هو تتبُّع طويل وقاسٍ للإنسان الفقير، لأفكاره ولنفسيته ولأحلامه، لرؤيته للعالم وللأخلاق، وللغِنى، لعلاقته مع الآخر، لوضعه الاجتماعي والاقتصادي. هو عرضٌ للضَّرر الذي سببته أنظمة العالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية؛ فشوَّهته.

ينكشف ذلك في مسار علاقة الفقير بالآخر: الفقير-الفقير والفقير-الغني، بتقابل مستمر بين حال الاثنين في الخارج والداخل، في كل حدث يتعرَّضان له، في شخصياتهما في تصوراتهما، وفي مواجهاتهما مجتمعين.

يبدأ الفيلم بالحدث الأول وهو تعرُّفنا على حال الأسرة الفقيرة تحت الأرض، ثم يتصاعد من بداية تطفلها على الأسرة الغنية لحين تغلغلها في حياتها. يعرض لنا المقابل لذلك: استنزاف الغني للفقير بلا توقف. ننتقل بعدها لذروة الفيلم، للمواجهات، مواجهة عالم ما تحت الأرض بين الفقير-الفقير، ومواجهة عالم تحت الأرض مع عالم فوق الأرض بين الفقير-الغني. هذه المواجهات المليئة بكل أنواع التشوُّه في الفقير والغني. يعود بعدها كل شيء كما بدأ، في خاتمة متشائمة تُبقي الوضع كما هو، وكأننا بنهاية الفيلم سنبدأ دورة تطفُّل واستنزاف وطبقيَّة جديدة.

في الآتي، سأقوم بشيء من التفصيل، بعرض هذه الثيمات وطريقة تجسيدها من خلال عناصر إنتاج العمل:

التقابل:

ويحدث في الفيلم على عدة مستويات، في الظاهر حيث المكان والعمارة والمساحات، وفي الداخل حيث النفس بأفكارها ومشاعرها، وفي الظروف المحيطة حيث تأثيرها على الطرفين، وفي تصورات كل طرف عن الآخر.

ففي الظاهر اتخذ هذا التقابل خمسة أشكال ظهرت شيئاً فشيئاً، ففي البداية -الرقم 1 في الشكل- نتعرّف على الأسرتين، حيث تعيش الأسرة الفقيرة في شقة تحت الأرض، في مساحات ضيقة وبخدمات سيئة، كل حيّز يقوم بوظائف إضافية عليه، وتنعدم فيه الخصوصية، في هذا المكان يحدث فوق الأسرة كل شيء. بينما تعيش الأسرة الغنية في ڤيلا فوق الأرض، في تلَّة، بمساحات كبيرة كافية لكل حاجة ورفاهية، تعيش معزولة عن العالم في دائرتها الخاصة، ويحدث تحتها كل شيء.

الشكل الثاني لتقابل المكان يظهر حينما تلتقي الأسرتان، فلكي يحدث اللقاء يحتاج الفقير دائماً أن يجتهد بكل طريقة عملية في الصعود للغني، بينما يواصل الغني ابتعاده وإبعاده عنه. فبالرغم من وجود أسرة العاملة المنزل -منزل الغني الرقم 2 في الشكل- إلا أن الاثنان يعيشان نفس الانفصال التام، فلا يصعد الفقير للأعلى إلاَّ لخدمة الغني.

الشكل الثالث لتقابل المكان يزيد من صرامة علاقة الانفصال هذه، ويظهر في شكل ساخر وحزين في مشهد ليلة المطر/السيل حيث كانت الأسرتين في نفس المكان -منزل الغني- وفي نفس الطابق، لكن يختبئ كل أفراد الأسرة الفقيرة تحت الطاولة -الرقم 3 في الشكل- وتبقى مستيقظة طوال الليل خوفاً من أن ينكشف أمرها. وحين أتت الفرصة لإمكانية اللقاء وإزالة هذا الفصل، وهنا الشكل الرابع للتقابل المكاني -الرقم 4 في الشكل-، حدثت المواجهة التي كان العنف فيها هو لغة التواصل، لينفصل بعده الاثنان. ولنعود في النهاية لما بدأنا به، كلٌ إلى موقعه -الرقم 1 في الشكل-.

ومن تقابل الظاهر إلى تقابل الداخل سنجد أن الأسرتين تعيشان حالات داخلية متقابلة تجاه كل حدث، ففي مشهد ليلة المطر/السيل كانت الأسرة الفقيرة في غاية القلق والخوف من أن ينكشف أمرها، وهي نفس حالة أسرة العاملة المنزلية في الأسفل. فمع وجود كل أفراد الأسرة الفقيرة تحت الطاولة، تزيد تعليقات الأب الغني من إحساس الذل والإهانة لديهم. بالمقابل نجد الأسرة الغنية في غاية الفرح وهي تلعب مع ابنها، وتوفر له كل الدعم والحماية والأمان، ويزداد التقابل هنا عندما يمارسان الجنس بكل متعة فوق الأسرة الفقيرة مباشرةً.

يصل هذا التقابل ذروته في شكل آخر صبيحة اليوم التالي، في مشهد المواجهة، نرى كيف أن الأسرة الغنية كانت في قمة قوتها النفسية والمادية فهي سعيدة بهذا اليوم الذي رتبته لابنها، وبذلت فيه كل جهد مادي ممكن من صرف على الأطعمة والتجهيزات والخدم. ووصلت الذروة في استنزافها للأسرة الفقيرة باستدعاء كل أفرادها للاستفادة من خدماتهم بمبالغ مالية إضافية. فالابن يأتي لأن الفتاة تريده معها والبنت تأتي ويعتبر حضورها درس إضافي مدفوع الأجر، والأب يأتي لكي يساعد الأم في تسوقها ويحمل الأمتعة، ويتنكر بزي الهنود الحمر مع الأب بأجر إضافي أيضاً، والأم تعد كل الطعام وتجهز المنزل. هم رهن إشارة الأسرة الغنية متى أرادوا ذلك، بينما كانوا في قمة ضعفهم النفسي والمادي، فهم في حالة تشرُّد وقلق، ومسكونة بالتفكير في مستقبل بيتها وممتلكاتها وفيما ستفعله بأسرة العاملة، كل ذلك وهم في قمة التعب والإرهاق.

ومن تقابل الداخل إلى تقابل تأثير الظروف على كل أسرة، ففي مشهد ليلة المطر/السيل نرى كيف تعيش الأسرة الغنية في مكان محمي تماماً من المطر، حتى ابنها في الخارج تحميه الخيمة -الأمريكية- ويحميه والديه من على البعد عند الحاجة. عالم منعزل عن النظام الخارجي بكل ما فيه. في المقابل وتحت نفس التأثير تهرب الأسرة الفقيرة تحت المطر سيراً على الأقدام إلى منزلها، وتستمر في نزول السلالم الواحد تلو الآخر حتى تصل إلى منزلها -الذي يبعد أفقياً وعمودياً- مسافات من منزل الأغنياء، وفي داخل الحي نفسه تعيش تحت الأرض- تصل لمنزلها فتجده مغموراً بمياه الأمطار والصرف الصحي. ففي حين كانت كل الأسرة الغنية مستمتعة بالمطر وآمنة كانت الأسرة الفقيرة متضررة منه ومذعورة ويائسة.

ومن تقابل تأثير الظروف إلى تقابل الشخصيات، فلدينا ثمانية شخصيات أساسية، أربعة في كل أسرة، كل واحد منها يشابه الآخر في الدور البيولوجي: أب-أب، أم-أم، ابن-ابن، وابنة وابنة. أما التقابل ففي الدور الحقيقي والأحلام والأشغال التي يؤديها كل واحد من الطرفين. فبينما ينصب تركيز الأسرة الغنية على الحاجات المعنوية: التميز الفني والسلام النفسي للطفل، التفوق الدراسي والحب للابنة وغيرها من الاحتياجات العليا -إن صح التعبير-، يركز كل أفراد الأسرة الفقيرة على غاية واحدة وهي الكسب المادي بأي طريقة عملية، حاملةً معها كل مشاكلها المزمنة.

ومن تقابل الشخصيات إلى تقابل التصورات، تظهر لنا نفسية الفقير المشوَّهة في عدة نماذج، فهو يرى أن الغنى الحقيقي للإنسان يكمن في الغنى المادي، لذلك نرى في جميع أفراد الأسرة رغبة وإصرار شديدين في كسب المال. وكلما ازداد كسبه للمال كلما حسُنت أخلاقه ولطفت روحه. ظهر ذلك حين جلست الأسرة مستمتعة بخيرات بيت الغني، تحدثوا في هذه الجلسة عن مفهومهم للغني، فهو شخص قام المال بتشكيله؛ والمال يكوي كل التجاعيد الأخلاقية -ولكي نصبح مثلهم علينا أن نجمع المال-. هذه الرغبة كانت خالية من أي توجيه أخلاقي أو مانع قانوني، حتى حينما أتيحت فرصة الوظيفة للابن، بدأ في تخطيطه للتطفل أكثر على الأسرة الغنية، فجلب أخته التي جلبت الأب، وكانت ذروة هذا التشوه في مشهد التخطيط لإخراج المربية واستبدالها بالأم. نرى كل هذا في أسرة لا يعزوها شيء من مقومات السعي، فكلهم يتمتعون بالقدرات الجسدية والعقلية للعمل والتخطيط، وبالدوافع والرغبات، وبالرغم من ذلك اختاروا طريق التطفل والإفساد على كل من يعترض خطتها فقيراً كان أو غنياً. حتى بعد الكارثة التي حدثت في مشهد المواجهة، بقي الابن يخطط ويحلم بنفس الطريقة الأولى: المال أولاً… وبكل طريقة ممكنة.

كذلك، نرى كيف ينظر الفقير للفقير مثله في مشهد مواجهة الفقير-الفقير حيث كان الرفض في التعاون للصعود للأعلى أو في المساعدة في البقاء في الأسفل. في هذه المواجهة تحت الأرض ينتهي الأمر بالعنف كما سينتهي في مواجهة فوق الأرض. لا مكان لتصوُّر تواصل إنساني مسالم ومتعاون على الإطلاق.

بالمقابل، نجد أن الغني لا ينظر للفقير إلا من خلاله، فهو أداة للخدمة المستمرة وغير المحدودة، يتم الاستفادة منها لأقصى درجة ممكنة، بمقابل مالي، وتزداد الخدمة وتتعدد بزيادة المقابل المالي بلا أي اكتراث لأي عامل آخر. فالفقير يعلّم ويربي ويقود وينظم ويطبخ ويفعل كل شيء له. وكل احتمال لتفاعل إنساني معه غير مقبول. وحين يقرر الغني الالتفات للفقير في أمرٍ غير استنزافه، لا يلاحظ منه إلاَّ رائحته، التي كانت مدار ملاحظات الأب والأم والابن طوال الفيلم، لا يُرى منه إلا ما يتجاوز حدود الخاصة ويؤذيه!

نرى من هذين التصورين كيف يعيش الطرفين في حالة العمى، فالفقر أعمى الفقير عن مراجعة أفكاره عن الناس وتصويب أخلاقه في تعاملاته، والغِنى أعمى الغني عن رؤية حقيقة الفقير. ذروة ذلك في مشهد المواجهة حين أصيبت ابنة الفقير وسقط ابن الغني، لم يتعاون الطرفين في مساعدة أبنائهم، بل ذهب كل شخص إلى من يهمه وانفصلا، وتعقَّد الوضع من جديد.

انتقام الخطيئة:

مفهوم عودة الخطيئة في العالم المادي، وانتقامها ممن ارتكبوه. تكرَّر في عدة أفلام من أبرزها وأكثرها تجسيداً فيلم The Killing of a Sacred Deer 2017، أما هنا فقد كانت الأسرة الفقيرة غارقة في التشوه، وارتكبت خطايا في حق الجميع، انتقمت خطيئتهم على السائق على الأسرة العاملة وعلى الأسرة الغنية بأن ماتت البنت وتشرَّد الأب وأصيب الابن وفقدت الأم وظيفتها، لتعود للمربع الأول الذي بدأت منه. وليكون مفهوم انتقام الخطيئة مساعداً في روح التشاؤم المسيطرة على الفيلم.

بهذه التصورات وبذلك التقابل وتلك المواجهات، سيطرت الروح التشاؤمية على كل نهاية في الفيلم. فلا مجال لبؤس الفقير أن ينتهي ولا لسعادة الغني أن تنتشر، لا مجال للتواصل ولا التعاون. ذروة ذلك في مشهد المواجهة فوق الأرض وفيما تلاه، حين قتل الأب الفقير الأب الغني، حيث كانت تلك نهاية أي محاولة للتقارب. بعده عاد كل شيء لما كان عليه وأسوأ: استمرار انفصال العالمين واستمرار دوائر حياتهم، واستمرار العمى من الجانبيين. وكأنها طبيعة دورة حياة المجتمعات في كل مكان! كلٌ يعيش في صمت بعيداً عن الآخر. بهذه النهاية يترك الفيلم مساحات للتأمل والتساؤل عن الأنظمة التي تحكم حياتنا وعلاقاتنا، وعن إمكانية حدوث نهايات مختلفة عن هذه!

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

سينما: Nostalgia: نافذة الغربة والحنين

(١)       كثيراً ما يدمج السينمائي الروسي Andrei Tarkovsky حياته في أعماله، من ذلك تجربة ا…