مأمون

مأمون الجاك :
للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك إصغط هنا

  لا شك أنه ” كولومبس ”  الشعر الحديث فعندما طرق محمد الماغوط أبوابا جديدة في الشعر العربي ، لم يكن يحمل بيده سوى شهادة ابتدائية ولفافة تبغ ، كان يكتب كأي شخص في العالم ذاق مرارة السجن وحين خرج كان قد حمله معه في صدره : ” كل كتاباتي : مسرح ، شعر ، سينما ، صحافة … كانت لترميم الشئ الذي انكسر بداخلي وأنا في السجن “

 عاش حياته مسجوناً أو ملاحقاً من أجهزة الأمن ، أسلحته الوحيدة لمواجهة هذا العالم : الشعر ، التسكع على الأرصفة والسخرية اللاذعة : ” التقى بي لغوي في أحد المقاهي وقال لي : أنت في قصيدة من القصائد وضعت اسما بعد طالما ، طالما لا تدخل على الاسم .. قلت له : لا ، بدها تدخل … ناس عم يدخلوا السجون ، على المعتقلات ، على المصحات العقلية ، جواسيس طالعة فايتة ، ما ضاقت عينك الا من طالما تبعي “

 بدأ تمرده ورفضه للاهانة يتشكل منذ كان صغيرا ، عندما قدم أمير الى قريته النائية – السلمية في سوريا – وحاول أن يمنح أحد أطفال القرية قطعا نقدية فما كان من الماغوط الا أن رماه بحجر ، ويتضح ذلك أكثر في قصة تركه للمدرسة : ” كانت عائلتي فقيرة جدا ، حتى أن والدي أرسل رسالة إلى إدارة المدرسة يطلب منها أن ترأف بي ، علقت الادارة الرسالة على لوحة الإعلانات وصار الجميع يقرأها ويضحكون منذ ذلك اليوم لم أعد للمدرسة مرة أخرى “

 لم تكن اللغة تمثل هاجسا أو غاية بالنسبة له ، ولكن وسيلة للتعبير عن غضبه وللكشف عن زيف الواقع  ، ضياعه وسخطه ويأسه من الحياة ، استخدم لذلك مفردات غير مألوفة وتعبيرات حادة وفجة قد تبدو لأول وهلة غير مستساغة ، مما أدى إلى مهاجمة أسلوبه وقصيدة النثر عموما في بداياتها ولكن ما لبثت تلك العاصفة أن هدأت وأعطي الماغوط مكانته الحقيقية كرائد لقصيدة النثر العربية وواضع لقواعدها وقوانينها الأساسية – إن كان لها قواعد وقوانين – بل أن مفرداته وتعابيره تلك قد صارت قبلة يشدً إليها الشعراء الرِحال من بعده ليدوروا في فلكها ويكرروها .

 فهو اذن لا يستمد قيمته الإبداعية من قصائده ونصوصه المسرحية فقط ، ولكن لكونه صاحب تجربة شعرية مبتكرة ومكتملة ، وهو ” الثائر الذي حرر الشعر من عبودية الشكل ” كما قالت رفيقة حزنه سنية صالح ، لم يعن بقافية أو وزن كثيرا : ” بدلا من البحث عن قافية تلائم القصيدة ، كنت أبحث عن : حذاء ألبسه ، رغيف آكله ، محل أنام فيه “

الغريب الذي لا يبحث سوى عن ” وطن وحانة ” ، الفوضوي المتعب لقرائه ، فأنت لا يمكنك أن تلتهم قصيدته بسرعة ، لأنها ستعضك ستدميك ، ولكن بتركيز شديد حرفا حرفا ، فهي عبارة عن صور متتابعة ونداءات عجلى وأنت تحاول أن تمسك بخيوط هذه الصور  وتتخيلها ثم تربطها بما قبلها وما بعدها لتصير القصيدة كتلة من بلور . العبثي المولع بالتفاصيل الصغيرة والتافهة – لا غرابة في أن يمتلك من أدمن  التسكع والتحديق في الظلام مثل هذه الذاكرة الصورية العجيبة – ربما صارت طريقته في تعديد الأشياء عيبا فيما بعد حيث أصبحت قصائده تبدو هلامية ولا نهائية ، قابلة للتغيير والتبديل .

 صاحب الصوت الأجش الذي جعل من الصدق قاعدته الشعرية الأولى : ” لكي تكون شاعرا عظيما يجب أن تكون صادقا ”  ، يصنع من كلماته كونا ثم ينقلك إليه قبل أن يرتد إليك حرفه ، عندما تقرأه تتشكل القصيدة حربا ، امرأة عارية ، وطنا … أنها الكلمات الصادقة التي تخلق كل تلك العوالم ، تعتريك الصدمة كمن ابتل بماء المطر ثم أصابته صاعقة كهربائية ، يستيقظ الحزن الكامن في أعماقك ف ” الحزن مثل الله موجود في كل مكان ” .

 في عينيه الزرقاوين الضاجتين بالدموع والبكاء المر ، كان يتبدى الحنين : لصورة الوطن القديمة ، الحالة الأمومية الأولى ، ذكريات الطفولة والبحث عن الأمان وعن صدر ينشج فيه بكاءا،  ظنه الوطن :

كامرأتين دافئتين

كليلة طويلة على صدر أنثى أنت يا وطني

كان يخاف من كل شئ في هذه الحياة ، وهو الذي استيقظ فوجد نفسه في سجن كبير ، يخاف حتى من الزهرة والعصفور ويحبهما ، لكنه لم يخش شيئا خشيته من إشادة تصله من سياسي أو مسؤول بقصيدة أو مسرحية له ، عندها يعرف أنها كانت سيئة فالشعر لا يجب أن يرضي السلطة ولكن يفضحها ويعريها ، كما كان يخشى ادعاء النقاد أن وراء قصيدة له رمز أو هدف :

وكلما كشف النقاد والمتابعون

أي حكمة أو مزية فيما أكتب

أشعر بالخوف والعار 

المؤمن بأن كل شئ زائل الا الحب فباق ، كان رغم كل تلك الاحباطات والكآبة محبا ، يحب القرية وفيروز ، كل حروب الدنيا قد لا تحرك فيه شيئا ، وحده صوت فيروز من يبكيه .

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مساع عبثية: المحاكاة

      نعرف؛ منذ بورخيس ورولان بارت، أن كل عمل فني متشظ زمنياً، وأنه لا وجود لذلك العمل الك…