preview_html_m35c06d93

الكاتب: محمد النوراني
(قصة حائزة على شهادة تقديرية – جائزة الطيب صالح للشباب في القصة 2014)

**

صرختْ عجلات حقِيبتِها القِماشيّة تحت وطأة صلادة و قسوة الإسفلت , فشدّت بكفّها على مقبض الحقيبة لتبعثَ فيها طمأنينة كما يفعل كل رفقاء السفر مع بعضهم . الميناءُ البَرّيّ كان نائماً سوى من بائعات الشاي تَرقُصُ نيرانُ مواقدهنّ على نسمات الفجر الذي بدأَتْ مراسمُ استيقاظه. يدٌ تحْملُ جيتارها والأخرى تُصافِح الحقيبة, وقلبٌ يَرتعِش.

قِصّتُها مع الحقائب لا تنتهي, فقط تَختلِف الأمكنة ومسارات الرحيل, مطار الخرطوم… مطار تورينتو… مطار جدّة… الميناء البري…كلها تحشد روحها بالذكريات , تصرُخ مُعلنة أنّها على وشك تغيير مسارها . نثار الروح على ذيول السفر, والخاطرة مسافة خدش في الذاكرة , وها هي على أعتاب رحلة تُلزمها بأن تضع نجمة أخرى على التقويم , الرحيل إلى الامتياز في المناقل في الأول من ديسمبر , رحيل بذاكرةٍ عجوز وقلبٍ تصلَّد .

الفتى مفتوح الأزرار زجّ بالحقيبة في جوف الباص ومد يده نحو حقيبة (الجيتار) وفي وجهه نصف ابتسامة, لكنها رَفضت بامتعاض وأمسكَتْ بالحقيبةِ السوداء… ولسانُ حالها (الأطفال يُحمَلون في مهد الروح ولا يُكدّسون مع الحقائب في قاع الباص المظلم) .

حاولَتْ عبثاً مطابقةَ الرقم في التذكرة مع رقم المقعد… تجاوزَتْ المرأة التي تحاول إسكات طفلها ..لابد في أي رحلة من امرأة تُحاوِل إسكات صبيٍّ يصرخ بلا انقطاع , تجاوزت الكهل الذي يحاول إخراج شيء ما من (العرّاقي) تحت الجلباب يحدّق في حقيبة (الجيتار) بنظرة استهجان , لابد في كل باص من كهلٍ يُحدّق في الفتيات المسافرات وحيدات باستهجان . و عبر زجاج النافذة المظلل كانت أعمدة الكهرباء تُهروِل إلى الخلف, ماذا ينتظرك يا (سارة) هناك؟ أي هولٍ هذا الذي تهرول منه حتى أعمدة الكهرباء. تُربِّتُ على كتف (الجيتار) في حِجرها ليُطَمّئن كل منهما الآخر. ترفُض النزول من الباص في الاستراحة , لديها سياسة صارمة بخصوص الأكل خارج المنزل – و خصوصاً في السفر – (عدا البيتزا في شمس الربيع الدافئة عند ناصية الشارع وسط حي ميسيساغا* وسط العاصمة الكندية حيث يَتجمّع السودانيون كزهراتٍ اجتُثّتْ من الأرض لتُوضع في باقة في كفّ عروس , هي الآن مغروسة في الحقل تماماً .
بأعصاب باردة وبفتحة لا تتعدى الغرزتين حتى في أعقد العمليات كانت أصابعه تتحرك كراقصات الباليه, إلّا الجرح الذي تركه في قلبها. كان جُرحاً لا يَلتئم كأنما صنعه مِبضعُ جرّاحٍ مبتدئ, جُرحٌ عموديٌّ على عضلات الجسد , ذلك النوع الذي لا تَعُود الأنسجة بعده أبداً كما كانت, لأنه ببساطة يقتل الوظيفة التي خُلِقَتْ من أجلها .أن تثق في بعضها وتتعاون , كان جرحاً عمودي على اتجاه نُموّ الأحلام البريئة.

بعد حوالي الشهر استَقبل قِسْم الجراحة طبيبة امتياز جديدة, تبدو متوجسة . مشهد الجنود يَبعث فيها كل ما هو مخيف, وتَحمِلُ ذكريات مؤلمة عن البمبان والعساكر بلا شك…. استقبلها (د. محمود) بترحاب وابتسامةٍ عريضةٍ واثقة.

و مع حضور الضيفة الجديدة أصبحت (سارة) خارج اهتمامه تماماً . بدأتِ ساعتها تُدركين سرّ نظراتِ الازدراءِ أو الشفقة من زميلاتك. يُخبِرنَك قصص المواساة أن (محمود) دَرَجَ علي إستقبال الطبيبات الجديدات بحفاوة طفل تلقي لعبة جديدة , قبل أن يَملّ منها و يرغب عنها إلى غيرها . البعض كان يقول إن (د. محمود) زير نساء, ينصب شِباكه حول طبيبات الامتياز في قِسمه ثم يغادرهنّ محطمات ولا ينسى أن يحول فترة بقائهن في المستشفى إلى جحيم .البعض الآخر كان يقول إنّه مجرد نائب أخصّائي آخر يحمل الكثير من صرامة و إلتزام من يتعامل مع أرواح المرضي وأن الطبيبات هنّ الحالمات, صحيح أن علاقاته لم تكن تتجاوز الشاي في أوقات الراحة و ربما بعض رسائل أدعية الجمعة علي الجوال . لكن هو قلب الأنثي , حيث الجراح العاطفيّة أكثر فجاعة من جراح الجسد , وحيث الفِطام مخاض قاسي .

أصبحَتْ تمقُتُه في صمت , ولاحقا وِسادتُها في سكن الأطباء المُلحق بالمستشفى سترتوي بالدموع. لساعاتٍ طويلةٍ أمسكت بالجيتار وضربَتِ الوتر العلوي فقط ليُصدِر حرفَ موسيقى حزين . مع مرور الأيام أصبح (د. محمود) لا يطاق.. يصرخ لأقل الأسباب يَتجاهل (سارة) بشكل فظّ عندما يتقابلان في أي من ممرات المستشفى.. فقط في الاجتماع الصباحي يَتوقف ليُخبر الجميع أن يلتزموا بتوجيهاته ولا يتحوّلوا إلى سارة – التي لا تصلح لأن تكون مُمرّضة حتى على حد تعبيره.

مضتْ أيامها مؤلمة ورتيبة في محاولة البقاء خارج نطاق إساءاته حتى اليوم الأخير في آخر شهر من مناوبة الجراحة . يومها استقبل المستشفى حادثاً مرورياً بشعاً , الكُل كان يركض في كُل اتجاه , عشرة أجساد تَنزُفُ بحماسٍ وتَهوي نحو الموت… عندها وَجدْتِ نفسكِ تُؤدّينَ دورَ مُحضِّرِ العملية.. تُرى هل تعمّدَ إذلالك بأن أوكل لك مُهمّة المُمرّضة؟؟ أم أنّ المُمرّضات كُنّ منهمكات.. يُسعِفنَ المصابين المُكدّسين في مقاعد قسم الحوادث. هل ستفتقدينه؟ هل ما زلت تحبّينه؟ هل تكرهينه؟. يصرخ بعصبيّة: (يا دكتورة… ركّزي هنا…). يَصرُخ في عصبية: (شاش..أوقفي النزيف) تُجفّفين الدّم المُتجلّط ليكشف عن شريان مهترئ , لكنّ رقصة الباليه عادت من جديد! , ما هي إلا لحظات حتى أعاد (د. محمود) وصل الشريان.. توسوس نفسك ( تُرى هل يعيد وصل ما انقطع بيننا أم هو محض , وهمٍ شربَتْهُ الأيام الخوالي, تماماً كما تَمتصُّ قطعةُ الشاشِ الدّمَ المتخثر؟… (هل أَحَبّني حقاً؟!) تحدثين نفسك . انتزعها صراخ (محمود) : (يا غبية,ركّزي هنا, أحسبي قطع الشاش.. بكم قطعة بدأتي العملية؟ ما تنسي قطعة داخل الجرح , أصلاً ما تنفعي ﻻ دكتورة ولا ممرضة تحضِّرْ عملية ! ).

كلماتُه أصابتكِ في مقتل. خُدِش وريد الكبرياء بداخلك فنزفَتْ دمعةٌ امتصّتها الكمامة. أجبتِ دون وعي : (لا يا دكتور تامّة).

السوق الشعبي ,موقف الباصات عند مدخل مدينة (ود مدني) كان محطّة أخرى تضاف إلى الذاكرة يا (سارة) , تَحشُرين جسدك في (الأتوز) المنهكة في سعيها اليومي بين مدني والمناقل . السائق أيضاً يَنظُر لحقيبة (الجيتار) ثم يَنظُر لك بنظرةٍ تَجْمع بين الدهشة والازدراء.. غالباً ستكون الفتاة حاملة(الجيتار )جزءاً من حوارِ جلسته المسائية جوار ستّ الشاي مع بقية السائقين . سكنُ الأطباءِ مُلحَقٌ بالمستشفى . ليس جناحاً في فندق وليست مرتعاً للفئران كداخلية الجامعة .

المستشفى نفسه كان مدرسة متوسطة أُضيف إليها مبنى من طابقين , يتم افتتاحه أكثر من مرّة بعد أن يُعاد طلاؤه في كل زيارة من شخصية مهمة للمدينة .. مُجهَّزٌ إلى حد معقول بالنسبة لوضع المدينة ككُل.

تُعلّقين (الجيتار) على شماعة الملابس , وترمين بحقيبتك كمرساة ثقيلة مُعلِنةً وصولك إلى مرفأ مؤقت… وتفتحين النافذة المُطلّة على المستشفى , كان الوَسَن قد مسَّكِ إثر الرحلة الطويلة فخلدْتِ إلى النوم.. نامي يا (سارة).

للأماكن الجديدة وحشة تُعلِن عن ذاتها بشكل صارخ عندما تستيقظين من النوم في أول يوم , تحاولين إعادة تشغيل معزوفة الواقع تبحثين عن آخر نوتة عزفتها أصابعك , وتبدّدَتِ الوحشةُ مع رؤية حقيبة (الجيتار) المُعلّقة في شمّاعة الملابس.

انقضى اليوم الأول في إجراءات الالتحاق بطاقم المستشفى وتسليم خطاب الوزارة والتعرف على الزملاء والأخِصّائيين . وقد بدا لها المستشفى هادئ الطابع على عكس مستشفى الشرطة بضُباطه وجنوده وازدحام العاصمة . الكُل يعرف دوره بالضبط، حتى الحالات كانت مكررة ما بين حُمّياتِ الملاريا والتايفويد ومشاكل الكلى وكأنّ المرضى يلتزمون بقائمة واحدة من الأمراض, في الواقع الباعوض هنا سيّدُ الموقف بلا مُنازع؛ النُّدوب على ساعدها من الليلة الماضية تُجبرها على الاعتراف , بذلك.

لم يكن هناك نُوّاب أخصّائيين أوغاد , فقط أخصّائي الباطنية المسؤول عنها حديث التخصص , لطيف المعشر لديه قدرة هائلة على تبسيط المعلومات وطرحها بشكل جيّد إضافة إلى أنه لم يكن يبخل بدعوة لكُلّ فريق أطباء الامتياز لشاي اللبن مع (الزلابية) بعد المغرب كل يوم, من الواضح أنه يُنفِق مُرتّبه في تسمينهم كما يقول مازحاً.

مع انصرام الأسبوع الأول كانت حقيبة (الجيتار) معلقة في الشمّاعة كما هي , حتى أن عنكبوتاً جريئاً نسج خيطاً واهِناً قطعَتْهُ (سارة) عندما شدّها الحنينُ للعزف في أمسية الخميس. حاولَتْ مع معزوفتها المعتادة فأصدرَتِ الأوتارُ صوتاً نشازاً.. حاولَتْ مرّة أخرى بعد أن عدّلَتْ وضع أصابعها على زند (الجيتار) وحاولَتْ عزف مقطوعة أخرى فازداد الصوت نشازاً , تُرى هل أسبوع من العمل كفيل بأن يمحو ذاكرة رقصات الأصابع الرشيقة بين الأوتار؟! أعادت شنق (الجيتار) على شمّاعة الملابس وغادرت الغرفة و قد كَسى مُحيّاها ضيقٌ واضح.

الوجود سيمفونية أخرى.. تتوزّع مقاماتها بين أبواق القطارات المسافرة ونداءات الطيور المهاجرة في الخريف والرعد ودندنات الأمّ عند مهد صغيرها. كُلّ ذلك وأكثر, لكن المشكلة الكبرى أننا نستمع إليها مرة واحدة فإما أنْ نُرهِف السمع والبصر أو أن تنقضي حياتنا ولا يَسكُن مخيلتنا سوى الضجيج. والسِّمة الكبرى أننا لن نعرف أبداً ما هو اللحن القادم.

ولم تعرف (سارة) أن الأوتار تُبيّتُ النية للانزلاق في نوتة مثيرة !. مساء الخميس يتضمن طقس الجلوس في فناء المستشفى, الشاي,الزلابية ,الدعابات… حكاوي الأخصّائي التي لا تنتهي عن حماقات الجامعة.. النميمة المعتادة عن تَقلُّص ميزانية صيانة المستشفى المتزامن مع إعادة طلاء بيت المعتمد وتشجير مدخله بنخلة عملاقة. وارتفعَتِ النوتة الموسيقية عندما صاح الأخصّائي … (مرحب يا هندسة!! ) هذا الوجه مألوف, كان مرافقاً لوالدته في العنبر طوال هذا الأسبوع , ويبدو أنه معروف للجميع عداها . فيما بعد لاحظت (سارة) أن الشاب في أواخر العشرينات من عمره لا يخلو من وسامة وإن كان حضوره في الجلسة يَحمِل غموضاً مُحبّباً ,صامتاً يتجاوب مع القفشات بابتسامة هادئة قبل أن يرشف من قهوته بأناقة , اسمه (قرشي) يَعمَل بشكلٍ مؤقت في محطة كهرباء المناقل القريبة من المستشفى. الأخصّائي زاد من ارتباكها حينما علّق مُعرِّفاً : (دكتورة (سارة) يا هندسة… طبيبة جديدة معانا في امتياز هنا… كانت وردة في أول يوم, لكن بعوض المناقل منه لله)…

جفلَتْ مع كلمات الأخصّائي لكن يده احتضنَتْ كفّها وهزّتهُ بهدوءٍ و هو يقول: (اتشرفنا يا دكتورة.. ربنا يعينك ) . طلب منه الحضور أن يُغنّي لكنّه اعتذر بأنه متوعك قليلاً منذ يومين إضافة لأنه لم يُحضِر معه العود , هنا تدخّلَتْ يدُ القدرِ لشيءٍ ما كان ليَخطُر على بال (سارة) . و هو أن الناس في الريف يملكون صفاء الذهن لمراقبة التفاصيل أو ربما التفاصيل نفسها لا تملك ضجيج تلك التي في المدينة. لذلك كان مشهد( سارة ) وهي تَدخُل إلى المستشفى وفي صحبتها (الجيتار) مشهداً انطَبع في ذاكرة كُلّ من شاهدها ولكنه أعلن عن نفسه حينما اقترحوا عليها أن تَجلِب (الجيتار) ليُغنّي (قرشي( . و ارتفعَتْ نغمةُ السعادة لتَبلُغ طبقاتٍ تُشبه صوته الرخيم عندما أعاد ضبط أوتار الجيتار بحرفيّة تدُلّ على أنّه يُجيد لغة الكون بامتياز . وفي غرفتها ذلك اليوم أعادتْ عزف كل النوتات التي تَعرِفُها وتذكّرَتْ كلمات الثناء التي منحها إياها بعد أن استمع لعزفها . إذاً أَصلَح (قرشي) أوتار (الجيتار) وأفسد الأوتار على جانبي وجهها إذ لم تستطع أن تكف عن الابتسام تلك الليلة . كلماته بدَتْ لها تعويذة ضد الباعوض .

) الحُبّ القديم وَشْمٌ يُمثّل رُتبة أخرى في مدارج العشّاق, وكلما ازداد عدد الوشوم استحققْتَ أقدميةً تُحصنُك ضدّ الخيبات وتَسكُب فيك قُدرة خرافية على الاستلذاذ بالحُبّ) هكذا همسَتْ خواطر (سارة) وهي تقف بين ندبة (د. محمود) القديمة والسراب المتراقص في (قرشي) وسرعان ما انقطع خيط التردد كـ (رحطٍ) واهن لتعاود إحياء طقسِ التأمُّل في الغيمات الكسولات عبر نافذتها كل ليلة.

زياراتها المتكررة لأُم (قرشي) حتى في أيام عُطلتها أصبحت صلاةً راتبة . الوالدة التي تبدو تماماً كالوالدات في قصص الأطفال لم تدّخِر الدعوات بأن تنال (سارة) الرِفّقة الصالحة , مُعلّلة ذلك بأنها طبيبة بنت حلال ومردفة امتناناً خاصاً لابنها (قرشي) الذي ما أنجبت بطنها خيراً منه ; لذلك يَستحِقّ العفو. رِضى الأم عن اتّساق القلبين كان أشبه ببخور العود الذي يفنى في مِبخر المسجد فيَسكُن المصلين بلا استئذان. هو عاملٌ مُساعد على التأكسد أو التنفّس. وعندما لاحظتْ (سارة) أنها بدأتْ تناديها (يُمّة كيف أصبحتِ) علِمَتْ أنّها تورّطَتْ في هذه النوتة الموسيقية تَورّطَتْ تماماً.

يحمل يوم الجمعة امتيازاً خاصاً لكل الذين يعملون في مدن أخرى بعيدة عن سكنهم الأم . طقوسُ التسوّق ومحاولة إجراء حوارات مع وجه المدينة الآخر, شوارع السوق العَطِنة التي تنمو فيها الأكياس كما الحشائش, سائقو الركشات الذين لا يكُفّون عن الصراخ, بائعاتُ البُهاراتِ اللاّئي يَعلَمُ الله وحده ماذا يبِعن , الصِّبْيةُ المهرولون خلف درداقاتهم ويبذلون جهداً خُرافياً حتى يُفسِحوا مكاناً لجولاتهم في أزِقّة السوق المزدحمة, لذا كان طقساً لا يرتبط بالضرورة بحاجة الشّراء المباشرة , وإنما تجربةُ السوق صباح الجمعة تُقصَدُ لذاتها . إضافة إلى طقسٍ آخر هو إعداد إفطار – بلدي – يحاكي وجبات الأمهات في البيوت السودانية بعيدا عن وجبات (الميز) المملة, أو قل محاولة لتهدئة الخاطر المشتاق لدفء البيوت . لذا غالباً يَفرُغُ المستشفى والسكن صباح الجمعة من الأطباء. كُلّ ذلك كان يزيد الوحشة في قلب (سارة) لذا أصبحت تُفضِّلُ الاستيقاظ مُتأخّرة مع مواعيد الإفطار بعد عودة الزملاء, لكنّ ضجّةً تَختلطُ بعويلٍ أيقظتها مُنقبِضة القلب. ثم طرقَت المُمرّضة الباب بتوتر, لتُبْلِغها أن الأخصّائي يطلبها على وجه السرعة. في العيادة كان (قرشي) متكوراً على نفسه ويداه تمسكان بمعدته ويتقيأ بلا توقف وهو يَرتجفُ بشدّة , و العرق يتصبّبُ من جسده ليصنع بقعة واسعة على قميصه رغماً عن أنف المُكيِّف الجديد. مؤشراتٌ يَعرِفُ أصغرُ طبيب امتياز أنّ هناك صديداً ما يتجمّعُ في مكان ما في جسد المسكين .

من بين أنفاسه المتلاحقة وصرخات أُمّه استخلصوا بصعوبة أنه مرّ قبل شهور بعملية جراحية إثر حادثِ سير شارف فيه على الهلاك لكنها مرّتْ بنجاح. دقائق مرت وكان جسده مُسَجّىً على طاولة العملية وقد اجتمع كُلُّ الموجودين في المركز وهُم طبيبُ التخدير والجرّاح ومُمرّضة واحدة والاخصائي و (سارة). لسَدّ غياب الطاقم المصاحب للعملية المتسكِّع في جنبات السوق .

تحت تأثيرِ المُخدِّر انتظمَتْ أنفاسه الواهنة. و عُرْفُ الأطبّاء يقتضي بألا طبيب يُجْري جراحة لفردٍ مِن أُسرَتِه أو من أصدقائه . هذا قانون يعرِفه كُلّ طبيب اضافة إلى أن يدي (سارة) المرتجفتين ونميمة المُمرّضات فضحتا مدى قربها من الحالة – و دَفَعتا الجرّاح لصرف (سارة) من غرفة العمليات مع وعد بأن يبذل قصارى جهده.

بعد نصف ساعة خرج الجرّاح بحثاً عن النيكوتين , ليجد (سارة) المُتلهّفة تَقِفُ قبالة الباب وهي تبكي , بحرْقة سَرَدَ عليها ما حدث .. عبْر فُتحةِ المَرْيَلةِ شاهد طاقم العمليّة ندبة جراحة قديمة تمتد لبوصة واحدة بالضبط, لتشي بجرّاح ماهر, وما إن بدأ مِبضَعُه بِشَقّ الأنسجة حتى فاحتْ رائحةُ الصديد النتنة. نصفُ ساعةٍ من الضغط والتنظيف وعشرات قِطَعِ الشّاش قبل أن تَبْرُزَ قطعة شاش سوداء وقد أصبحت جزءاً من الأنسجة. نسِيَتْها طبيبة امتياز مرتبكة منذ شهور لكنّ الجرّاح لن يعرف ذلك أبداً. تعرفه (سارة) فقط .

سَحقَ الجرّاح بحذائه ما تبقّى من السيجارة ,وذهب ليُكْمِل تقطيب الجرح.. دون أن يَعِدَ الوالدة المُلتاعة بشيء . هو يَعلَمُ تماماً أنّ المسكين تناول عدة أقراص من الإسبرين لمقاومة الحُمّى ليصنع – دون أن يدري – أكبرَ عائقٍ يواجِه الجرّاحين؛ دماً ذا قُدرةٍ منخفضة على التجلُّط . ستكون مُعجِزة لو عاش هذا العازف البارع!.

في الممرّ المقابل لغرفة العمليات كانت (سارة) ذاهلة , تَعصِف بها الهواجس.عن أنامل (د. محمود) التي أنقذَتْ حياة (قرشي) ذات مرة. عن الوالدة الغارقة في البكاء التي لن تَغفِر لها خطأها في عدّ قِطَعِ الشّاش إنْ هي همسَتْ بالسّر ,هواجس عن مُحاسبة المجلس الطبي التي ستَئِد حُلمها البِكْر بأن تكون طبيبة ناجحة , تَرتجفُ (سارة) في هلع و تُحاول أن تتذكّر, هل كانت عَشرة قطع شاش أخطأَتْها لتسعة أم كانت إحدى عشرة؟ هل سيُقفَلُ الجُرْح وما زالت قطعة شاشٍ أخرى مختبئة؟ لكنّها لم تجِد إجابة. وتماماً كما كانتْ تفعل في الرّوضة حين يَصنع الأطفال دائرة حولها ويحاصرونها بغِنائهم وهي تقف عاجزة الحيلة. وقفَتْ وحيدة تدفن وجهها في كفيها و تبكي في حرقة والهواجسُ تَنهشُ روحها بلا هوادة.

تــــمـــت

____________

هوامش

* حي ميسيساغا – تورينتو – كندا ..يشتهر بالجالية العربية الكبيرة ويعيش فيه عدد كبير من المهاجرين السودانيين.

** أنشودة يغنيها الأطفال لإغاظة من يحملن اسم سارة

تعليقات الفيسبوك

تعليقان

  1. I enjoy you because of all your valuable effort on this website. My daughter enjoys conducting internet research and it’s really obvious why. All of us notice all concerning the compelling medium you give important secrets by means of your blog and encourage contribution from other people on this idea so our own simple princess has always been learning so much. Take advantage of the rest of the year. You’re the one conducting a very good job.

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…