إبراهيم

إبراهيم مرسال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

هناك إعتراف لابد منه قبل الدخول في هذا المقال .. أصبحت لا أشاهد أفلاماً سينمائية بكثرة مؤخراً , في الواقع لا أذكر أخر مرة إستمتعت فيها بفيلم سينمائي .. في الأونة الأخيرة أصبحت المسلسلات التلفزيونية مصدر الترفيه والإشباع الفني الأول في حياتي .. ولا عجب , فالتلفزيون يعيش عصره الذهبي الثاني هذه الأيام .. ولنفهم معنى العصر الذهبي الثاني , وجب أن نتحدث عن العصر الذهبي الأول ..

والعصر الذهبي الأول للتلفزيون حدث في الولايات المتحدة وأستمر من أربعينات القرن الماضي حتى بداية الستينات .. في تلك الفترة كانت المسلسلات التلفزيونية سيدة الموقف .. كانت إختراعاً شبه طازج يتحلق حوله جميع أفراد العائلة .. إختراعاً إستفاد بشدة من تقنيات التسجيل و التقطيع الجديدة نسبياً وقتها في إنتاج مواد ترفيهية عالية الجودة .. فبداية البث التلفزيوني عابها أنها كانت مباشرة .. ومكلفه تحتاج الى عدة كاميرات و مسارح تصوير جاهزة , وكان الممثلون والممثلات يقومون بعملهم عالمين أنهم في مسرح حي واسع .. ملايين المشاهدين يتابعونهم في بث مباشر .. ليس هناك اي مجال للخطأ !!

جاءت تقنية التسجيل التي سمحت بتسجيل الحلقات و تقطيعها. ومعها جاءت حرية الابداع بلا حدود تذكر.. إستمر العصر الذهبي حتى بداية الستينات كما أسلفنا , و من نتائجه أن خافت إستديوهات الأفلام من هجر الناس لقاعات السينما . فتم إستحداث تقنيات جديدة ساهمت في إعاده الناس لقاعات العرض السينمائي ومعادلة سطوة التلفاز و بالتالي القضاء على العصر الذهبي الأول .. .. تذكر في المره القادمة التي تشاهد فيها فيلماً أن التلوين .. شاشات العرض الضخمة  و تقنية التجسيم ثلاثي الأبعاد, هي إختراعات جاءت بسبب أن التلفزيون كاد أن يقضي على السينما .

بداية من الألفية الثانية , بدأ ما سماه النقاد بالعصر الذهبي الثاني .. خلقت مسلسلات مثل The Sopranos و The Wire بيئة إبداع جديدة .. والفضل يعود في هذا لشبكه العرض الأشهر في أمريكا والعالم .. HBO ..

إستحدثت الشبكة نظام تمويل فريد ساهم في خلق واقع جديد .. يتم إنتاج مسلسل عالي الجودة , وعرضه حصرياً على الشبكة للمشتركين الذين يدفعون مالاً مقابل الإشتراك طبعاً .. هؤلاء المشتركون يقومون بخلق نوع من التسويق القوي لغير المشتركين .. مع تزايد الطلب يتم إنزال جميع الحلقات في شكل أقراص DVD , ويقوم جمهور واسع من غير المشتركين بمشاهدة هذه الأقراص , خالقين موجة تسويق جديدة مع أرباح جيدة .. هذه الموجة تجبر قنوات التلفاز على شراء حقوق البث من الشبكة , خالقه فيض تمويل جديد و جمهور أوسع .. وطبعاً كل هذه المراحل الثلاث تجلب أموالاً طائلة تساهم في خلق مسلسل قوي جديد وإعاده العجلة مرة آخرى ..

مع توفر الأموال .. توفرت الحرية لخلق عوالم و شخصيات جاذبة للغاية .. والتي بدورها خلقت قاعدة جماهيرية صلبة .. مسلسلات مثل Breaking Bad خلقت موجة متابعة غير مسبوقة للمسلسلات التلفزيونية , و اصبح كونك لا تتابع هذه المسلسلات دليلاً على عدم مواكبتك للعالم .. حتى الرؤساء أصبحوا ينشرون صراحة أنهم من المتابعين .. وليس هناك مثال أفضل لذلك من الرئيس أوباما و تغريدته الشهيرة غداة بث أولى حلقات الموسم الثاني من مسلسل House of Cards التي طلب فيها من متابعيه عدم كشف أحداث المسلسل على مواقع التواصل الاجتماعي .

من أثار هذا العصر الذهبي الجديد.. أن أسماء سينمائية كبيرة تنازلت عن كبريائها ونظرتها الإستعلائية للتلفزيون .. وأصبحت تشارك بقوة في صناعة مسلسلات تلفزيونية .. مثلاً من المعروف أن أحد أسباب فوز (ماثيو مكونهي) بأوسكار أفضل ممثل لعام 2013 هي ما اسماه النقاد “صحوة مكونهاي” , وكان من أبرز أحداثها بطولته الرائعة للمسلسل True Detective مع الممثل الهوليوودي الاخر (وودي هارلسون) والتي حازت على إعجاب و تقدير جماهيري و نقدي غير مسبوقين .

إلا إن أقوى أسباب هذا العصر الذهبي للتلفزيون وكذلك هذا التهديد المباشر لسطوة السينما .. هي موقع (نتفلكس) .. هذا الموقع الالكتروني الذي يقوم ببث عدد هائل من الأفلام والمسلسلات .. والذي كان ينظر إليه على أنه خدمة إرشيفية لا تشكل تهديداً .. دخل بقوة في ساحة المنافسة عندما أنتج أول مسلسل يتم بثه على الانترنت .. مسلسل House of Cards يعتبر الآن أحد أنجح المسلسلات , وغير شكل البث التلفزيوني و قواعد اللعبه بالكامل ..

فالمسلسل (وبقية المسلسلات الأصلية التي تبعته من شركة نتفلكس) يتم فيها بث جميع حلقات الموسم دفعة واحدة .. ورغم أن هذه الخطوة ظاهرياً تبدو مجازفة , كونك تفقد التسويق الإسبوعي المعتاد .. إلا إنه خلق واقعاً جديداً يتمثل في ثقافة المشاهدة المتواصلة Binge watching .. هذه الظاهرة التي كانت من أهم مميزاتها خلق موجه تسويق قوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي .. ساهمت في خلق إيرادات مادية عالية , جعلت من نتفلكس الآن لاعباً اساسياً في الساحة .

والمستقبل يبدو مليئاً بالتغيير والمفاجآت .. منتج مسلسل House of Cards (ويو ويلامون) مثلاً قال  : “هناك فكرة تراودني في إنتاج مسلسل بلا حلقات .. فقط ثمانية ساعات متواصلة من الأحداث يتم بثها دفعة واحدة .. ويمكنك إيقاف المسلسل متى تشاء أو عدم إيقافه اذا اردت ! ” .. هذه الفكرة إذا نجحت جديرة بتغيير شكل تعاملنا مع التلفاز بالكامل ..

الجميل في كل هذا أننا كمشاهدين , موعودون بمستقبل مليء بالمتعة  .. فالمنافسة حامية بين عدد كبير من الشبكات و مواقع الإنترنت التي جميعها تقدم مضموناً ذو جودة عالية .. ولا يبدو أن هناك ما سيوقف هذه المنافسه قريباً ..

كل ما أتمناه , هو أن يقوم أرباب السينما بخطوة مضادة تعيدنا إلى قاعات العرض السينمائيه .. وحتى ذلك الحين .. فالحمدلله على نعمة  (نتفليكس)!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

المرآة السوداء .. عندما يجُاري الواقع الخيال

كان من المتوقع ان يسيطر مسلسل black mirror (المرآة السوداء) على أسافير نقاشات الأعمال التل…