9999

**

يبدأ الفيلم من خلال أول نصف ساعة منه تقريباً بعرض واقع مدينة بوسطن، الناس فيه قسميَن:

ضحايا: الأطفال الذين تعرضوا للاعتداءات الجنسية وذويهم.

جُناة : رجال الكنيسة.

المفروض في حالة كهذه -واضحة الطرفين- أن يتم الاحتكام بينهم بالقانون ليأخذ الضحايا حقهم ويُعاقب الجناة. لكن ليس كل ماهو مفترض واقع، فما عليه بوسطن هو أن الجناة لهم اليد العُليا على القانون والإعلام والمجتمع، يد تعمل في الظلام تحاول فيه التخلص من جرمها، فعلى مر العقود قانونياً أخلت وأبعدت كل قِس عن العدالة والناس…

وإعلامياً احتوت الحوادث قبل تسليط الضوء عليها، واجتماعياً أعمت الناس بأعمالها ومساهماتها الخيرية، لتعيش المدينة في صمتٍ زآئف لا يد لها عليه.

هذا الواقع المُحكمُ السيطرة ليس ببعيد عن واقع مجتمعات تسلطت فيها قِوى على الناس، وأفشلت كل محاولة لفك هذا القيد…

هذا القيد احتاج لأشخاص خارج هذا الواقع المحكم، ليس مكانياً فقط بل حتى نفسياً وفكرياً. فكانت البداية بالمُحرر الجديد للصحيفة مروراً بمحامي الضحايا وانتهاءً بفريق Spotlight.

ليدخل بهم الفيلم مرحلة جديدة تغيرت فيها وضعيات فريق spotlight على مراحل:

فالبداية كأي تحقيق صحفي عادي يكشف عن الحقائق التي في الظلام الواحدة تلو الأخرى، ولكنه وصل لنتيجة مفادها أن الحالات ليست فردية بل هي ظاهرة منتشرة بين القساوسة وأن الضحايا ليسوا قلائل بل عدد كبير، وأن صمت المدينة زائف فهو صراخ بلا صوت… هم ليسوا استثناءً من الضحايا فأحدهم مسته الجريمة في اعتقاده والآخر في أحد أصدقائه وتلك التي تشفق على جدتها إن علمت بما يحدث وذلك الخائف على أبنائه من أن يكونوا الضحية القادمة. هذه النتيجة حولت التحقيق من مجرد تحقيق صحفي إلى قضية عامة، وحول الفريق من مجرد صحفيين إلى ضحايا محتملين.

التحوَّل الثاني حدث بعد إجرائهم للعديد من المقابلات مع الضحايا، حيث أظهرت لهم بوضوح آثار الاعتداءات الجنسية على حياتهم وأسرهم على مر السنين. هذا الكشف حوَّل القضية من قضية عامة إلى قضية أخلاقية بها يظهر الخبيث من الطيب، والخير من الشر. وحول الفريق من ضحايا محتملين إلى رُسل وجب عليهم التبليغ…

هذا التحوَّل هو نقطة اللاعودة في نفسية الفريق. فصار فيه إظهار الحق والوقوف مع أهله واجباً ملزماً لهم وحِملاً ثقيلاً عليهم لابد أن يضعوه في مكانه الصحيح. تجسَّد هذا التحول في واحد من أقوى مشاهد السينما على الإطلاق في الحوار الحاد بين Michael Rezendes و Walter Robinson والذي أراه سبب استحقاق مارك روفالو لترشيح الأوسكار للعام الثاني على التوالي.

هذه التحولات هي ما أعطت -ولازالت- تُعطي للصحافة أهميتها، فأحد أدوارها أنْ تكشف عن ما هو في الظلام بفعل فاعلٍ متسلِّط كاسرٍ لكرامة الإنسان ومقيِّد لحريته.

هذه التحولات -أيضاً- هي ما تجعل السينما تحتفي على الدوام بالصحافة وأبطالها وتتوج مجهوداتهم كأحد أنبل الأفعال الإنسانية، وفيلم Veronica Guerin 2003 لـ Cate Blanchett ليس ببعيد…

هذه القرآءة السريعة لجزء من -أفضل فيلم لأوسكار هذا العام- هي قراءة كاسم الفيلم سلطتُ فيها الضوء على طبقة من طبقاته تجعلني أتوقف قليلاً عند أحد الأدوار الأساسية للفن عموماً وللسينما خصوصاً وهو:

أنَّ السينما كفن تشترك مع التاريخ في التوثيق الأبديّ للأحداث، وتفترق عنه في أنه توثيقٌ واعيٍ، يستغل الحرية التي يوفرها الفن في إعادة طرح الأحداث بطريقة تعيد ترتيب المعاني للمتلقي؛ بشكلٍ يبدو فيه الفن كالمرآة يرى الإنسان من خلالها بوضوح ذواته المتعددة الشريرة منها والخيرة، يتنازع معها ويفهمها… بل ويرى أجمل وأنبل ما فيه ويحاول أن يسلط عليه الضوء ويتمسك به ليعود لواقعه أكثر إيماناً بنفسه وبالإنسانية.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

Parasite 2019

هو تتبُّع طويل وقاسٍ للإنسان الفقير، لأفكاره ولنفسيته ولأحلامه، لرؤيته للعالم وللأخلاق، ول…