هخاشم

هاشم صالح :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

بعيداً عن الوطن ، في مكان تحتله الشمس بانفراد ، حيث الأماكن تتخذ مسميات فضفاضة ؛ “حدود عالقة” ، “معسكرات لجوء” ، “مخيمات نازحين” .. وحيث الذكريات المخزونة في حكاوي الجدات – عن دفء البيت وشقشقة الطيور ، وعن رهبة النيل وقت الغروب – باتت الآن خيالية وباهتة في عيون الصبية الذين خبروا الرصاص.

هناك ، في ما يمكن أن نسميه أمان مؤقت .. على حافة المجهول ، يقف أبي في الصباح الباكر ، أمام خيمة عليها شعار يسميه(الامم  المتحدة ، ومن حوله ، نجلس نحن كخطوط الضوء الوليدة ، نهبه شموخه الزائف ، أمله القوي بالعودة بعد طول نزوح .. يقف أبي ، مبتسماً ، على جبينه تجاعيد الحزن ، وفوق رأسه يزحف الشيب الأبيض كضوء البرق .. تخاطره الرؤى ، فينظر نحوي بطمأنينة مستمدة من العدم ، بحنو مبالغ فيه ، يهتف :

– ” ملوال ، أنت مُهيَّأ لإرضاء جوك* ، وحافظ لأسرار العشيرة ، وحاكماً في مشاكل أهله”

دائماً ما كان يحمل أبي المذياع عند منتصف السابعة صباحاً ، ليتجول بين موجات العالم وكله أمل أن يجد نبأ هدنة أو اتفاق سلام طارئ ، والجميع من حوله يلفهم الوجوم والبؤس ، ينتظرون أن يحول أبي لغات العالم المبهمة ، مصطلحات الموت واحصائيات القتلى ، إلى أمل بالرجوع.

أﻣﺎ أﻧﺎ ﺍﻟﺬﻱ أبقى معه بعد انصراف الناس الفرحة ، لحمل الراديو الملفوف بجلد الغنم الناعم ، صندوق الملجأ السحري .. أكتشف اليأس في عيني أبي رغم صلادته .. أحس بترقرق الدموع الثقيلة ، بطء خطواته الزاحفة تكشف لي عن أن الخزلان شيء مر ، والكذب أمر منه. فأسأله بطيب خاطر :

– “هل الوضع صعب يا أبي؟”

لكنه لم يقل لي يوماً سوى ما يقوله لكل الناس :

– “ملوال ، الحرب ستنتهي قريباً ، افرح يا ولدي ، افرح ، افرح !!”

لكن هذا الفرح المرفق بالدموع ، يشعرني بالخوف والحمى ، آلام البطن والاستفراغ ، هل سننزح من جديد ، هل سنهرب من اللا مكان إلى اللا مكان !

حينما اهدأ داخل العريشة ، تصرخ فيني أمي :

– “ملوال ، تعال أورد لنا الماء”

أتناول فوراً جرد الصفيح الذي تآكله الصدأ ، أهرع باتجاه البئر ذي المضخة(كرجاكة)* ، أعبر المخيم بطوله ، صور الشتات في كل ركن ، رواكب وعشش بلا سقف ، وخيم مهترئة ، أشجار تحت ظلها تسكن عشرات النساء مع أطفالهن ، العجائز تحت الشمس ، والمبتورون يزحفون كالنمل..

في الحقيقة لا أملك ذكرى واضحة عن النيل ، سوى أنه يشبه باتساعه وتشابكه السماء والغيوم .. لكن البئر ، حيث الصف الطويل من الناس الضجرة المتململة يصيبك بالإحباط ، أختلق فوراً فوضى عارمة لانتهاز فرصة للسقيا .. لكن صوت ميرال الجميلة يأتي جارحاً :

– “من المفترض أنك خادم جوك ، أي البطل الذي يمهد الفرص للآخرين ، المضحي لأجلهم بروحه .. لا من يزعزع النظام … أنت خليفة أبيك يا ملوال ، يجيب أن تكون بطلاً مثله”

تتدخل فجأة أرملة عجوز ، أفنى ضنك العيش ثوبها وشحمها ، تقول ساخطة :

– “دعيه ، فالأبطال لا وجود لهم إلا في سير الأموات وقصص التاريخ الملهية”

ألتزم دوري بعد أن صفعني كلام العجوز ، أفرغ من تعبئة جالوني ، لأجد ميرال الحلوة تنتظرني ، نعود سوياً.

*

ميرال تتمايل لثقل دلويها ، كشجرة تهزها الريح ، تمسك ﻗﻄﻌﺔ ﻗﻤﺎﺵ ﻟﻔﺘﻬﺎ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺩﺍﺋﺮﻳﺔ ، ﺗﻄﻠﺐ ﻣﻨﻲ أن أساعدها لوضع أحد جالونيها على رأسها ، أفعل ذلك ﻭﻋﻴﻨﺎﻱ ﺗﺼﻄﺎﺩان ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﺟﺴﺪﻫﺎ ﺍﻟﻤﻤﺸﻮﻕ بسمرة تقلد تسرب الضوء في الليالي الحالكة …

ﺳﺎﺣﺮﺓ ﺭﻏﻢ ﺍﻟﺤﺰﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﻲ يحاصر عينيها ، يعطف قلبي عليها ﺑﻠﻄﻒ حينما أتذكر أنها خلاصة حكايات لا تنتهي ، فالحرب قديماً -بين الشمال والجنوب- أفقدتها أسرتها ، والآن حينما لم يعد للحرب معنى ، فقدت أمها وشقيقتها في صراعات المعارك الجديدة.

الحرب مجرد لعنة لا أفهمها ، ﻧﺨﻄﻮ ﻭﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻳﻨﺴﺎﺏ ﺑﻴﻨﻨﺎ ، أحكي لها عن أبي ﻭﻏﺼﺔ أﻣﻲ ﻭﺩﻣﻮﻋﻬﺎ .. وتحكي لي هي عن أمور  ليس لها علاقة  بالحرب.

أمازحها :

– “طبعاً ﻟﻮ ﻛﻨﺖ ﺭﺙ* ﺳﻴﺘﻢ تنصيبي ﻭمعي الملكة ﺍﻟﻌﺬﺍﺭﺀ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ، لكنك لو كنت أنتِ ﺍﻷﺭﻭﺭﻭ* ﻟﺘﻨﺎﺯﻟﺖ عن العرش ﻭﻭﻗﻌﺖ ﻓﻲ ﻓﺦ ﺟﻤﺎﻟﻚ”

ﺗﻮﻗﻔﺖ ميرال كأن الأمر لا يعنيها ، كأن التقاليد مجرد رتوش من الماضي ، قالت :

– “ﻳﺎﻟﺴﺬﺍﺟﺘﻚ ! ﻣﻦ ﻳﻮﻡ اﻧﻔﺠﺎﺭ الحرب ، ودوي النيران التي أكلت الأحلام والأسر ، من يوم أن تملك الأطفال الزعر ، وبدأ الناس يعدون الموتى كعدهم لقطيع البقر ، من يوم أن تشتت بنا الحال بين مفقود وضائع ، بين أسير ومصاب ، بين أشلاء وبقايا عظام وجماجم .. يجب عليك أن لا تنسى ذلك ، خزنه في أعماقك ، ولا تفكر بهكذا طريقة”

تأﺳﻔﺖ ﻭﻗﻠﺖ :

– “ﻣﺎﺫﺍ ﺗﻨﺘﻈﺮﻳﻦ ﻣﻦ عمدة (رث) ، ﻭﻟﺪ ﻧﺎﺯﺡ ، ﻭﺍﻵﻥ مجرد ﻻﺟﺊ”

ﺻﻤﺘﺖ ﻣﻴﺮﺍﻝ ﻟﺒﺮﻫﺔ ، ﻟﻤﻌﺖ ﻋﻴﻨﺎﻫﺎ ﻭﻣﺎﻋﻮﻥ ﺍﻟﻤﺎﺀ تقاطر ﻓﻲ شعرها القصير ﻭﺟﻬﻬﺎ ، بلل ﺛﻮﺑﻬﺎ ﻛﺄﻧﻪ ﻳﺸﺎﺭﻛﻬﺎ الألم ، لكنها لم تقل شيئاً بخصوص ذلك ، بل عادت ﻟﺘﺤﻜﻲ ﺣﻜﺎﻳﺎﺗﻬﺎ التي ليس لها علاقة بالحرب!

أنا أعرف أن صورة أمها ﺍﻟﻤﻔﻘﻮﺩة تزورها ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻡ ، لعدة ﻣﺮﺍﺕ ، ﺗﺰﺭﻑ دموعاً ﺑﻠﻮﻥ ﺍﻟﺪﻡ ، رفقة الرصاص والمدافع.

هربت ميرال خلال ذلك اليوم الأسود عبر الطريق ﺍﻟﻀﻴﻖ ﺍﻟﻤﻠﺘﻮﻱ كثعبان وسط القش وعيدان القصب ، ركضت لأيام ﻣﺘﺄلمة من تقرح ونزف قدميها. وحينما وصلت إلى مكان آمن ، كانت مجرد شبح.

فرّ أبي عبر المستنقعات ، هكذا حكى الناس ، كتمساح بين التماسيح الجائعة ، كفرس نهر بين أفراس النهر والأفاعي ، فرّ ، تحت غطاء النار ، ليس خوفاً من الموت في حرب لا يد له في إشعالها ، وإنما لأنه فكر في أنه لو نجى فسينجو الوطن..!

حينما وصلنا أنا وميرال ، إلى النقطة التي يسلك فيها كل واحد منا طريقاً مختلفا .. صمتنا عن الحكاوي ، تجاذبنا وداعاً حاراً مضرمين الوعد بالتلاقي ، وغاص كل منا في اتجاه. لكن على بعد عدة خطوات هتفت ميرال فجأة :

– “ملوال ، ملوال .. تذكر أن الوطن وديعة الأرض ، كما أن الأحلام وديعة السماء ، وتذكر أيضاً أن البنت من عشيرتنا تحبز الزواج من خارجها !”

ﺑﺎﺩﻟﺘﻬﺎ ﺍﺑﺘﺴﺎﻣﺔ ذكية ، أومأتُ ﺑﺮﺃﺳﻲ ﻭﻳﺪﻱ ﺗﺸﻴﺮ ﻟﻘﻠﺒﻲ ﻭﻟﻬﺎ ، ﻭﺣﻴﻦ ﺍﻗﺘﺮﺑﺖُ ﻣﻦ أبي وأﻣﻲ ، ﻓﻲ خيمتنا ﺍﻟﻌﺎﺭﻳﺔ إلا من الشعار ، وبعض ﺍﻷﻗﺸﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ نُسجت عمداً لتصد ﻟﺴﻌﺎﺕ ﺍﻟﺒﺮﺩ ﻭأﺷﻌﺔ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺍﻟﺤﺎﺭﻗﺔ .. ﺟﺮﻱ ﻟﻤﺴﺎﻣﻌﻲ أطراف ﺣﺪﻳﺚ مبهم ..

قالت أمي بصوت خفيض :

– ” إﻥ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻫﻮ ﺍﻟﻬﺰﻳﻤﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻱ ، فحين ﺗﺴﺘﻌﺮ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺑﻴﻦ أﺑﻨﺎﺀ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ، لا مغزى من الحياة” ﺛﻢ شهقت بالبكاء على أخي الذي مات بلا ذنب.

خرج أبي مسرعاً حينما تلبدت عيناه بالأسى ، أخذ الماء مني ونظر صوب السماء ، تصنع مراقبته لطائرات أممية وأذنه لا تفتأ تلتصق بالمذياع .. يتجاهل الجوع والغم وأنا ، ويردد للأشباح :

– ” الهزيمة ليست هي الموت ، الهزيمة هي أن نحيا على مساعدات الآخرين !”

ذات يوم هرع أبي مبكراً ، ليس كعادته ، في تركيب أحجار البطارية للراديو ، تصنت للأخبار القادمة عبر المسافات من هنا وهناك ، وترصد أيضاً لحديث الناس في السوق وللهمسات الخافتة ، كانت عيناه خائفتان ويند العرق من جبينه العريض .. لم يكن مرعوباً بقدر ما كانت تعتليه الكوابيس ، كان يهلوس باسماء الموتى ، بذكريات رفقاءه الذين ماتوا غرقاً في المستنقعات أيام الفرار ، الذين حرقتهم ألسنة اللهب والمدافع أثناء المعارك.. اسماء الأجداد القدماء ، الأحفاد المفقودين ، الأبقار النافقة والمنحورة ..

قال أمي :

– ” أووه يا حامينا ، لا بد الليلة من تحضير ال (يوك)* لطرد لعنات الموتى ، لتهل البركة ، لتحل القداسة”

كان أبي ، ﺑﻴﺄﺳﻪ ، ﻳﻘﻮﻝ :

– ” يا امرأة ، ﻣﻦ أين ﻟﻨﺎ بالأبقار لنذبحها ونعدها كقرابين ، بل كيف لنا أن نصل للقبور لنغسلها على شواهدها “

ﺗﻮﺍﻟﺖ الأيام بطيئة ، مليئة بمطاردات الأرواح ، ﻭﺣﺎﻟﻨﺎ ﻳﺰﺩﺍﺩ من سيء إلى أسوأ ، ﻛﻤﻨﻔﻴﻴﻦ ﻓﻲ ﺟﺰﻳﺮﺓ ﺑﻌﻴﺪﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﻜﻮﻥ ، جوعى ، ﻻ ﻳﺤﻞ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻈﻼﻡ حتى يتنازعنا الخوف ، ولا يطل شروق إلا وقد أحبطنا الانتظار ، لكن الأمل كان هناك ، في موجات الراديو مختلفة اللغات ، في السحاب العابر الذي لا يهطل هنا ، في ميرال بصوتها الخافت ، وبرؤاها الخجولة …

ذات ﺻﺒﺎﺡ ، حين نهضت لأقوم بواجبي ، تفاجأت بضجة أزيز محركات وصراخ الصبية ، ركضت مسرعاً لأتسلق شجرة العم شول ، وإذ بي أرى مركبات مختلفة الحجم ، وشاحنات من ثقلها تثير الغبار .. توجهت فوراً ، بفرحة تفوق ما يحسه الأسير تجاه الحرية ، صوب أبي الذي أنهكته الرؤى ، كان شبه ميت بعينين غائرتين في الأحلام وبلعاب ومخاط على لحيته البيضاء ، حين ندهت عليه لم يحرك ساكناً ، إنما احتسى جرعة كبيرة من طاسة العرقي التي وهبها له صديق قدم حديثاً من مكان حرب بعيد ، ثمل منها حتى يهرب من أشباح هلوساته التي ﺗﻼﺣﻘﻪ ﻛﻤﺎ ﺗﻼﺣﻖ النار ﻃﺮﻑ الثوب…

وقفت عند رأس أبي الخالي من الحياه ، وهززته بيدي قائلاً :

– “إن الغرباء الذين لطالما انتظرتهم قدموا يا أبي ، لم يأتوا عبر السماء ، إنما بمركباتهم الكبيرة”

ﻫﺮﻋﺖ أﻣﻲ فزعة وسألتني :

– “ﻣﻠﻮﺍﻝ ﻣﺎﺑﻚ؟!”

– ” ﺍﻟﻐﺮﺑﺎﺀ حضروا ﻟﻨﺠﺪﺗﻨﺎ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻠﻮا في ﺍﻟﻤﺮﺓ ﺍلسابقة ﺣﻴﻦ ﺣﻔﺮﻭا ﻟﻨﺎ ﺍﻟﺒﺌﺮ ، قدموا ليوزعوا لنا ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻭﺍﻟﺬﺭﺓ ﻭﺍﻟﻤﻼﺑﺲ والخيام ، ﻋﺎدوا ﻣﺮﺓ أخرى لأنهم لم ينسونا !”

زجرت أﻣﻲ :

– ” ﻭﻳﻠﻚ ﻳﺎ ﻣﻠﻮﺍﻝ ، انت فرح كأنهم ﺳﻴﻬﺒﻮﻙ ﻭﻃﻨﺎً” ثم أشارت للأرض من تحتها ” هذا المكان ﻣﻬﻤﺎ اتسع يضيق ، هذا المكان هو مجرد مكان ، لكن الوطن ﻫﻮ ﻣﺎﻳﺤﻤﻠﻨﺎ ﻭﻧﺤﺘﻤﻠﻪ” ثم ﺑﺤﺮﻛﺔ ﻣﻜﺮﺭﺓ ﻣﻨﻬﺎ ﺭﺷﺖ الماء على أبي فاقد الوعي والذاكرة ، ﻟﻜﻨﻪ أتكأ رأسه على عنقه ببطء ، حتى كادت طاقيته الملونة من القش ان تسقط ، سالت من عينه دموع متباعدة علقت كحبات الندى فوق شفتيه ﺍﻟﻜﺒﻴﺮﺗﻴﻦ ، ﻭﻋﻴﻨﺎﻩ اللتين يملأهما الإحمرار ضاقتا ، تمتم بسلام ما ، بجنون ما ، لكنه أخيراً سكن.

ﺻﺮﺧﺖ أمي فزعة ، فلا احد ظن أن والد ﻣﻠﻮﺍﻝ الذي قطع المستنقعات يمكن أن تقتله الكوابيس والأرواح ، لكنها فعلت ، سلبته نظرته الحادة وأمل العودة للديار .. كانت أصوات المحركات ترتفع ، انشغل الناس بالذهاب لاستقبال المؤونة .. ولم يحضر سوى العم شول متكئاً على عكازه الخشبي ، يخطو بصمت وقداسة ، شارك أمي المواساة ، اقترب من جسد أبي الميت وأسجاه على الأرض ، مسح على عينيه ونزع منه أشياءه .. وحينما قدم إليّ قال :

– ” ﻣﻠﻮﺍﻝ .. ﺍﻟﺠﺴﺪ للأﺭﺽ ﻭﺍﻟـ ﺗﻴﻘﻮ ﻟﺮﺏ ﺟﻮﻙ” ثم مسد رأﺳﻲ ﺑﻜﻠﺘﺎ ﻳﺪﻳﻪ .. ﻭﻣﺎ إﻥ ﺗﻢ ﻛﻠﻤﺎﺗﻪ ، حتى ﺩﻭﻱ زئير ﺭﺻﺎﺹ ومدافع ، ﺗﻨﺎﺛﺮ الدخان والغبار ، اختلط الصراخ والعويل مع النيران ، ﺍﺭتعدت الأرض ﻭﻛﺄﻥ ﺑﺮﻛﺎﻥ ما ﺍﻧﻔﺠﺮ ..

حين انتبهت أدركت أن القادمين بالمعونة ، ﻣﺎ ﻫﻢ إلا مقاتلين بأقنعة كاذبة ، محملين بالبنادق والاسلحة الثقيلة ، ﻫﺠﻤﻮا ﺑﺸﺮﺍهة رغم أن المعسكر هو مكان للنازحين فاقدي القوى ، خلال ثوان فقط سقط المئات ولم ينجُ سوى القلة ..

ﺍﺣﺘﻘﻦ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ بمشاهد الخراب والدم ، ﺍﺣﻤﺮﺕ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ والأرض ، سقط العم شول وزحف من تحته أرنب أسمر ، طارت أمي كعصفور ملون يلوح لي بابتسامة ، ومن جسد الطفلة المربوط خلفها خرجت قطة بفرو أبيض ، وأنا ، وكأن روح أبي اعتلتني ، من بين الدماء والجثث والعويل ، ركضت راكلاً في طريقي المذياع الذي يبث أنباءً لا أعرفها ، ربما أخبار عن اجتياح معسكر نازحين. ركضت ، وقدماي تغوصان وكأنهما في وحل ، ليس خوفاً من الموت ، ولكن خوفاً على الوطن ، هرعت صوب ميرال الجزعة ، عبر الطرق الطويلة اللا منتهية ، خلفي ﻟﻬﻴﺒﻬﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻻﻳﺮﺣﻢ ، ﺑﺨﻄﻲ ﻣﺠﺮﺩﺓ ﺗﻠﻌﻦ ﺍﻟﺒﻘﺎﺀ ﺍﻛﺜﺮ من الموت ، تلعن الموت أكثر من النزوح ، محاط بالأروح والطبول ، بالرصاص والدماء ، وقبل أن أصل ، سمعت ميرال تهمس لي :

– ملوال ، أنا هنا ..!

…………..

ﺗﻴﻘﻮ : ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺑﻠﻐﺔ ﺍﻟﺸﻠﻚ

ﺍﻟﺮﺙ : ﻳﻘﺼﺪ ﺑﻪ ﺍﻟﻌﻤﺪﺓ ﻋﻨﺪ ﻗﺒﻴﻠﺔ ﺍﻟﺸﻠﻚ

ﺍﻻﺭﻭﺭﻭ : ﻫﻲ ﻓﺘﺎﺓ ﺗﻐﺮﻱ ﺍﻟﺮﺙ ﻋﻨﺪ ﺗﻨﺼﻴﺒﻪ عمدة ، ﻭﺍﻥ ﻭﻗﻊ ﻓﻲ ﺷﺒﺎﻛﻬﺎ ﺟﺮﺩ ﻣﻦ ﻣﻨﺼﺒﻪ.

ﺟﻮﻙ : ﻫﻮ ﺍﻟﺮﺏ.

ﻳﻮﻙ : ﺍﺣﺘﻔﺎﺋﻴﺔ ﻟﺘﺄﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﺗﻲ ﺑﻐﺴﻞ ﻗﺒﺮوهم ﻭﻧﺤﺮ ﺍﺑﻘﺎﺭ كقرابين .. ﻭﻟﻬﺎ أﻏﻨﻴﺎﺕ ﺧﺎﺻﺔ .

تعليقات الفيسبوك

47 تعليق

  1. This design is wicked! You certainly know how to keep a reader amused.

    Between your wit and your videos, I was almost moved to start
    my own blog (well, almost…HaHa!) Great job.
    I really loved what you had to say, and more than that, how you presented it.
    Too cool!

  2. Simply want to say your article is as surprising. The clearness
    on your submit is simply spectacular and i could assume you’re an expert in this subject.
    Fine with your permission let me to seize your feed to keep up to date with approaching post.
    Thanks a million and please carry on the gratifying work.

  3. I like the valuable information you provide in your articles.
    I’ll bookmark your blog and check again here regularly.
    I am quite certain I will learn many new stuff right here!
    Best of luck for the next!

  4. You actually make it seem so easy along with your presentation but I in finding this topic
    to be really one thing which I believe I might by no means understand.
    It sort of feels too complicated and very wide for
    me. I am looking forward to your next submit, I will attempt to
    get the hold of it!

  5. I do trust all the ideas you have introduced in your post.
    They’re very convincing and can certainly work.
    Nonetheless, the posts are too quick for newbies. Could you please prolong them a bit from next time?

    Thank you for the post.

  6. Hi there, just became aware of your blog through Google, and found
    that it’s really informative. I am gonna watch out for brussels.
    I’ll appreciate if you continue this in future.
    Many people will be benefited from your writing. Cheers!

  7. Its such as you learn my thoughts! You seem to grasp so much approximately this, such as you wrote the e-book in it or something.
    I think that you just could do with some percent
    to power the message home a little bit, but instead of that, that is great blog.
    A fantastic read. I’ll definitely be back.

  8. I really love your website.. Excellent colors & theme. Did you develop this
    site yourself? Please reply back as I’m trying to create my own website and would like to find out
    where you got this from or just what the theme is called.
    Thanks!

  9. I’ve been browsing online more than 3 hours today,
    yet I never found any interesting article like yours.
    It’s pretty worth enough for me. In my view, if all web owners and bloggers
    made good content as you did, the internet will be much more useful
    than ever before.

  10. I am extremely impressed with your writing skills as well as with the layout on your weblog.

    Is this a paid theme or did you modify it yourself? Anyway keep up the nice quality writing, it’s rare to see a nice blog like this
    one nowadays.

  11. Hi, I do believe this is an excellent website.
    I stumbledupon it 😉 I may come back once again since i have bookmarked it.
    Money and freedom is the best way to change, may you be rich and continue to guide others.

  12. It’s appropriate time to make some plans for the future and it is time to be happy.
    I have read this post and if I could I want to suggest you few
    interesting things or tips. Maybe you can write next articles referring
    to this article. I wish to read more things about
    it!

  13. I have been browsing on-line greater than 3 hours these days, but I never discovered
    any fascinating article like yours. It’s lovely value enough for me.
    In my view, if all web owners and bloggers made excellent content
    as you probably did, the net might be much more useful than ever before.

  14. Good day! This is my first comment here so I just
    wanted to give a quick shout out and say I truly
    enjoy reading your posts. Can you recommend any other blogs/websites/forums that deal with the same subjects?

    Thank you!

  15. Hey there! This is my 1st comment here so I just wanted to give a quick shout out and say I truly enjoy reading your posts.
    Can you recommend any other blogs/websites/forums that cover the same topics?
    Thanks for your time!

  16. Do you have a spam issue on this website; I also am a blogger, and I was curious about
    your situation; many of us have created some nice procedures and
    we are looking to exchange strategies with other folks, please shoot me an email if interested.

  17. I have been surfing on-line more than 3 hours nowadays, but I by no means discovered any fascinating article like yours.
    It is beautiful price enough for me. Personally, if all web
    owners and bloggers made good content as you probably did, the internet will be a lot more helpful than ever before.

  18. Hello there, just became alert to your blog through Google, and found that it is
    really informative. I’m going to watch out for brussels. I’ll be grateful if you continue this in future.
    Many people will be benefited from your writing. Cheers!

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…