نظام 2

نظام الدين :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك إضغط هنا :

الشوارع هناك تتذكره ، تقلب صفحات حوائطها بحثاً عنه في لوحة ما وتبسم ريشة .. تتنسم عطره الذي أحبت ، كآثار الجميع التي أحبت آثاره أينما حل وأرتحل فتابعته بقلوب صادقة معلنة عن مابينها وبينه على ملأ التاريخ والمستقبل ..

أصيلة ، فتاة المغرب الجميلة ، فخره وإكليل تاجه ، تستقبل ضيوفه بكرم مغاربي نبيل لتعرض على عينيها ماجاب في خاطر هذه البلاد العظيمة على مدى سنون طوال من الحراك نحو المجد لعلياء أصابتها نواياها نحوه ، فإن بلغت عندها لم تبلغ بعد ، ولا يزال المسير نحوه تحمل رايته الأجيال خلف الأجيال ..

وفي أصيلة ، تلك الساحرة الفاتنة ، الأجيال تنقل للأجيال قصة تلك اللوحات وتبسم الريش ، وسر ذلك العطر وعظمة الآثار ، تحكي لها قصة أحدهم .. قطع الصحراء الكبرى غربا ، تحمله ريح الحلم نحوهم .. فتلاقح كنهه مع نسيم البحر فيها فأنجبا مايراه الجميع ..

يحكي الجميع للجميع في كل يوم عنه ، الأسمر الوسيم الهادئ ، الذي لم يطأ أرض اصيلة من هو أحق بالحكي منه إلاه .. هو ذاته الذي حمل أصيلة على كف حلمه جاعلاً منها ماتضعه الآن من فخار على تاج المغرب العربي كله ..

أصيلة حيث تلتقي عظمة اليابسة بجلال البحر في أجمل مايكونا ..  أصيلة ، حيث العالم يبدو أنظف و ألطف وأرقى مما عليه في بقعة الأرض  …. أصيلة بوسامتها وكرمها وجرأتها واتقاد فكرها .. ترسم معالم الفتى العربي التي إفتخر بها تاريخا ما ..

ترقد ذكرى ذلك الرجل على أرصفة المدينة رقاد التاريخ على أسطر المؤرخين .. فالرجل هو من صنع ذلك الرصيف بهيئته وإن لم يكن قد رفع حجراً أو وضع مزهراً .. ذكراه تطل من ألوان الحوائط كإطلالة أصيلة على عالم يسبقها بمئات السنين تقدماً وتسبقه بآلاف السنين جمالاً وحضارة ، فالرجل هو من رسم تلك اللوحات وإن لم يكن قد حمل فرشاة أو رسم خط ..

ذلك الأسمر الذي تحكي أصيلة عنه دوماً ،، ولاتحكي عنه إلا وتسيل دموعها حباً وإمتناناً .. أتاها في يوم ما ، حضور الأنبياء والمرسلين ، برسالة تخصه وحدة وتخصها .. هو لم يكن يعرفها بالقدر الذي تعرفه به .. لكنه وجد فيها مايبلغه مقصده في الحياة على سبيل كتابة أخرى بأحرف عطاء مختلفة هذه المرة ..

في أصيلة تشكل الحوائط أجزاءاً صغيرة جداً من لوحات عملاقة ، تتراص قرب بعضها ، وتدخل الأبواب والمناور في اللوحة دخولاً مقصود .. هناك الرصيف كرصيف الجنة تماماً .. النظام والترتيب الملائكيين يقولا ذلك ، فكل شئ في مكانه تماماً ..

يتحرك القارب نحو أصيلة .. في رحلة يومية لقاصدي الفن و الجمال والإرث الثقافي .. وهنا يجوبون المدينة الصغيرة أو قل القطعة التذكارية الموضوعة على متحف المغرب المطل على النيل ..

فندق أصيلة .. بأناقته .. حيث يمكث من سحرته اللوحة وقرر البقاء قليلاً .. تتبل الأيادي على مفاتيح الغرف فيه .. يوم وآخر ، ويرحل الساكن لتفتح لساكن جديد ..

ولكن في (رف) المفاتيح ، هناك مفتاح وجهاز تحكم في التلفاز لا يتحركا أبدا .. لم يمسهما أحد إلا الصبي الذي ينظف المكان .. ولن يمسهما .. هذا مايقوله صاحب الفندق .. وجميع من يعمل وجميع من يسكن أصيلة .. ليس هذا فقط بل ذلك الركن المكون من أربع طاولات صغيرة وأريكة فخيمة ، أيضا لا أحد يجلس عليهم ..

 وفي دفتر حجوزات الفندق الموجود على الاستقبال كتبت تلك العبارة :

الغرفة والركن محجوزا للسيد : الطيب صالح .. للأبد .

الحديقة الجميلة أمام الفندق الأنيق ، تبدو وكأنها عشيقة إرتمت تحت رجلي عشيقها ساعة رقص ، بخضرتها وجمال أشجارها وترتيب زهورها فائق الجمال .. وفي ركن معين ، معين تماماً تم إختياره بدقة ، جلس مجموعة من الناس ، سكان وسائحون ، يتبادلون الحديث في شتى ضروب المعرفة .. الثقافة والأدب والفن والتاريخ .. حضارة تحكى .. تحكى في ذلك الركن الذي لا يغيب عنه ذلك الرجل أبداً .. في جميع الحكايا .. تجده حاضراً حتى وإن غاب ..

فذلك الركن مكتوب فيه على ألسنة الجميع .. (ركن الطيب صالح) ..

طفولة الطريق المؤدي الى مركز أصيلة الثقافي تظهر في تحركاته البريئة ، يمنة ويسرة ، كبقية أزقة المدينة .. هذا الزقاق هو الآخر يتحدث عن الرجل .. يتحدث عنه ويعرف تماماً أن هناك شخوص مروا عليه دون خلقهم حتى .. شخوص مروا بأنفسهم .. ومروا مع مرور كل خاطر لأحدهم في أصيلة ممن عاشوا في تلك الروايات الخالدة التي حكاها بقلمه ذلك الرجل لهذا الشارع ولكل الخواطر ..

فكان أن تعلقت تميمة الإعجاب به على جيد ذلك الزقاق الجميل فسمي به .. (زقاق الطيب صالح) ..

وفي مركز أصيلة الثقافي حيث تأكل المدينة وتشرب .. وتنام وتصحى .. حيث تصلي عليه صباحاً ومساءاً وتشد إليه رحال الحب أينما كان أحدهم في العالم .. هناك فقط ، ومن هناك بدأ ذلك الرجل حديثه مع أصيلة .. حديث الرسالة التي تؤمن بها الآن وتتعبد بها في كل شبر من بقاع المدينة ..

في المركز تقام الإحتفائيات ، والإحتفالات ، بمناسبات ودون مناسبات ، فالحضور لأصيلة هو في حد ذاته مناسبة فمابالك في السكن بها كأعظم مناسبة  توجب الإحتفال .. تقام الليالي الثقافية .. ويأتي الحضور .. ويذهب حضور .. وتملأ المقاعد .. ويأتي آخرون يجلسون .. ويتغير كل شي .. إلا حضور ذلك الأسمر .. في كل فعالياتها .. في ذات المكان من الصف الأول في ذات الكرسي .. حضور دائم .. لاينقطع .. هكذا قالها مثقفي  أصيلة .. عندما كتبوا على ذلك المقعد : (محجوز للأستاذ الطيب صالح)

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

لا يموت الشاعر

الشاعر: عمار شرف الدين يفضل غفوة كتابةٍ أبدية يعالج فيها نصاً أرّق حياته  تصلح غفوته الطوي…