حسين

حسين إدريساي :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا 

1-

لطالما هفت نفسي إلى مرحلة الطفولة

تلك الحقبة الزمنية العذبة

حقا لقد حبا الله الأطفال بصدق المشاعر

فإن الطفل إذا تألم بكى في الحال

ثم لا تلبث أن تضيء وجهه تلك الابتسامة

الملائكية الجميلة الأخاذة

بعد أن عبر عن مشاعره بكل

صدق وطهر ونبل

وحتى سنوات قليلة مضت

لم أنقطع عن زيارة المنتزهات العامة

لأشاهدهم وهم يلعبون في أمن وسلام

أراكم تنظرون إلي بعين الاستخفاف كأن لسان حالكم يقول

الآن بعد أن تقوست هامتك وتكلم الشيب في رأسك

شعرت بالحنين ألديك متسع من الوقت

لتضيعه على هذه الوحوش الصغيرة!!

ولكنني أقول لكم يا أصدقائي

أنني لازلت طالبا في مدرسة صدقهم وطهارتهم

أرتشف من رحيق براءتهم

وأتعلم منهم وهو شيء لم أجده في قسوة الكهول أو غطرسة وغرور الشباب

………………..

2-

في ذلك اليوم قادتني قدماي إلى الحديقة العامة

لاشيء جديد لازال نهر من النقاء يتدفق لم تدنس طهرته الدنيا بشرورها وبشاعتها

لكن ما لفت انتباهي حقا طفلا ينزوي في ركن قصي

لا يشارك البقية لعبهم وضحكهم

بل يكتفي بمشاهدتهم ببرود

وهو جالس على المقعد فاتجهت إليه

ونفسي تحدثني أن وراء هذا الطفل أمرا

اقتربت منه وجلست بجواره ثم حييته

فرد التحية بابتسامة وادعة

فابتدرته قائلا : لماذا لا تشارك الآخرين اللعب؟

قال: إنني أهوى مشاهدة التلفاز ولا أهوى الركض كالكلاب الضالة

 أو اللعب مع آلات جوفاء!!

قلت له: ومالذي أعجبك في التلفاز؟

وشعور خفي بالخطر يتنامى في أعماقي

 قاطعني قائلا:

 ليتك رأيته!

قلت: من؟

قال: السوبرمان الذي يطير بسرعة البرق

ويفعل المستحيل

وينقذ الأبرياء

قلت مبتسما: هل هو قوي؟

قال: أجل

قلت : وما مقدار قوته؟

قال: يالجهلكم أيها الكبار وتدعون أنكم تعرفون كل شيء

كل طفل هنا يعلم أن قوة السوبرمان لا حدود لها

هنا سألته بغتة : هل تصلي؟

قال لي: ليس دائما فأنا في التلفاز طوال اليوم

قلت: ألا يزجرك والداك إلى الصلاة أولا ينتهرانك؟

قال لي: وأين هم؟

فأبي في الدوام وأمي إما مع الجيران

أو في السوق وعندما يأتيان في المساء يستلمان التلفاز وأصعد أنا لأنام

ثم أردف وهو يهمس: هما أيضا لا يصليان!

هنا قلت له مسيطرا على أعصابي في شدة: هل تعلم أن هناك من هو أقوى بمليون مرة

من سوبرمانك هذا

وهو مع قوته الجبارة هذه رحيم غاية الرحمة وعطوف بنا

وبجميع الكائنات الحية

هتف مبهورا: ومن هو؟

قلت: هو الله الذي لا إله ولا معبود بحق إلا هو

خالقنا وخالق هذه السماوات السبع وخالق هذه الأرض

وجميع هذا الكون ولو شاء لخسف بيتكم بالأرض أنت ووالداك

لأنكم لا تصلون له

ولكنه رحمن رحيم

قال لي: ولكن السوبرمان يطلق شرارا من يده!

هنا طفح مني الكيل بحق

وصرخت فيه قهرا وكمدا: اللعنة عليك وعلى سوبرمان

هنا قفز من المقعد مرتعبا باكيا

وصاح بي بعد أن ابتعد قليلا لسوف أشكوك إلى سوبرمان!!

أجبته وأنا أنظر إليه بتحد:افعل!

فهتف بصوت عال

أنقذني ياسوبرمان!!

فوقفت وفردت يدي قائلا لقد خذلك ولو كان كفؤا

لأنقذك مني

قلت له بعد أن تلاعبت الحيرة بقلبه: يا صغيري

إن الله أقوى من جميع الموجودات فاعبده حق عبادته

و لا تنسى صلاتك فهي وحدها سوف تحميك من غضبه وعذابه

هنا ابتسم الطفل في استسلام وقال:

لم يأت!

قلت:ولن يأتي أبدا!!

لقد خاف مني ومن عضلاتي الكبيرة!!

قال لي :إن السوبرمان ضيف وإن الله أقوى وأشد ولسوف أدعو الله عليك

هنا هتفت به مستعطفا:أرجوك لا تفعل

لا تدعو علي!!

ابتسم في دلال وقال: لا تخف سأدعو الله لك بالخير وهمس في عرفان:

شكرا لك

قلت: أشكر الله

قال بصدق: شكرا لك يا لله يا خالقي يا قوي

ونهض مودعا إياي

فتابعته بحنان وهو يغادر

وقلت في نفسي: لقد انتحبت المساجد وحلقات تحفيظ القران

إنها حقا تفتقد هذا الجيل الحالي من النشء والأطفال

فما ضير أهل ذلكم الطفل إن أدخلوه تحفيظ القران حتى يعرف الله حقا ويرى آياته وقوته

وعظمته

وينشأ في طاعة الله

إنهم حقا لا يعرفون الله

لقد أورقت العفونة المادية الغربية في قلوبنا

جميعا كما أورقت في قلب ذلكم الطفل الصغير وتذكرت

على الفور السوبرمان اختراع شياطين الأمريكان

وأفلام الكرتون فدمعت عيناي حزنا من هذا الواقع الأليم

…………

3-

عندما تربع العجز في صدور وقلوب الكثيرين

لجأ الناس إلى التفكير في نظرية السوبرمان

أو الرجل الخارق الذي سوف يحل مشاكل العالم بأسرها وسوف يغير كل شيء

وتناسوا قدرة الله عز وجل

التي وسعت كل شيء

ما هذا الهراء الذي يعرض على شاشات التلفاز

ليلوث أدمغة أطفالنا

وأين دور الأب والأم في هذا الجانب

أم هل هم مجرد أسماء تكتب في الأوراق الثبوتية

وجوازات السفر

وليس لهم جانب تربوي عظيم تجاه أبنائهم وأطفالهم؟

ويل لكل أب وأم قصر في حق أبنائه وأطفاله

 

ستكتب شهادتهم ويسألون

ستكتب شهادتهم ويسألون

تعليقات الفيسبوك

لا توجد تعليقات

  1. إنهم صواب من قبلهم ..

    ونحن خطأهم الفادح ..

    والقادمون نتاج لافكارنا ؛ فاتمني ان ننجح ..

  2. إنهم صواب من قبلهم ..

    ونحن خطأهم الفادح ..

    والقادمون نتاج لافكارنا ؛ فاتمني ان ننجح ..

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…