بقلم / VICENTE MILLAN TORRES

 ترجمة / هبة الله الجَمَّاع 

  من أعالي قلعة جبلية سرية، نشرت طائفة ” الإسماعيلية النزارية” الرعب بين القوى المتناحرة على الأراضي المقدسة في العصور الوسطى ،إلى أن استطاعت تلك الطائفة الغريبة، والتي أطلق عليها أعداؤها إسم” الحشاشون” ، الإستيلاء على مقاليد القوة والسلطة لما يصل إلى 300 عام ، ثم استمر تأثيرهم وامتد عبر قرون طوال… فمن هم الحشاشون؟ وما هو أصل تلك الطائفة الغامضة ” الإسماعيلية النزارية”  ؟!

في أبريل من عام 1192 كان الفارس الصليبي الإيطالي ” كونراد من مونتفيراتو” يستعد في مدينة “صور” لتتويجه ملكاً على “أورشاليم” ، وأثناء سيره في إحدى الشوارع الضيقة بالمدينة فوجئ برجلين في زي الرهبان يقطعان عليه الطريق وينهالا عليه طعناً حتى الموت… 

وبرغم تعدد التكهنات والإستنتاجات التي طرحها المؤرخون بصدد من أصدر الأمر بإغتيال الرجل ، فإن هوية منفذي عملية القتل يكاد يكون أمرها محسوماً، فالرجلين لم يكونا راهبين على الإطلاق، إنما هما عضوين من طائفة مسلمة سرية ترتكز معاقلها في أعالي جبال بلاد فارس وسوريا، ويقع مقرها الأساسي تحديداً في تلك القلعة الفارسية الحصينة، العصية على الإختراق ،و المعروفة بإسم ” آلموت” .

وعلى مر التاريخ إشتهر أعضاء تلك الطائفة بأعمال الإغتيال والتجسس ،حيث كانوا ينسلون بين صفوف أعدائهم إلى أن يبلغوا موضع الشخص المستهدف، ليجدهم أمامه بغتة وقد أشهر الواحد منهم سكينه -إذ كانوا غالباً مايستخدمون السكاكين سلاحاً للقتل – وإندفع نحو هدفه غير آبه بسلامته الشخصية ولا بمصيره الذي ينتظره بعد أداء مهمته؛ ولهذا فقد عُرِف أعضاء تلك الطائفة – من بين ما عُرِفوا به – بأنهم كانوا دوما على إستعداد تام للموت في سبيل تنفيذ مهامهم.

وكما سبق وأسلفنا ،اشتهرت الطائفة “الإسماعيلية النزارية” بين أعدائها في سوريا بإسم ” الحشاشين” ،واليوم باتوا يعرفون بالمصطلح الذي أطلقه عليهم الصليبيون الأوروبيون Assassins، أي :القتلة.

الحشاشون في التدوينات الغربية:

وردت سيرة طائفة الحشاشين في السجلات الأوروبية لأول مرة على الأرجح في كتابات الحاخام ” بنيامين من توديلا” والذي ارتحل عبر سوريا عام 1167، حيث تحدث في كتاباته تلك عن زعيم غامض يقود طائفة من المحاربين يسكنون حصناً مخفياً بين الجبال… 

بحلول القرن الثاني عشر، كان محاربو الحشاشين المخيفين قد بلغوا أوج قوتهم وبأسهم، وقد جاء الكثير مما نعرفه عنهم إما من روايات المحاربين الصليبيين أو من كتابات أعدائهم  اللدودين، أي المؤرخين السوريين من أهل السُّنة، الذين جاءت كتاباتهم متحيزة تحمل الكثير من المبالغة، مما يستوجب تناولها بكثير من الحذر، مع الأخذ في الإعتبار أن تلك الكتابات ،في كثير من الأحيان، كانت تهدف إما للإمتاع أو للإساءة للإسماعيلية النزارية وتشويه سيرة أتباعها ولو على حساب الدقة التاريخية. 

وبالفعل عمرت تلك الكتابات بالكثير من الشطحات في وصف قوة الحشاشين وبأسهم، والمبالغات في سرد أساليب حياتهم. 

ومن بين الكتابات التي أتت على ذكر الحشاشين، ما دوَّنَه رئيس أساقفة “صور” في القرن الثاني عشر ” ويليام الثاني”، والذي قَدَّر أعدادهم في ذلك الزمن بحوالي 60.000 محارب، وقال في وصف ولائهم الشديد لزعيمهم : 

{… وكان من أعرافهم إختيار زعيمهم ليس على أساس الحق الوراثي وإنما على أساس الجدارة والإستحقاق ،وكانوا يطلقون عليه لقب :” الشيخ”. 

وكانت رابطة الولاء والطاعة التي تربط هؤلاء القوم بزعيمهم شديدة القوة مما جعلهم لايتوانون أبداً عن أداء أي مهمة يكلفهم بها مهما كانت شاقة أو خطرة، بل كان الواحد منهم يتعهد بأداء أي مهمة بأعظم قدر من الحماسة…} 

وقد جاء من بين ما جاء في  المرويات التاريخية الأوروبية من مزاعم عن هؤلاء المحاربون أنهم كانوا يأكلون لحم الخنزير ويتزوجون من أخواتهم…. والحق أن كثير من تلك الإدعاءات التي تُظهِر طائفة الحشاشين كجماعة تنتهج أسلوب حياة يغلب عليه الفسق والفجور، إنما نبعت أساساً من سجلات الرحلات الشهيرة للرحالة “ماركو بولو”، والتي جاء فيها أيضا تلك الحكاية الشهيرة بأن زعيم طائفة الحشاشين كان يعمد إلى إعطاء أتباعه جرعات من النباتات المخدرة قبيل تنفيذهم للمهام المميتة التي كان يكلفهم بها ،كي يسهل عليهم أدائها… ومن هنا يتضح لنا من أين إشتُق الإسم الشهير الذي أُطلِق على تلك الجماعة وعرفت به عبر الزمن : الحشاشون، حيث جاء ذلك الإسم أصلاً من الكلمة العربية “حشيش” وهو نوع من النباتات المخدرة؛ وقد ساعدت كتابات ماركو بولو على تثبيت تلك السمعة عليهم بوصفهم جماعة من السفاحين يتم السيطرة عليهم وتحريكهم بواسطة المخدرات، إلى أن جاء مؤرخو العصر الحديث ليزيحوا تلك المزاعم جانباً معتبرين إياها مجرد حكايات وهمية من تأليف ماركو بولو. 

وعلى الرغم من أن تلك الطائفة قد مرت بالفعل بمرحلة قصيرة من التحرر خلال ستينيات القرن الثاني عشر، إلا أنها عُرِفت في باقي مراحلها التاريخية بالقسوة والصرامة الشديدتين. 

وبالبحث في المصادر التاريخية الإسلامية الموثوقة، لم يتم العثور على أي ذِكر أو دلائل تشير لإستخدام تلك الطائفة للحشيش ،حتى في المصادر التي دَوَّنَها أعدائها. وفي محاولة لتفسير أصل تلك التسمية – الحشاشون – يقول المؤرخ المختص بالشرق الأوسط وتاريخ الحشاشين “برنارد لويس”، أن كلمة “حشيشي” ربما كانت عبارة عن سُبة سورية شعبية كان يستخدمها أعداء تلك الطائفة لإهانتهم والإساءة إليهم.

ولم يكن ماسبق ذكره من مبالغات هو المغالطات الوحيدة التي تضمنتها المصادر التاريخية عن طائفة الحشاشين ،بل هناك مغالطة أخرى أوردتها الكتابات الأوروبية في العصور الوسطى ،ألا وهي أن تلك الطائفة كانت تستهدف المسيحيين تحديداً بعمليات القتل. إلا أن الأمر على أرض الواقع كان مغاير لذلك على نحو ما، فقد  كان تركيز الحشاشين منصباً بشكل رئيس على العالم الإسلامي والأحداث والمتغيرات الداخلية  التي  أسهمت بالأساس في تَشَكُّل الطائفة التي راح أعضاؤها بدورهم يدلون بدلوهم في مجراها ومسارها. 

والحقيقة أنه كان هناك ثمة إتصالات بالفعل بين الحشاشين والصليبيين ،،فعلى سبيل المثال، في حوالي عام 1251 ،أرسل ملك فرنسا “لويس التاسع” وفد من مبعوثيه إلى الطائفة لأغراض دبلوماسية، إلا أنها – أي الطائفة – لم تكن تكترث بالمسيحيين أو توجه أنظارها نحو العالم المسيحي. 

ومع ذلك، ونظرا لما لعبه الحشاشون من دور داخل العالم الإسلامي، فقد كان أمر حتمي أن يشكلوا جزءًا لايتجزأ من الصراع العارم الدائر آنذاك بين العالم الإسلامي والإمبراطوريات الأخرى، و التنافس القائم بين العرب وغير العرب، وفوق ذلك كله – بالطبع – كانوا يشكلون ركناً أساسياً في التناحر المرير بين السنة والشيعة. 

الإنقسام:

في عام 632 ميلادية توفي النبي محمد فجأة قبل أن يسمي خليفة له على المسلمين، ومن تلك اللحظة نشأ الصراع على منصب الخلافة، وبدأت بذرة الإنقسام بين أتباعه المسلمين إلى فريقين : سُنّة و شيعة. 

واليوم يوجد حوالي 1.8 بليون مسلم في العالم، يشكل الشيعة منهم مايُقَدَّر بنحو 10-13٪ ، يعيش معظمهم حاليآ في بلاد إيران وباكستان والهند والعراق. 

نعود إلى وقت وفاة النبي محمد وما جرى من أحداث تاليات…. عقب وفاة محمد في القرن السابع الميلادي، ونشوء الصراع على من أحق بخلافته، ناصر جماعة من المسلمين ” علي بن أبي طالب” – إبن عم النبي وزوج إبنته – كوريث لحكم المسلمين، وهم من أطلق عليهم لاحقاً ومع تزايد الشقاق :”شيعة علي”، بينما إتخذ فريق آخر من المسلمين صف “أبي بكر” صديق النبي وحماه، ليخلف النبي على الدولة الإسلامية الوليدة، هؤلاء سموا لاحقا ” السُّنة”. 

وبالفعل، كان للأغلبية “السنية” ما أرادت وصار أبو بكر أول خليفة للمسلمين. أما علي بن أبي طالب فقد أصبح الخليفة الرابع عليهم عام 656، إلى أن قُتِل في عام 661 ميلادية ،ليتسع الشقاق بين الطرفين، ثم يتفاقم مع مقتل إبنه “الحسين بن علي” وأنصاره لاحقاً في موقعة “كربلاء” عام 680 على يد منافسيهم في واقعة تاريخية أسهمت بشكل رئيس في تأجيج الصراع بين طرفي المسلمين عبر الزمن. 

وبمرور الوقت، تزايد عدد الشيعة وانتشر التشيع بين غير العرب، خاصة في بلاد فارس، وكان المسلمون الجدد، في ذلك الوقت، بتلك المنطقة لايثقون في الخلافة السنية والتي كان مقرها دمشق. وهكذا، ومع تعاقب السنين، أخذ المسلمون الشيعة في بلاد فارس يسنون أحكامهم الدينية ويؤسسون لقواعدهم الشرائعية ويضعون تفسيراتهم الخاصة للقرآن؛ إذ يرى الشيعة أن للقرآن معان خفية أو باطنية تتوارى خلف ظاهر الآيات، ومن ثم ظل مفسروهم ومُنَظِّريهم يميلون لفكرة التفسير الرمزي للمعاني القرآنية والتي يتم تلقينها لباقي المسلمين “الشيعة” عبر تسلسل هرمي محكم. 

بكلمات أخرى، يرى الشيعة أن للقرآن معان وأحكام وشرائع ينبغي أن يتمسك بها عموم المسلمين ويسيرون على هديها في مناحي حياتهم، وفي نفس الوقت توجد معان باطنية تمثل الحقيقة العليا والغاية الأسمى للإسلام، إلا أنها لاتنكشف إلا لفئة مختارة ونخبة مصطفاة، هم وحدهم القادرون على سبر أغوار بواطن آيات الكتاب المقدس. 

ثم، و خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين، تشكل فصيل شيعي جديد يدعى “الإسماعيلية” ، حيث إنشق أتباع ذلك الفصيل عن الجسد الشيعي الأصلي  في بدايات القرن الثامن بعد نزاع داخلي على “الإمامة” ، وكونوا لأنفسهم طائفة أو فرقة جديدة هي الطائفة الإسماعيلية. إلا أن تلك الطائفة كانت تضرب على نفسها ستارا من السرية، واعتمدت في تكوينها على شبكة متسعة النطاق من المُبَشِّرين بالفكر الإسماعيلي، الذي يقع في القلب منه الإعتقاد بأن شخص مختار إصطفاه الإله سوف يأتي إلى الأرض بعد طول إنتظار ليهدي الناس ويحقق العدالة.

الفاطميون:

ولم تكن الأفكار الدينية المجردة والصلوات هي الغاية الوحيدة للطائفة الإسماعيلية، وإنما كانت السلطة وحيازة مقاليد الحكم الدنيوي هدفا رئيساً وغاية حيوية لهم؛ ففي عام 909 ميلادية ،تمكن الثوار الإسماعيليون من الإستيلاء على السلطة في شمال إفريقيا ،حيث قاموا بغزو تونس بمساعدة قبائل من البربر، معلنين تأسيس “الخلافة الفاطمية” والتي أسموها كذلك نسبة إلى “فاطمة” إبنة النبي محمد.

وفي عام 969 ميلادية تمكن الفاطميون من غزو مصر وتأسيس مدينة بالقرب من نهر النيل أطلقوا عليها الإسم الذي تُعرَف به حتى يومنا هذا والذي يعكس زهوهم بالإنتصار والغلبة :   “القاهرة” ،وتعرف في العالم الغربي بإسم Cairo.

ثم توالت توسعات الفاطميين الذين نجحوا في مد نفوذهم وبسط سلطانهم إلى حيث فلسطين وسوريا، مؤسسين بذلك معقِل شيعي جهة الغرب في مواجهة الخلافة السنية ومركزها “بغداد”.

وقد نجح الفاطميون في مساعيهم، ولردح من الزمن ظل نجمهم بازغاً في العالم الإسلامي. إلى أن جاء منتصف القرن الحادي عشر حاملاً معه رياح تغيير جديدة إجتاحت الأراضي الإسلامية…. ” السلاجقة”.

فمن ناحية الشرق ،وتحديدا من وسط آسيا، ظهرت تلك القبيلة التركية سنية المذهب وراحت تغزو مساحات شاسعة من الأراضي الإسلامية متجهة نحو الغرب عبر بلاد فارس ، وفي عام 1055 تمكنوا من الإستيلاء على بغداد.

وفي وسط تلك الإضطرابات، واصل المبشرون الإسماعيليون مهمتهم في الدعوة للفكر الإسماعيلي وإيجاد وتعليم مريدين جدد. وفي النصف الثاني من القرن الحادي عشر، ظهر فتى فارسي في السابعة عشر من عمره وإلتحق بالمريدين الجدد ،وشرع في تلقي التعليم اللازم في مدينة “ري” الفارسية تمهيدا ليصير مبشرا إسماعيليا… إنه ” حسن الصَبَّاح”.

ما إن أتم حسن الصباح تعليمه، حتى قام الإسماعيليون بإرساله إلى القاهرة، وكان العصر الذهبي للفاطميين قد ولى منذ فترة طويلة وبدأ الشتات والخلافات تتنامى داخل الطائفة الإسماعيلية، بينما كان السلاجقة قد تمكنوا من فرض نفوذهم وإحكام قبضتهم ، وتنامت ثروات وقوة العالم الإسلامي. 

مكث الصَبَّاح ثلاث سنوات في القاهرة، ثم غادرها ليبدأ مهام عمله كمبشر إسماعيلي في بلاد فارس. وهناك تمكن  من النفاذ إلى عقول وقلوب الكثير من المؤمنين بالفكر الإسماعيلي، فتجمعوا من حوله حتى كثر أتباعه وتعاظم نفوذه عليهم، ومن ثم شرع في إعادة تنظيم صفوفهم لمواجهة أعدائهم السلاجقة.

وبدأ حسن الصباح في تأسيس دعوته الجديدة المنبثقة عن الدعوة الإسماعيلية، والتي عرفت في التاريخ بإسم “الحركة النزارية الإسماعيلية” ،مفتتحاً بذلك فصلاً جديداً مثيراً في سيرة الإسماعيليين، لتحاك حولهم الأساطير من بعد ذلك ويكتسبوا السمعة السيئة التي اشتهروا بها عبر التاريخ. 

 أهداف كبرى:

أدرك حسن الصباح أنه، كي يتمكن من مجابهة القوى المتعاظمة للسلاجقة ، فإنه يتوجب عليه أولا أن يدرب أتباعه على نحو جيد، وأن يزودهم بالمهارات الحربية والذهنية اللازمتين. وفي عام 1090 تمكن الحسن من الإستيلاء على قلعة “آلموت” وإستلابها من أيدي السلاجقة السنيين. 

وفي تلك القلعة، والتي تقع بين جبال “ألبورز” الوعرة شمال غرب “طهران” الحالية، أسس الصَبَّاح معقل الحركة النزارية والتي استمرت على مدار قرنين من الزمن. وباستخدام الدهاء تارة، و الرشوة تارة، بل والعنف إن استدعى الأمر ،إستطاع الرجل الإستيلاء على مزيد من القلاع والحصون في المناطق الجبلية في أنحاء بلاد فارس ،ومن ثم تأسيس دولة نزارية ذات دفاعات عتيدة. 

وبمكره ودهائه الذي إشتهر به ،أدرك حسن الصَبَّاح أنه لاسبيل له لمواجهة قوى السلاجقة في ساحات القتال الحربي ، و بدلاً من ذلك إرتأى اللجوء لأساليب وتكتيكات أخرى بعيدة كل البعد عن المواجهة القتالية المباشرة : حرب العصابات… التجسس… الإغتيال… 

ومن هنا شرع حسن الصَبَّاح في تأسيس جناح حربي خاص لأداء مثل تلك المهام، ألا وهو “جناح الفدائيين”. والحق أن أعضاء ذلك الجناح قد أثبتوا كفاءة وفاعلية عاليتين في الوصول لأهدافهم المنتقاة وتنفيذ مهامهم السرية على أكمل وجه. بل الأكثر من ذلك أنهم ضربوا مثلاً في الولاء الشديد والإستعداد التام والكامل للتضحية بأرواحهم في سبيل الوصول إلى ضحاياهم وقتلهم، حتى وإن كلفهم الأمر التعرض للتعذيب أو الإعدام. 

وفي عام 1092 أقدم الحشاشون على إرتكاب فعلة كان لها عميق الأثر على الدولة السلجوقية ،إذ قاموا بإغتيال الوزير ” نظام المُلك” والذي كان يمثل أحد الأعمدة القوية للدولة؛ حيث تقول المصادر التاريخية أن أحد الحشاشين تنكر في زي رجل صوفي حتى إقترب من “نظام المُلك” ثم طعنه على حين غرة. 

ولم يمر وقت طويل حتى قُتِل السلطان السلجوقي “مالك شاه” ذاته، ويرجح المؤرخون أن قتلة السلطان لم يكونوا من الحشاشين ،إذ كان له الكثير من الأعداء الأقرب للوصول إليه من أتباع حسن الصباح. ومع ذلك، و أياً من كان قاتل السلطان، تبقى النتيجة واحدة، ألا وهي أن واقعتي القتل هاتين قد أغلقتا الدائرة على الدولة السلجوقية وألقتا بها إلى هوة الفوضى والإضطراب. 

ثم توالت هجمات النزاريين ” الحشاشين” ، واندلعت سلسلة من الإغتيالات لحكام وقادة عسكريين ورجال دين وسياسة و… إلخ ، حتى بدا  هؤلاء النزاريون وكأنهم عبارة عن أشباح موجودون في كل زاوية وتحت كل حجر. 

وفي محاولة لحماية أنفسهم والنجاة بحياتهم، شرع خصوم النزاريون في إتخاذ كل التدابير الممكنة للحماية، وراحوا يعينون مزيد من الحراس الشخصيين ويرتدون الدروع الواقية تحت ثيابهم…

ومع مرور السنوات، كانت طموحات حسن الصَبَّاح تزداد إتساعاً، وهكذا بحلول أواخر سنوات الحكم الفاطمي ، انسلخت الإسماعيلية النزارية عن الإسماعيلية الأصلية وقام الصَبَّاح بقطع الروابط بينه وبين الإسماعيليين في القاهرة. وفي أوائل القرن الثاني عشر قرر توسيع نطاق طائفته ومن ثم بعث بالمبشرين النزاريين إلى أنحاء سوريا وفلسطين للدعوة إلى الحركة النزارية ونشر أفكارها. 

وكان النزاريون يؤمنون بأنهم وحدهم يملكون الحقيقة المطلقة، وبأن الإمام المنتظر-ذلك الذي سيأتي من نسل علي بن أبي طالب – سوف يظهر إلى العالمين يومآ وسيكشف عن نفسه محققاً العدل. 

والحق أن الباحث في سيرة النزاريين والمتتبع لما ورد عنهم في المتون والسجلات التاريخية، سوف يجد نفسه أمام روايات وأوصاف لتلك الجماعة تقف على طرفي النقيض… ففي نظر مؤرخي السُّنة – خصوم النزاريين – لم يكن المحاربون النزاريون سوى جماعة من المتطرفين الجانحين في أفكارهم وأفعالهم، أما في نظر المؤرخين النزاريين فقد كانوا جماعة من المحاربين المقدسين، يناضلون تحت راية مقدسة. 

وقد تزامن التوسع النزاري مع وصول الصليبيين إلى سوريا قادمين من أوروبا، حيث استوطنوا هناك بعد غزوهم للقدس في 1099.وبرغم ماتذكره المصادر التاريخية من إقدام النزاريين في بعض الأحيان على قتل عدد من الصليبيين، كما حدث ل”كونراد من مونت فيراتو” في القدس، إلا أنهم في أحيان أخرى كثيرة كانوا يميلون لإقامة علاقات تحالف معهم، إذ لم يكن الوجود المسيحي في تلك الأراضي يمثل للنزاريين خطرا عليهم، ولم يكن سوى مجرد باعث ثانوي للقلق في الطريق إلى غايتهم المعلنة الكبرى :إنتظار ظهور الإمام. 

 شيخ الجبل:

توفي حسن الصَبَّاح في عام 1124 ميلادية، وواصلت الطائفة النزارية طريقها دونه، إذ تولى من بعده خليفته ” بوزورج أوميد” حكم النزاريين حتى توفي عام 1138 ؛هنا تتجلى من جديد أحد مظاهر المقت بين النزاريين الإسماعيليين والسُّنة فيما قاله واحد من المؤرخين السنيين في وفاة بوزورج أوميد:      { سحقته أقدام الردى وأُوقِدَت جهنم بجثمانه..}. 

ومع ذلك ،ظل الإزدهار حليف النزاريين، وتواصلت جرائم القتل والإغتيال للمزيد من الشخصيات السنية الهامة. وفي ستينيات القرن الثاني عشر، إتخذت الطائفة النزارية منحى ديني مغاير لما كانت عليه سابقاً، وذلك على يد زعيمها آنذاك ” حسن الثاني”. فقد خرج الرجل إلى أتباعه مدعياً أنه تلقى رسالة من الإمام المستتر يعلن فيها إعفاء المؤمنين من الإلتزامات والمحاذير الأخلاقية ، وأنهم باتوا غير مكلفين بعد اليوم بأداء الصلوات بإتجاه القِبلة بمكة، بل وأباح لهم فعل ماكان محرم وفقا للتعاليم  الإسلامية. 

ويرجح العديد من الباحثين أن تلك الفترة في تاريخ النزاريين ربما كانت المصدر الرئيس للأقاصيص والحكايات التي نُسِجَت حولهم والتي جمعها “ماركو بولو” لاحقاً هو وغيره من المؤرخين الأوروبيين،  بالرغم من أن ذلك التحول لم يدم طويلاً وعادت الطائفة بعد حين إلى تقاليدها الإسلامية الصارمة. 

ثم تولى ربيب حسن الثاني، ” رشيد الدين سنان” الملقب ب”شيخ الجبل” والذي يمثل علامة بارزة أخرى في سيرة الطائفة ، زعامة النزاريين في سوريا، وتولى حكمهم من معقل الجماعة في “مصيف”. هنا يبرز إسم شخصية تاريخية أخرى تَقَاطَع طريقها مع طريق “شيخ الجبل”  :  السلطان ” صلاح الدين الأيوبي… 

إشتهر صلاح الدين في التاريخ بمحاربته للصليبيين لكسر شوكتهم وطردهم من بلاد المسلمين والسعي لتوحيد الإسلام تحت راية واحدة، وهو الهدف الذي لم يشاركه به النزاريون، بل ناصب كل منهم الآخر العداء، وحاول النزاريون قتل صلاح الدين مرتين، إلا أنه تمكن من النجاة، وفي المقابل حَشَد جيوشه وقام بفرض حصار على قلعة “مصيف”، إلا أنه إنسحب بقواته لاحقاً بشكل غير متوقع. وتزعم المصادر التاريخية الإسماعيلية أن النزاريين تمكنوا من اختراق صفوفه والوصول إلى دائرة حراسه الأقرب إليه والأكثر موثوقية، وتم إجباره على إبرام صفقة مع النزاريين في مقابل حياته. 

ونجا النزاريون هذه المرة، لكن ذلك لم يدم طويلاً، وجاءت كلمة النهاية لتعلن سقوطهم وخراب معاقلهم وحصونهم، ليس على يد أي من أعدائهم التاريخيين في العالم الإسلامي، وإنما على يد الغزاة الجدد : المغول، في القرن الثالث عشر، و تحديداً في عام 1256 ،حيث تم تدمير قلعة “آلموت” الحصينة وإسقاط جماعة  النزاريين الإسماعيليين والإجهاز على سطوة الحشاشين وهيبتهم. 

▪️ وبعد، واصل الأوروبيون نسج الحكايات والأساطير حول الحشاشين حتى بعد سقوط معاقل النزارية على يد المغول، وبقي لفظ “الحشاشون” Assassin ينتقل عبر اللغات والأدب خلال القرن الثالث عشر، وفي  القرن الرابع عشر ذكر الشاعر الإيطالي “دانتي أليجيري” كلمة “حشاشين” في ملحمته الشعرية الشهيرة “الكوميديا الإلهية”. وفي اللغة الإسبانية إشتقت كلمة Asesinato والتي تعني ” القتل” من نفس الكلمة Assassin.

أما في اللغة الإنجليزية الحديثة، فإن كلمة Assassination تعني : الإغتيال السياسي أو قتل شخصية هامة لأغراض سياسية.

وهكذا، ورغم إنتهاء زمنهم وزوال قوتهم، إستمر وجود الحشاشين ولكن في اللغات والآداب، بل وحتى في ألعاب الفيديو الحديثة كلعبة ” Assassins Creed” ؛وظلت فكرتهم الأساسية قائمة في الثقافة الشعبية العالمية.

كذلك لاتزال  المعتقدات الإيمانية للطائفة النزارية الإسماعيلية حية إلى الآن، تُمَارَس شعائرها حول العالم ،حيث ينتشر الإسماعيليون في 25 دولة ،خاصةً في وسط وجنوب آسياو إفريقيا و الشرق الأوسط. وفي حين أن سمعة الحشاشين قد بنيت إلى حد بعيد على المبالغات من جانب أعدائهم، إلا أن تأثير تلك الطائفة الصغيرة وتكتيكاتها الفعالة قد نجحت في بث الرعب في قلوب القوى العظمى من ناحية، و إلهام الكثير من الجماعات التي حاولت محاكاتها من ناحية أخرى، ليس خلال حقبتها فقط ،وإنما عبر الزمن. 

***

إحتلت سيرة الحشاشين وطقوسهم بضعة فصول من سجلات رحلات ماركو بولو، وتصور لنا إحدى الرسومات التوضيحية الواردة في الطبعة 1472 من الرحلات، مشروباً يتم تقديمه إلى أحد المحاربين النزاريين.

ووفقا للنص المصاحب للرسم يحتوي ذلك المشروب على نوع من المخدرات لتحفيز العدوانية والرغبة في القتل داخل المحارب. وقد عززت تلك المرويات السمعة المخيفة للنزاريين لدى الأوروبيين ، بالرغم من أن تلك التدوينات قد نشرت بعد هزيمة المغول للنزاريين وإسقاطهم في عام 1256.

الوزير ” أبو علي حسن إبن علي”، المعروف ب” نظام المُلك”. كان بمثابة عين وأذن السلطان السلجوقي في دولته، كما قاد حملة الإحياء السني عبر الإمبراطورية. إتسمت فترة حكمه بالعدائية ضد النزاريين على وجه الخصوص، وقد دفع ثمن ذلك غالياً، حيث تم إغتياله بأمر من حسن الصَبَّاح في 1092.

وقد لعب موته دورا كبيرا في إضعاف قوة السلاجقة.

في عام 1255 شن “هولاكو” شقيق حاكم المغول، هجوما شرسا على قلعة آلموت، وقد سعى الزعيم النزاري وقتها “ركن الدين خورشاه” للتفاوض معه، لكنه لم يفلح في إنقاذ الحصن وسقطت آلموت في قبضة هولاكو الذي دمرها تماما في 1256.

ملاحظات من المترجمة:

⬅️️   نبذة مختصرة عن البذرة الأولى لنشأة الطائفة الإسماعيلية :سمى الإمام السادس جعفر الصادق ابنه إسماعيل إماما من بعده، إلا أنه عاد  وخلعه  عن الإمامة واختار بدلا منه  موسى الكاظم ليكون الإمام السابع. وبعد وفاة جعفر الصادق اختلف الشيعة فيما بينهم على من الأحق بالإمامة، إذ رأى بعض الشيعة أن بيعة إسماعيل لا يجوز نقضها وأنه ينبغي أن يكون هو او إبنه ، محمد، الإمام، في حين انحاز فريق آخر لجعل الإمامة من نصيب موسى الكاظم.

وقد أختلفت الأقاويل والروايات في أسباب سحب الإمامة من إسماعيل، منها أنه كان مدمن للخمر وبالتالي لاتصح إمامته للمسلمين، بينما قالت روايات تاريخية أخرى أن اسماعيل قد مات في حياة أبيه جعفر الصادق، وكان له ولد، إلا أن الإمام الصادق أعطى الإمامة لموسى الكاظم. وأيا كانت الأسباب، تبقى الحقيقة أنه من ذلك الخلاف تولدت الفرقة الشيعية الإسماعيلية كفرقة منشقة. 

  ⬅️️عُرف الإسماعيليون النزاريون بإسم “الحشاشين” ،إلا أن أصل تلك التسمية وسببها يكتنفها الكثير  من الغموض واللبس؛ حيث يقول المستشرق الفرنسي سِلفستر دي ساسي ‏ – القرن التاسع عشر- ان أقدم ذكر لمصطلح ” حشاشين ” ظهر من بلاد الشام  وذلك عندما استخدمه الخليفة الفاطمي “الأمر بأحكام الله” في رسالته  الى اسماعيلية سوريا والتي يصف بها الفئة المنشقة عن الدولة الفاطمية ممن بايعوا نزار بدلاً من المستعلي ب “الحشاشين”. هنا يرى دي ساسي أنه تم استخدام ذلك اللفظ مجازياً كنوع من السب والإزدراء للإسماعيلية النزارية ، دون أن ينطوي ذلك على أي اتهام للطائفة بتعاطي الحشيش. 

إلا أنه سرعان ماتبنى عدد من  المؤرخين المعاديين للإسماعيلية ذلك اللفظ وجعلوه تسمية ووصفا لكافة الإسماعيليين. 

ثم جاءت الكتابات الغربية خلال العصور الوسطى لتتبنى تلك التسمية بدورها وتحيك الكثير من الحكايات الخيالية في معظمها عن الإسماعيلية النزارية، والتي أسهمت في تثبيت وصف “الحشاشين” عليهم، من اشهرها تلك الحكاية التي أوردها الرحالة ماركو بولو عن الإسماعيلين النزارين، وهي قصة أثبتت الأبحاث عدم حقيقتها؛ حيث وصف ماركو بولو قلعة آلموت بأن بها حديقة سرية كبيرة  ملئية بالأشجار والفاكهة والجداول، وأنهار من خمر ولبن وعسل، تعج بفتيات جميلات، في وصفٍ أشبه مايكون بوصف الجنة في القرآن، وأنه إذا أراد زعيم الحشاشين بتكليف أحد محاربي الطائفة “الفداوية”  بتنفيذ مهمة ما، فإنه يسقيهم أولا جرعة من القنب “الحشيش” حتى يفقدون الوعي، ثم يأمر رجاله فينقلونهم إلى تلك الحديقة، وحين يفيقون يقنعهم بأنه قد قام بنقلهم إلى الجنة!، فيبقون فيها لفترة يشبعون رغباتهم. ثم يسقيهم المخدرات من جديد وينقلهم إلى القلعة. وحين يفيقون مرة ثانية مرةً أخرى يكلفهم بالمهمة المطلوبة في مقابل إعادتهم للجنة مرة أخرى. والحقيقة أن الأبحاث أثبتت عدم صحة تلك الروايات، خاصة بالنظر للطبيعة الجبلية الوعرة التي توجد بها قلعة آلموت واستحالة وجود مثل تلك الحديقة في ذلك المكان المقفر. 

كذلك يفترض عدد من الباحثين أن كلمة حشاشين ربما جاءت أصلا من كلمة “عسس ‏” و” عساسين” اي الحراس حيث كان الجناح العسكري لتلك الطائفة يقضون الليالي الطويلة في حراسة القلعة. 

أخيرا يرى الباحث المصري محمد عثمان الخشت أن  سبب تسمية الحشاشين بهذا الاسم، إنما يرجع إلى صمودهم خلال فترات الحصار الطويلة التي كانت تفرضها الجيوش المعادية عليهم  واضطرارهم لأكل حشيش الأرض  بعد نفاد المؤن في قلاعهم المُحَاصَرة. 

⬅️️  حسن الصباح : مؤسس الحركة الإسماعيلية النزارية، إسمه حسن بن علي بن محمد الصباح الحميري،  ولد في عام 410 هجرية، 1015 ميلادية، في مدينة “الري” بإيران. ووصفه “ابن الأثير” أنه كان  عالماً بالهندسة والحساب والفلك والسحر. 

نشأ الحسن في بيئة شيعية من الطائفة الإثنى عشرية، إلا أنه تأثر بالفكر  الإسماعيلي، لذا اعتنق ذلك المذهب وهو لم يصل بعد إلى السابعة عشرة من عمره. 

سافر  حسن الصباح إلى مصر ، وبقي فيها ثمانية عشرة شهرًا قابل خلالها الخليفة الفاطمي ” المستنصر بالله” الذي أكرمه وأتاح له فرصة تلقي المزيد من العلوم، ولهذا أيد الصباح الخليفة المستنصر تأييدا كاملا حين  قام بتسمية ابنه الأكبر “نزار” خليفة له علي الإمامة الإسماعيلية. إلا أن الوزير بدر الدين الجمالي دعا لتسمية ” أبا القاسم أحمد”، والذي كان يُلقب باسم “المستعلي”، الأخ الاصغر لنزار، كإمام خلفا للمستنصر، مما أدى لنشوب نزاع داخلي في قلب الطائفة الإسماعيلية. وقد وقف حسن الصباح في وجه  بدر الجمالي نصرة لإمامة نزار، فاعتبر الوزير أن وجود  الصباح في القاهرة خطر يهدده ، فحاك ضده المؤامرات إلى أن زج به  في السجن، ثم قام بعد حين بطرده من مصر. 

و عقب خروجه من مصر، توجه حسن الصباح، بعد رحلة طويلة  إلي مدينة “أصفهان” الإيرانية، ومن هناك أخذ يدعو لإمامة  “نزار” ويحشد الأتباع من حوله، لتولد الحركة الإسماعيلية النزارية، وانقسم الإسماعيليون إلى فرقتين :”الإسماعيلية المستعلية” التي تنادي  بإمامة المستعلي إبن المستنصر الأصغر ، و مركزها في مصر، حيث استمرت تلك الفرقة في خلافة الدولة الفاطمية حتى زوالها، و” الإسماعيلية النزارية” أو ” الحشاشين” والتي تنادي  بإمامة نزار، الإبن الأكبر للمستنصر. وبرغم  مقتل نزار، إلا أن حسن الصباح ظل ينادي بإمامته. 

 ⬅️️  جاء ذكر الحشاشون في الكوميديا الإلهية لدانتي أليجيري تحديدا في نشيد الجحيم – المقطع التاسع عشر.

الموضوع الأصلي هنا.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…