عند محمود درويش مبنية هكذا، الكلمة فيها تطرح آلاف الكلمات. غير المرئي فيها أضعاف المرئي، كما أن المرئي فيها ليس هو الأساس، إنما هو مجرد مفاتيح لمدائن سحرية لا حدود لاتساعها وثرائها وعمائرها وقبابها ودروبها وميادينها، حبة واحدة من السنبلة تملأ الوجدان شعراً، والكلمة عند محمود درويش ليست مما يخط على الورق، بل هي حفر بالأزميل على جدران القلوب، وضعت لتبقى راسخة كالطود، إذا أمسكنا بعتلة ومطرقة، وجعلنا ندق فوق الكلمة بكل ما فينا من قوة فلن نتمكن من تعتعتها من مكانها. فإن ثابرنا على الدق فوقها وأزحناها قليلاً فسنجد تحتها كلمة أخرى كانت تحتويها الكلمة السابقة.

هي كلمات كجلد البشر لا يتقشر إلا إذا تكونت تحت القشرة طبقة جديدة بديلة طازجة.

محمود درويش – كفؤاد حداد – كبابلو نيرودا، كلوركا، كأراجون- لا يكتب الشعر بل يتنفسه. عنده لا انفصال بين الشعر والشاعر – هو الشعر، والشعر هو يوضع في صف واحد مع أعظم شعراء المقاومة في جميع أنحاء العالم.

المقاومة هنا ليست ذلك المعنى الضيق، المحصور في مقاومة المحتل الأجنبي وأذنابه. إنما نقصد المقاومة بمعناها الواسع الغني.. إنه شعر يحقن القارئ بمصل المقاومة بإكسير القوة. مقاومة ضد عوامل الضعف والخور والهزيمة واليأس والتراخي مقاومة لا تقبل أنصاف الحلول، تعف عن المكسب الرخيص السهل، ولا ترضى بمكسب مشروط.

وأنت بعد قراءتك لمحمود درويش لابد أن تختلف عنك قبل قراءته اختلافاً كبيراً. بعد قراءته ستشعر بالعزة والسموق، ستشعر بمعنى الكرامة، بروح الإباء بالسؤدد بالارتفاع فوق صغائر الأمور ستشعر بأنك تستطيل وأن قامتك تتصاعد مع الشعر إلى ما يشبه الإسراء والمعراج، حيث سترى ما لم تكن تحلم بالسفر إليه وتشعر بما لم تكن تظن أنك قادر على الشعور به، في شعر محمود درويش تنفك عنك كل القيود إذ هو لا يحمل البعيد إليك بل يحملك إلى البعيد البعيد. ثم إنه لن يعيدك إلى سابق حالتك، لأنه يترك فيك لقاح روحه ليشحنك بطاقة تؤهلك للانطلاق إلى أفاق مترامية، حيث تشعر ربما لأول مرة في حياتك بمعنى الوطن.

الشعر هو وطن محمود درويش الحقيقي، ذلك أن الوطن قد بات شعره منذ نعومة أظافره كما يقول التعبير العربي القديم. بشعر محمود درويش ترتفع قيمة الوطن، الدليل على ذلك هو شعر محمود درويش فيه يبقى الوطن حياً إلى ما لا نهاية.

تلده القصائد كل يوم، قديماً جديداً معاً، تلده كاملاً غير منقوص تلده كبيراً متطوراً مطهراً.

وشعر محمود درويش هو التطور الأمثل للشعر العربي القديم تجد فيه الملك الضليل والنابغة، وجرير، والفرزدق وابن أبي ربيعة، وبشار ابن برد وأبا نواس، والمتنبي، والمعري، والبحتري، وابن الملوح، وابن الرومي، والحمداني، وابن زيدون، وشوقي، والرصافي، والجواهري، وعلى محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، تجد كل هؤلاء وغيرهم، ولكن في صورة جديدة متطورة مزودة بالثقافة الحديثة منصهرين جميعاً في بوتقة تغلي بنار المحنة اسمها محمود درويش.

هو شاعر واضح الأصول والأنساب، في شعره هويته العربية الأصيلة تتعرف فيه على آبائه وأجداده وأعمامه وأخواله.

ربما كان على رأس هذه القلة القليلة من فرسان الشعر العربي الحديث الذين نجوا من الرطانات الأجنبية فرغم استفادته من الشعر العالمي والفرنسي خاصة يظل شعره نفساً عربياً خالصاً. إن عروبية شعره لا تقبل جسماً غريباً.

شعره ملكه وحده، نابع من ضميره هو من عالمه الخاص بل الشديد الخصوصية.. حتى المفردات العربية التي يستخدمها غيره من الشعراء العرب تبدو لفرط امتلائها بشحنات جديدة وألوان طازجة كأنها من اختراعه فكأنه جمع هذه المفردات وهي بعد مجرد بيض، ثم حضنها وبعث فيها حرارته حتى فقست مفردات ككائنات حية تسعى في فناء داره كالكتاكيت، ثم راح يطعمها ويسقيها حتى نمت أفراخاً تملأ الدار لوحات تشكيلية مرئية تمتع البصر والفؤاد وتضج بالموسيقى.

يقول في بعض حواراته : ”الشعر ليس فقط وسيلة الشعر واللغة قبل ذلك لأن علاقة الشاعر باللغة ليست من أجل إيصال شحنة أو فكرة أو غموض أو وضوح على شذوذ اللغة أن توصل وأن توضح ما هو غامض في وجودنا الداخلي ولكن أيضاً على اللغة أن تكون غرضاً في حد ذاتها في العملية الشعرية، الكلمات ليست فقط أدوات اتصال، وليست أرقاماً وإلا كنا نستغني عن الشعر بالتعبير المباشر عما نريد من مطالبنا أو من شهواتنا أو من رسالتنا، ولكن في العملية الشعرية، اللغة الشعرية هي أيضاً مادة عمل وأيضاً غرض العمل”.

ولكن كيف نبعت قصيدة محمود درويش من المحنة الفلسطينية لتتجاوز المحنة وتصبح خطاباً إنسانياً عاماً يخاطب الإنسانية في كل مكان وكل زمان، وتصبح القضية الفلسطينية هماً إنسانياً معاصراً بقدر ما هي زاد جمالي تستضيء بنوره الإنسانية.

يجيب هو قائلاً إنني نتاج تلك الأرض عناصرها وطبيعتها نتاج حركة التاريخ فيها ونتاج لقاء الحضارات والثقافات فيها فأنا استوعب كل تلك الثقافات على أساس أنها عنصر مكون لثقافتي، هذا النتاج كله ملكي فأنا تعبير عن كل هذا الاختلاف ومن كل هذا الاختلاف ومن كل هذه الأبعاد في الزمن وفى التاريخ ولكن هذا لا يكفي لكي يكون النص الشعري ملكية جمالية إنسانية فلو كان تعبيري محصوراً في وصف أطراف الصراع، والصراع وحده، لسقط النص أتوماتيكياً بعد سقوط الصراع، أنا لست أحادياً ولست مراسلاً حربياً للقضية الفلسطينية، وأنا أتكلم عن إنسانية هذه الأرض وإنسانها وعن نزوعه الإنساني نحو تحقيق قيم من حقه أن يتمتع بها وهي الحرية والاستقلال، وإبداع حياته ومصيره كما يشاء، أي الجانب الإنساني في القضية الفلسطينية وهو جانب عملي الشعري وليس الجانب الوصفي لوثائق تطورات هذه القضية ولجانبها العسكري أيضاً فمجال عمل هذا النص هو القدرة على كشف جماليات الحياة في تلك الأرض بحيث تتحول هذه الجماليات إلى ملكية إنسانية عامة ولا نستطيع حينذاك أن نقول إن هذا الشاعر فلسطيني، وهذا الشاعر سوري وهذا الشاعر تونسي، يصبح النص الجمالي يخاطب ما فينا من هشاشة الإنسانية وقوتها أيضاً ونزوع الحرية والإبداع.

ترى هل يذهب محمود درويش إلى القصيدة أم أن القصيدة تجيء إليه على طريقة الوارد الصوفي كما عبر صلاح عبد الصبور عن نفسه في مذكراته عن تجربته الشعرية.

هذا السؤال وجهته إليه بشكل مختلف قليلاً إحدى الصحفيات التونسيات، وقد أجابها بقوله : ”القصيدة وسواس وهاجس ملح ونمط حياة وطريقة تفكير في الوجود كل هذه العدة السابقة لتكون القصيدة في النص لا تحقق إلا إذا توافرت هذه الشروط وكل شاعر يراقب هذا التحقيق بطريقة مختلفة وليس هناك نظام واحد لكيفية تحول الحلم والهاجس الغامض والفكري إلى نص شعري ولكل شاعر طريقته للوصول إلى المنطقة التي يلتقي فيها الواقعي بالأسطوري، التاريخي باللاتاريخي المطلق بالنسبي كما ليس هناك نظام ما ولكن هنا وحي، ليس بالمعنى الديني للكلمة، بل نقطة يختل فيها الخيال بنقطة استقبال الواقعي فينا.

أكون محملاً بهاجس كبير أو بفكرة كبيرة أو باختناق كبير أو بغضب كبير وعلى هذا الاحتقان النفساني أن يرسو على مناطق معرفية مرجعية من أجل أن يكون للنص بعد صالح لأن يكتب كنص إبداعي ثقافي فإذا كانت قصيدتي تاريخية أكون مدججاً بقراءات معرفية، وتحضيرات مرجعية من أجل أن أعيش اللحظة أو المكان الذي سأكتب عنه هذا في القصائد التاريخية الكبيرة أما في القصائد الأخرى فيجب أن يتحول هذا الهاجس إلى صور ليعبر عن نفسه ويحول الكائنات إلى صور لكن لا يمكن أن تتحول الصور إلى قصيدة إلا إذا وجدت إيقاعها عندما أسمع إيقاع الصورة الحاملة للوجود عندئذ أشعر أن في وسعي أن أحاول الكتابة وعلى أن أهيئ نفسي نفسياً، وأن أجري قطيعة نسبية ما عن الخارج في لكي التقط الإيقاع.. وعندما أمسك بالإيقاع أشعر أنني دخلت مجرى الحفر في بناء شكل القصيدة وتحولها إلى النص.

هذه هي الكتابة الأولى لكن بعد ذلك أكتب الكتابة الثانية من منظور الناقد الموجود في داخلي وأترك القصيدة لعدة شهور ثم أقرؤها من جديد فإن وجدت أنها تشبعني كثيراً أشعر أنني لم أضف شيئاً ولم أكتب القصيدة، أشعر أنها تكرار لتجارب سابقة لي ولا تنسج ذاتها من ذاتها ومن مخزونها الخاص ولكن عندما أقرأ القصيدة وأشعر أن شاعراً آخر كتبها، أشعر باحتفال كبير، وأشعر أنني نجحت في الكتابة.

فترة الحمل والمخاض فترة طويلة ولكن في الشعر ليس هناك عملية قيصرية، العملية القيصرية تقتل الوليد الشعري وصحيح أن النص الشعري يقوم على ثنائية ألم وفرح، ولكن كل عمل إبداعي هو تعامل قاس مع الألم، والفرح ليس مصدراً للشعر الفرح ليس ملهماً للشعر لأننا لا نحتاج إلى تكوين واقع آخر ما دام الواقع متحققاً، الألم هو دافع أكثر للكتابة الشعرية، أغلب النصوص المهمة في تاريخ الإنسان الأدبي هي نصوص مأساوية ولكن الفرح هو فرح الإبداع الجمالي لتحقيق جمالية النص الشعري وإنجاز الشعر فيه، في شكلها الذي هو القصيدة والفرح الوحيد هو الفرح الإنساني بالقدرة على الخلق والإبداع فهذه الثنائية متعايشة ومتفارقة في نفس اللحظة، الباعث مؤلم والإنجاز هو الذي يسبب الفرح الإنساني، أي قدرتنا أن ننجز من هذا الألم ومن هذه التراجيديا الإنسانية نصوصاً جميلة، الجمال هو الفرح والجمال لا يتحقق إلا بعد أن يكون الألم قد دخل في مناطق النص الشعري وأنجز قصيدة جميلة أو لوحة جميلة أو قطعة موسيقية جميلة”.

تلك إضاءة خاطفة لقصر متعدد الغرف والأبهاء والطوابق اسمه محمود درويش.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…