بريد

 سلمى صديق :

البدايات دوماً مرهقة ، عندما يكون علي أنا أن أخطوها ، مؤلمة هي عندما نخطوها بعيداً عن مكان ألفناه ، و خانق هواء تلك البدايات رغم نقاءه ، فرئتي ما أعتادتا على غير ذلك الهواء الملوث ، مجهدة البدايات تجعلنا نركض كالأطفال خلف كل فرصة للمضي قدماً ، و صارمة حين تضع أمامنا و بقدر يفوق عزائمنا و بكثير من القسوة المزيد من العقبات ، تجبرنا وهي تضحك ساخرة لنبحث عن ذلك الحب داخلنا ، و نصدم حين لا نجده ، أو تكون أول نظرة نلقيها إليه وهو يذبل ، تراكمت عليه الكثير من أتربة التأجيل ، والتسفيه ، ليس بي الكثير من الأحزان ، و لا أذكر أني لاحظت أي هم يختبئ بين حناياي ، فأنا فارغ تماماً ، فارغ من كل شئ إلا الأماني و البقع المنتظرة لشيء من الشعور يسكنني ، وهكذا يجبرني ذلك الفراغ داخلي على الإستيقاظ مبكراً ، فربما ألتقط شيئاً من الإمتنان الذي تفيض به أصوات العصافير المغردة صباحاً ، أو ربما تلقي أشعة الشمس الناعسة علي بشئ من سحرها فأغدو يسكنني النشاط ، أو قد يختار ركب من نسيم الصباح لعب الغميضة داخل قلبي ، أو ربما أو ربما ، و هكذا كنت أخبر جميع جوارحي كلما أطل علينا الصباح خجلاً ، حتى غير ذلك اليوم كل شئ .

 تجاهلت ذلك اليوم كل ما كان يقوله الجميع عن أنه لا شئ يحدث بسرعة ، وأن لا حب حقاً يأتي من أول نظرة مطولة ، وفكرت ربما كانت تلك الأقاويل غير صحيحة ، كما الكثير من التي يعتنقها بني البشر ، ذلك اليوم وقفت محدقاً بها ، وبداخلي إصرار أن استشعر ذلك الجمال الذي يسكن قلبها ، رغم نظراتها اللاسعة المحذرة ، إلا أنني لم أكترث لغضبها ، إنها صغيرة لم تقابل في مجرتنا هذه من يراقبها بهذا الشغف ، و هذا العمق ، ربما تشعر بالخجل ، أو ربما أصابها الخوف لأنها تعلم أنني إذا واصلت النظر سأدلف الى جوف قلبها و سأدري ما الذي تخفيه حين تدور في كل مكان و اللامكان .

لم يكن ما رأيت شيئاً غير ألم عتيق ، ألم بطعم الصمت و هدهدات الصبر ، شيء من الحزن أيضاً كانت ترسله مع أشعتها ، و الكثير من الرجاء ، في ذلك اليوم ، وذات نهار سألتها : لم كل هذا الحزن و الألم ؟ إبتسمت وقالت : نجمي الوحيد ، يدور في مجرة بعيدة ، وأنا لا استطيع التخلص من تعلقي بكم ، أود لو أستطيع حتى لو أستطعت لا أظن الأرض ستفلتني . و لا زلت تبتسمين ، كان هذا أول سؤال يخطر على بالي ، لم تجب و طفقت تدغدغ غصناً بدأ يذبل ، و أيقظت أوراقاً خضراء من قيلولتها ، و كأنها كجميعنا تهرب من إجابة ستفتح الباب للكثير من الإنفجارات داخل قلبها ، صمتت و كذلك أنا ، و لكنني فجأة سألت : أتحبين ذلك النجم كثيراً ؟ كان سؤالي مفاجئاً جداً ، فالإضطراب كان واضحاً عليها ، هاهي ترتجف وأشعتها تتساقط على كل مكان ، أجزم أنها فكرت في الهروب إلى المغيب . و كما لم أتوقع أجابت بهدوء بعد أن لملمت شعث شعاعها : حتي أنا لا أدري ، إنني أراه يلمع من بعيد ، و بداخلي شيء يريد أن أكون بالقرب منه ، كم سيكون رائعاً لو كنا ندور بنفس المدار ، أتساءل كم مرة يشرق على كواكبه ، و كم من الدفء يمنحهم ، أتراه أزرق اللون كما أراه ، أم يحمل الكثير من الألوان ، أتراه يلمحني ، أم أنه مشغول بنجمة تدور بنفس مداره ؟؟؟

صمتت فجأة و نظرت نحوي ، كنت مذهولاً ، كان الشعور بالسوء يغمرني فبعد كل شئ نحن من يحول بين عاشقين ، إننا نبقي الشمس في مدارنا حتى لا نتجمد برداً ، وكأنها غاصت داخلي ، إتكأت على غيمة و قالت بصوت مبحوح : الخوف من النهايات هو ما يسيطر علي الآن ، ماذا لو غادرت الأرض ، ملايين الإبتسامات ستموت ، ماذا سيحدث لمجرتنا الصغيرة ، ستنقلب أحوالها ، ستحدث مغادرتي الكثير من الآلام ، والإختلالات التي لن تصلحها عودتي بعدها ، ماذا لو لم تكن رؤيته تستحق كل هذه التضحيات ، ماذا لو كان يحب نجمة أخرى ، او كان متغطرساً ، ماذا سيحدث إن ظن أنني املك ما يكفي من الأنانية لأتخلى عنه ما دمت قد تخليت عن مداري ؟؟

حديثها بث الرعب في داخلي ، ماذا لو كان ما نركض لأجله لا يستحق المحاولة ، ماذا لو غادرتنا ذات يوم ، أتعود خصل بيلما * الذهبية تلمع ، هل سيشبه العشب أخضر اللون عينا بيلما مجدداً ، هل سيتحمل أبي كل ذلك البرد ؟ كان الأمر أكثر مما يمكنني التفكير به ذات يوم ، لكن مجرد التفكير في أنها تعاني لأجلنا ، جعل كل تلك الكلمات تتقافز من ركن بعيد في قلبي الى مسامعها : إننا لا نستحق أبداً عطفك هذا ، لا بأس لو غادرتنا ، يجب أن نتدبر أمرنا ، و لا بأس إن لم يكن كما توقعت ، ربما يكون نجمك أفضل ، ربما يكون يشع بالأحمر أيضاً ، الدوران بالقرب منه يستحق الكثير من التضحيات ، أن تكوني هائمة بين المجرات تبحثين عن مجرة تفتح أبوابها للمحبين ، خير من أن تبقي نادمة طويلاً لأنك لم تتبعي حبك يوماً . نظرت نحوي و إبتسمت ، كانت تحاول تخفيف حماستي قائلة : لا يمكنني أن أترك كل شئ فجأة ، ربما سأبدأ رحلة البحث عن نجم لأجلكم ، و عندها يمكنني أن أغادر. إبتسمت و قلت : عليك أن تسرعي ، فالجميع يشكوا من أن أنك تسعرينهم مؤخراً ، إفعلي ذلك و إلا طردت .

مضي شهر الآن ، أعلم أنها لا زالت تدرب ذلك النجم الصغير ، تخبره كيف يسطع علي شعر بيلما ليزيده لمعاناً ، و كيف يوقظ الأزهار بخفة حتى لا تفزع ، و كيف يرد علي تحية العصافير المغردة ، ربما بعد عام ستبدأ رحلتها نحو نجمها البعيد ، و ربما تنتهي انانيتنا مع بداية ذلك العام .

 

___

 

* بيلما : إسم في البوسنية يعني نور الشمس ، و في التركية يعني اللطف و اللين و الرقة

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…