إبراهيم

 إبراهيم جعفر :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

وقف (أ) متيبساً لمدة نصف ساعة ، تماماً كنصب منحوتة “ماماييف” ، لكنه بدلاً عن السيف ، رفع كاميرا “نيكون” متوسطة الدقة ، وجعل بؤرة عدستها بزاوية مائلة في اتجاهه … كان يحاول عابثاً أن يلتقط لنفسه صورة مؤثرة ، ” selfi# ” ، تشرح مدى اليأس واللامبالاة اللذين يعتريانه .. وألصق لأجل ذلك على محياه تعابير اعتذار ميت ، طاوياً حاجبه الأيسر بشكل مقتضب ، مع ابتسامة ضائعة ، ونظرة عفوية إلى الفراغ .. وظل ينتظر فقط قدوم اللحظة المواتية -تلك التي يتجسد فيها العمق الداخلي- ليضغط على الفلاشة ، ويصل إلى النشوة .. 

لكن المشكلة التي جابهت (أ) ، وخلقت له عائقاً ، كانت الاهتزازات اللا إرادية من يده اليمنى ، والفتور الناشئ من تصلب العضلات .. حيث بدت الكاميرا ثقيلة وغير قابلة للثبات ، ولو لا ربطه إياها بشريط الأمان ، وحامل اليد ، لسقطت متهشمة على الأرضية… كان الإحساس بالخيبة يتنامى ببطء في بواطن العقل ، ومعه تحول ذهنه من حالة السكون اللحظي وإبداء الحزن إلى العجز التام … وحينما استسلم في الأخير ، وداس على المغلاق ، لم يتمكن سوى من الإمساك على لقطة فاترة ، ليست من الكآبة في شيء ، بل تعكس بحيادية ، عبر توزيع الضوء والظلال المختلين ، مقدار الاضطراب والفزع …

 

في المحاولة الثانية ، جاهد (أ) لأن يتلافى الأخطاء ، ودرس بشكل حسن مصادر الإضاءة وتواؤمها مع الخلفية ، وقام بضبط الدقة والسرعة المطلوبتين لتنفيذ لحظة حزينة ، وجمع قدر الإمكان الملامح الحادة للحدث ، فلم يشأ أن يترك شيئاً للمصادفة ، وفي سبيل ذلك غير من وضعية وقوفه عدة مرات ليقهر الإرهاق وآلام أسفل الظهر ، وعن طريق التنطيط تخلص من الخدر والخمول .. وكان في أهبة الاستعداد لتخليد ذكرى بؤس لا مثيل لها ، وبالفعل حصل عليها في زمن وجيز .. لكن للأسف مع تفاصيل معيبة ، وأنف أفطس ، وعيون غائرة في الشحم ، وجبهة عريضة حدّها شعر مكوم .. وما إن قارن بينه وبين الصورة ، خلص إلى أنها لا تحمل شيئاً مميزاً ، وتصلح حتى ﻷن تكون ﻷي شخص آخر عداه ، فليس ثمة شبه بائن يمكن الاعتماد عليه والجزم بأن الإنسان داخل الإطار هو (أ) ، تماماً مثلما يحدث في تناسخ الأرواح ، فهل حقاً (أ) هو (ألف) ؟!.. وهذا أصابه بصدمة وجودية مباشرة ، تطلبت منه وقتاً كي يعيد التفكير في جدليات “كيركيجار” و “بول سارتر” ، وهذا بدوره قاده إلى نفق مظلم من الأسئلة التعسفية ، عن الخلود وفناء الفرد .. وعن الحرية المطلقة للأفعال …

 

من هنا يمكن الفصل بأن إدمان (أ) للتصوير الذاتي ، لا ينبع مطلقاً من صفات نرجسية أو “أنا” متعالية كما سيظن البعض ، بل هو تفتيش فلسفي لفهم المطلق ، بمعنى أنه الدليل المادي على كونه صاحب الحرية والإرادة دون الحوجة لإملاءات موجِّه .. وبغض النظر عمّا سيترتب عليه ذلك ، من إلحاد أو يقين ، فإن (أ) سعى وراء ما هو أسمى ؛ إثبات أنه كينونة …

 

– قال : (أنا لقطة ، إذن أنا موجود) .. وشرع في عمل عدة صور بسيطة ، من النوع الذي تكون فيه المعالم الأساسية بارزة ، ويصعب نسيانها ، كوجه يكتم نوبة ضحك عابر ، أو مظاهر تشنج نتيجة دخول مرحاض سيدات عن طريق الخطأ ، أو حتى تجسيد طلعة ما قبل الاحتضار … لكن (أ) أراد في نفسه وضعاً أكثر تراكمية للمشاعر البشرية ، وبالتالي فقد أتلف كل اللقطات السابقة على أساس أنها لم تحوِ التطور المطلوب ، وكلّفه ذلك عناء الارتقاء والنزول عدة درجات في سلم الانتخاب الحر .. ولمّا كان الحزن هو المتسلط دوماً ، فقد اِرتأى بأن جعله موضِع البقاء لأمر محفز ..

 

عندها عاود (أ) أسر حالة حزن متداخل التراكيب والطبقات ، داخل حيز زمان محكوم الدقة : “كسر من اللحظة” ، ومكان معلوم الأبعاد : “نقط ضوئية” .. واستعان بمرآتين مستويتين ومتقابلتين ، بحيث يكون انعكاس صورته فيما بينهما لا نهائي .. وحين اختزل ذلك بالكاميرا ، في سكون الضوء التام ، تمكن من النَيْل على لقطة يصعب شرحها ، فقد ظهر فيها وهو يحمل الكاميرا أمام المرآة التي تعكس صورته المنعكسة من المرآة الأخرى ، والتي هي أيضاً تعكس الانعكاس المنعكس من انعكاسه ، وبدا له هذا التشابك بين الصورة الأولى وبقية الصور المتوالية داخل المرايا ، أمر يدعو للخلود المستمر ، وانطلق يتمعن وجوده فيها ليس على أنه تكرار غير محدود بسبب خدعة المرآتين القديمة ، وإنما هو الوجود الفعلي خلال منظور الزمان .. فإذا حسِبنا مثلاً أن الكاميرا التقطت طيف انعكاسه الأول وكان هنالك نهاية حركة : طرقة جفن ، فإنها في الطيف الألف بعد المليون ، تكون بداية لها .. وإذا افترضنا مجازاً إمكانية وجود مستشعر مفتوح المجال ، ونوعية عدسة من أجود ما يكون ، وتمكنا من حصر الانعكاس الأخير الذي نشأ منه ضوء الحركة -وهو بالطبع متناهي الصغر والزمن- ثم وضعناه جنباً لجنب مع انعكاسات (أ) التي تبعته ، فإننا سنجد ذاكرة تسجيل تدب فيها الحياة …

 

…..

هل الوجود يعني أن يشيخ (أ) بينما لا تزال انعكاساته الشابة تضرب المرآة .. ؟!

 

 

 

 

وقف (أ) متيبساً لمدة نصف ساعة ، تماماً كنصب منحوتة “ماماييف” ، لكنه بدلاً عن السيف ، رفع كاميرا “نيكون” متوسطة الدقة ، وجعل بؤرة عدستها بزاوية مائلة في اتجاهه … كان يحاول عابثاً أن يلتقط لنفسه صورة مؤثرة ، ” selfi# ” ، تشرح مدى اليأس واللامبالاة اللذين يعتريانه .. وألصق لأجل ذلك على محياه تعابير اعتذار ميت ، طاوياً حاجبه الأيسر بشكل مقتضب ، مع ابتسامة ضائعة ، ونظرة عفوية إلى الفراغ .. وظل ينتظر فقط قدوم اللحظة المواتية -تلك التي يتجسد فيها العمق الداخلي- ليضغط على الفلاشة ، ويصل إلى النشوة ..

 

لكن المشكلة التي جابهت (أ) ، وخلقت له عائقاً ، كانت الاهتزازات اللا إرادية من يده اليمنى ، والفتور الناشئ من تصلب العضلات .. حيث بدت الكاميرا ثقيلة وغير قابلة للثبات ، ولو لا ربطه إياها بشريط الأمان ، وحامل اليد ، لسقطت متهشمة على الأرضية… كان الإحساس بالخيبة يتنامى ببطء في بواطن العقل ، ومعه تحول ذهنه من حالة السكون اللحظي وإبداء الحزن إلى العجز التام … وحينما استسلم في الأخير ، وداس على المغلاق ، لم يتمكن سوى من الإمساك على لقطة فاترة ، ليست من الكآبة في شيء ، بل تعكس بحيادية ، عبر توزيع الضوء والظلال المختلين ، مقدار الاضطراب والفزع …

 

في المحاولة الثانية ، جاهد (أ) لأن يتلافى الأخطاء ، ودرس بشكل حسن مصادر الإضاءة وتواؤمها مع الخلفية ، وقام بضبط الدقة والسرعة المطلوبتين لتنفيذ لحظة حزينة ، وجمع قدر الإمكان الملامح الحادة للحدث ، فلم يشأ أن يترك شيئاً للمصادفة ، وفي سبيل ذلك غير من وضعية وقوفه عدة مرات ليقهر الإرهاق وآلام أسفل الظهر ، وعن طريق التنطيط تخلص من الخدر والخمول .. وكان في أهبة الاستعداد لتخليد ذكرى بؤس لا مثيل لها ، وبالفعل حصل عليها في زمن وجيز .. لكن للأسف مع تفاصيل معيبة ، وأنف أفطس ، وعيون غائرة في الشحم ، وجبهة عريضة حدّها شعر مكوم .. وما إن قارن بينه وبين الصورة ، خلص إلى أنها لا تحمل شيئاً مميزاً ، وتصلح حتى ﻷن تكون ﻷي شخص آخر عداه ، فليس ثمة شبه بائن يمكن الاعتماد عليه والجزم بأن الإنسان داخل الإطار هو (أ) ، تماماً مثلما يحدث في تناسخ الأرواح ، فهل حقاً (أ) هو (ألف) ؟!.. وهذا أصابه بصدمة وجودية مباشرة ، تطلبت منه وقتاً كي يعيد التفكير في جدليات “كيركيجار” و “بول سارتر” ، وهذا بدوره قاده إلى نفق مظلم من الأسئلة التعسفية ، عن الخلود وفناء الفرد .. وعن الحرية المطلقة للأفعال …

 

من هنا يمكن الفصل بأن إدمان (أ) للتصوير الذاتي ، لا ينبع مطلقاً من صفات نرجسية أو “أنا” متعالية كما سيظن البعض ، بل هو تفتيش فلسفي لفهم المطلق ، بمعنى أنه الدليل المادي على كونه صاحب الحرية والإرادة دون الحوجة لإملاءات موجِّه .. وبغض النظر عمّا سيترتب عليه ذلك ، من إلحاد أو يقين ، فإن (أ) سعى وراء ما هو أسمى ؛ إثبات أنه كينونة …

 

– قال : (أنا لقطة ، إذن أنا موجود) .. وشرع في عمل عدة صور بسيطة ، من النوع الذي تكون فيه المعالم الأساسية بارزة ، ويصعب نسيانها ، كوجه يكتم نوبة ضحك عابر ، أو مظاهر تشنج نتيجة دخول مرحاض سيدات عن طريق الخطأ ، أو حتى تجسيد طلعة ما قبل الاحتضار … لكن (أ) أراد في نفسه وضعاً أكثر تراكمية للمشاعر البشرية ، وبالتالي فقد أتلف كل اللقطات السابقة على أساس أنها لم تحوِ التطور المطلوب ، وكلّفه ذلك عناء الارتقاء والنزول عدة درجات في سلم الانتخاب الحر .. ولمّا كان الحزن هو المتسلط دوماً ، فقد اِرتأى بأن جعله موضِع البقاء لأمر محفز ..

 

عندها عاود (أ) أسر حالة حزن متداخل التراكيب والطبقات ، داخل حيز زمان محكوم الدقة : “كسر من اللحظة” ، ومكان معلوم الأبعاد : “نقط ضوئية” .. واستعان بمرآتين مستويتين ومتقابلتين ، بحيث يكون انعكاس صورته فيما بينهما لا نهائي .. وحين اختزل ذلك بالكاميرا ، في سكون الضوء التام ، تمكن من النَيْل على لقطة يصعب شرحها ، فقد ظهر فيها وهو يحمل الكاميرا أمام المرآة التي تعكس صورته المنعكسة من المرآة الأخرى ، والتي هي أيضاً تعكس الانعكاس المنعكس من انعكاسه ، وبدا له هذا التشابك بين الصورة الأولى وبقية الصور المتوالية داخل المرايا ، أمر يدعو للخلود المستمر ، وانطلق يتمعن وجوده فيها ليس على أنه تكرار غير محدود بسبب خدعة المرآتين القديمة ، وإنما هو الوجود الفعلي خلال منظور الزمان .. فإذا حسِبنا مثلاً أن الكاميرا التقطت طيف انعكاسه الأول وكان هنالك نهاية حركة : طرقة جفن ، فإنها في الطيف الألف بعد المليون ، تكون بداية لها .. وإذا افترضنا مجازاً إمكانية وجود مستشعر مفتوح المجال ، ونوعية عدسة من أجود ما يكون ، وتمكنا من حصر الانعكاس الأخير الذي نشأ منه ضوء الحركة -وهو بالطبع متناهي الصغر والزمن- ثم وضعناه جنباً لجنب مع انعكاسات (أ) التي تبعته ، فإننا سنجد ذاكرة تسجيل تدب فيها الحياة …

 

…..

هل الوجود يعني أن يشيخ (أ) بينما لا تزال انعكاساته الشابة تضرب المرآة .. ؟!

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

شِلِن

1        زنَّ ذكر النحل شِلِن بأنين خافت داخل المعتقل، متألماً من جناحه المكسور، وعندما جا…