CrtklDSWYAEO8Ev

بقلم : ميرغني طه

عزيزتي صوفيّا

الأيام دونك ماكرة،مُخادعة،هزيلة،جافة كجلد أرنب بري في نواحي واهاكا المكسيكية قضي نحبه جائعاً في سلسلة جبال سييرا مادري وتكفلت الشمس بما تبقى منه؛رجل مثلي اضطهاد المسافة وشح الوقت لوحدهما كفيلان بإحالة حياته كلها إلى جحيم هائل مُربك حد القلق.

 هل تعلمين أيتها الرفيقة الحانية ككوب ماء في حنجرة العَطِش،أشعر بالامتنان لهذا الأمر أن ارتبط إنسانيًا بهذا القدر والامتنان ممتد للخطاوي والطرق والمطارات والغربة التي كانت حلقة الوصل لقلبك الطيب .

كافكا الذي ثقبت أُذنك بسيرته الدائمة قال يومًا لمِيلينا :

ما الذي يمكنني أنْ أفعلهُ لو ظلّ ذلك الخوف ينبِض في جسدي بدلًا مِن القلب ؟

فخ السؤال مرة أخرى يا صوفيّا ألم أخبرك أن حياتي كلها عبارة عن مصيدة كبيرة كفم الشيطان تلتهم حتى فضلات شعوري الممزق لا تترك شيئًا مطلقاً كأنها خُلقت لالتهامي، أتكئ عليك في كل مرة هربًا من الفم اللعين أبحث عن الخلاص قربك أجده مشتتًا في كل مكان لديك،كأنك تمتلكين مصنعًا للطمأنينة،الطمأنينة التي تُبدد الخوف والقلق التي تلملم الشتات والتبعثر كل هذا وأكثر أجده في غاباتك المظلمة،هذيانك،قلقك،جنونك،غيابك، حضورك، عبثك وجديتك، أُذنك التي لا تمل حديثي المُنهمر الهامس حينًا والغاضب أحيانًا كثيرة، لعناتي للحياة والأشخاص والمجتمعات والموت، تعلُقي بتلك البلاد البعيدة آرائي الساذجة السوداء عن الذاكرة، الغباء، الغفران، الذل، الصداقات المجهضة، الخيبات، الآمال والآلام المشاعر و الرحيل والصراعات اللعينة البائسة اليائسة والسياسة والكتابة يا صوفيّا : الكتابة المشقة الكبرى، الألم اللذيذ، السجن الوارف، الرفاهية المتوهمة، قشة الغريق، لعنة الأصابع، نديدة الصمت، نداء الروح، مخاض اللغة ال….؛أنا فقط أريد أن أسيل إليك عبر هذه التكنولوجيا التي هدمت المسافة وقللت الخُطى وجعلت الوقت بلا قيمة مثلي تمامًا، أنا المعذب في الأرض المُزهر جوارك، الشاكر بلا انتهاء المبتهج حتى في غابات سوادك العظيم الذي هو في حقيقته قشرة عابرة، وحدك تدركين أنني عاجز عن الكتابة إليك كما يجب فاغفري لي ركاكتي وجهلي وقلة حيلتي؛ تذكرت البارحة تلك الأيام ،الأيام التي نتوهَمها من حين لآخر، ركضنا المستمر في الطرقات كالدم في عروق الحياة، شعبيتك الكبيرة في الحي اللاتيني غرب روما التي ساهمت لاحقًا في حصولنا على الجواز اللعين بعد سنوات ثقيلة من اللا استقرار،القط الأسود الذي يئن خلف النافذة بلا أسباب مقنعة ويقلدك في طريقة فتح العينين على اتساعهما هكذا كعادتي أقحم لك أشياء غريبة في منتصف الحديث فلا تجزعي لازلت بخير، من الصعب بمكان ألا نكون بلهاء عند كتابة خطاب تقفز من شيء لآخر دون جدوى ودون أن تصيب هدفك بدقة وربما هذه عادتي المريرة أقول كل شيء ولا أقول شيئًا في آن واحد

لنعد إلي كافكا قليلًا الرفيقة صوفيّا ما الذي يمكنني أنْ أفعلهُ لو ظلّ ذلك الخوف ينبِض في جسدي بدلًا مِن القلب ؟ من يبدده سواك إننا بحاجة دائمة ليد حانية تَربُت برفق الصديق المتفهم المطمِئن الجاد والحازم والرقيق في وقت واحد لذلك أنا بحاجة إليك دائمًا وأبدًا فلا تسرفي في الغياب؛ يؤلم قلبي وهو الذي يحملني، لا أريد أن أسقط، السقوط موحش جربته مراراً أقف في كل مرة من جديد كجبل عصي على الانهيار لكني في كل مرة أفقد صخرة؛ ولكِ أن تتخيلين أن يتبدد المرء ببطء ثم هكذا كرمشة العين يذوب في العدم !!

اقرئيها بعين المحبة يا صوفيّا ثم أسمحي لورودك أن تتفتح قاومي بطش الأيام بالعمل لا الأمل وسيري بين الناس بالحب رغم فظاعتهم .

أكتب إليك بعد منتصف الليل الوقت الأكثر توحشًا والموحِش نسمات نوفمبر تلامس الأجساد بمودة ولطف الأشجار تتراقص في فناء المنزل بغنج نباتي أقل ما يوصف به أنه مُبهر ومثير، موسيقى خفيفة تَشع من السماعة في أُذني، تتكاثف ثم تنصهر فجأة لتسيل إلى بقية جسدي لدرجة أنني أشعر بكمنجة هنا؛ هنا في قلبي تمامًا أشعر بإيقاع متسارع يتجّول بداخلي يذكرني بالحروب والصراعات المُلتهبة المجنونة التي صنعتها حماقاتي المستمرة ولهثي الحثيث عكس الاتجاه الصحيح، لعن الله الغباء يا صوفيّا ولعن معه القيود المفروضة علينا التي تدفعنا إلى اللجوء إلى الاحتمال أحيانًا بدلًا عن المواجهة أحب أن تُقال الأشياء كما هي لذلك لم أتوقف يومًا عن السخرية اللاذعة للذات قبل باقي الأشياء يجب على الإنسان أن يكون واضحًا، إن لم نحترم أنفسنا لن يحترمنا الآخرون ..مهلًا أكتب لكِ اليوم لأخبرك أنني أيقنت أن الحقيقة مدعاة للعداوة وأن الوقوف إلى جانب الحق مكلف وهذا إن دل على شيء لا يدل إلا على صحة مقولة الروائي “يوسف السباعي” الذي قال : (الإنسان حقير يا صاحبي إلى أقصى حدود الحقارة ، والعجب أنه حقير ومغرور ، وغروره يعمي عينيه عن حقارته ) ..

صوفيّا صوفيّا صوفيّا نعم أحب أن أردد اسمك هكذا صوفيّا مرارًا وتكرارًا أجد لذة في ذلك ربما بسبب تشديد الياء الياء التي أناديك بها «يا صوفيّا»،قبل عِدة أيام تلاشت سحابة سوداء كانت تُبدد بصيرتي وتمنعني عن الرؤية حولي بوضوح أو ربما تلاشت من قلب حذر عن الاصطدام بالآخر أو حتى ربما ازدادت كمية الشر التي لدي لنقل (الخامدة) وانفجرت داخل أعمق نقطة في قلب غبي تالف، تصوري أن يمتلك رجل مضطرب مصاب بالهلوسة مسدسًا أليًا محشوًا بالرصاص في شارع عام تعِم فيه الفوضى، أظن أنه ما من تشبيه أبلغ من هذا ..هكذا قلبي الآن يمتلك مسدسًا أليًا وكم هائل من الكراهية لأوغاد قذفتهم الحياة في وجهي استقبلتهم بالورود والرحمة والمودة والرغبة في تواصل إنساني شفاف وواضح وبسيط؛ وقابلوني بالحقد والدسائس والنفاق، ما يهم أكثر من هذه التفاصيل السخيفة أنني وبصراحة كاملة أخشى أن أتحول إلى قاتل متسلسل يعلق صور ضحاياه في جدران غرفته لقتلهم واحدًا تلو الآخر ؛ كمية الشر غير المبررة التي يوجهونها إلى ظهري المكشوف لهم محبة تجعلني ألعن المشقة التي ألقيها على قلبي المرهق من كثُرة السهام، أشعر بتفاهتي وعجزي في آن تفاهة من يقرر أن يعتاد على ما يجده من الناس وعجز القيام بردة فعل تناسب حجم الشر الذي في نفوسهم الممتلئة بسلوكيات الشيطان، أنني أبرر أي فعل شيطاني لكن لا أبرر مُطلقًا سلوك الإنسان الشيطاني ومحبة الشر هؤلاء يجب أن يقتلوا ولا بأس بإراقة الدماء البشرية الملوثة.

أناضل كثيرًا لئلا تغلبني الأيام وسأظل كما وعدتك قويًا لا ينهار مهما كان ذلك مكلفًا وأظن أن النتيجة ستكون ضياع الإيمان بالإنسان هذه هي النتيجة النهائية لخيبة أملنا اتجاه الناس بصورة دائمة ومستمرة ومحاولة الاعتياد على ذلك أو «تجنبهم ما استطعت» كما قلت بدقة في تلك الليلة النوفمبرية ال مهلًا ؛ شعرت يومها إنكِ لستِ على ما يرام لكنِ اخترت أن أسألك لاحقًا ..هل أنت بخير … حتمًا سأرسل لكِ مرة أخرى لابد أن أفعل فقلمي الذي يحملني لا قدماي وأنا كما تعلمين أتنفس السير على الأقدام، أفرغ عبره طاقتي السلبية التي كما قلت لك ستحّولني لقاتل فإن لم يتوفر لي قدر من الكتابة يبقى الخيار هو المسدس الآلي إما في رؤوسهم أو في رأسي ..

أنا اللاشيءُ يا صوفيّا أجرجر خلفي أوزار الذاكرة وثقلَ العالم عجنتني مذابحها التي تنتهي لتبدأ من جديد لتُحيلني إلى ذبح مستمر لا يفضي إلى ترك جزء من الروح خارج مسارات الموت،يتكاثف الجزء لاحقًا فأعود إلى حالتي الأولى وجبة دسمة للعنة الذاكرة لتواصل هي بدورها مهمتها اليتيمة : دهسي؛ دون رحمة، وأنا في الثامنة من عمري كنت أظن أنني عندما أنام تنام معي كل الأشياء في هذا الكون الفسيح يا  لطفولتي الساذجة وعقليتي المحدودة لا شيء ينام كيف لا ويومًا ما استيقظت أمشي على رؤوس الأصابع كي لا أوقظ ذاكرتي؛ وجدتها واضعة رجل على رجل تتأملني بانتصار،أذكر أنني هربت كمن وجد نفسه في جحر للثعابين والعقارب، دفعت جسدي بحسرة أسفل الغطاء ثم لعنت كل شيء في أُذن الوسادة بمرارة ويا للخيبة ..

صوفيّا أصلب ما أتكئ عليه وألوذ به؛ أنا من ذلك النوع الحالم الخيالي الذي يدخل إلى الأماكن التي يسمع عنها، أرصد الشارد والمُهمل من التفاصيل لدرجة أنني حين أقرأ رواية مثلًا قد تتسع عيناي مع صوت السارد، أغمغم وأحيانًا أصرخ مع صراخ أحد الشخصيات !! يومًا ما دخلت زنزانة الدكتور «إياد أسعد» في رواية «يسمعون حسيسها» أكاد ارسمها بدقة حتى أنني أعرف كم سنتمتر اخذ «إياد» من الفراش ليضمد جراح التعذيب بل يمكنني حساب كمية الصدأ الموجودة في سرير المعتقل، دخلتها مرارًا وتكرارًا دون أن أحزن ولو لمرة على الألم الذي يمكن أن يشعر به الدكتور المحسوب على الإخوان المسلمين .. لم تخاطب الرواية وجداني لعيب فيني ليس كاتبها وعزائي كأن دائما سؤال ماذا يفعل الألم الذي يتعرض له الناس لرجل مثلي قابع في صندوق ضيق لا شيء فيه سوى أصناف من الآلام أفظع كيف يمكن أن تكون ردة الفعل ؟ هل تتوفر من الأساس ..ما أود أن أقوله يا صوفيّا هو أنني بحاجة إلى الانغماس في مكان آخر أي مكان المهم أن أبتعد عن هنا ولو لبرهة لا أعرف حقيقة ماذا أفعل هل اقتحم إحدى الروايات المتناثرة حولي ؟ أم …منذ زمن طويل تطاردني لعنة الخيارات يا صوفيّا وتتربص بي فخاخ الأسئلة وأنا بلا قوة مثل ورقة في مهب الريح أتناثر هنا وهناك .

ليس لدي الوقت ولا القدرة على أن أواصل هذياني هذا يا صوفيّا لكن فاتني أن أخبرك أن والدي توفي لم أكن املك وسيلة للاتصال بكِ وكان النزيف طوفانًا داخل أمّي قالت لي بلغة محلية:

«صبرني يا ولدي عشان أصبر معاك اخواتك» توجب عليّ وقتها أن أكون واعيًا بكل الأشياء من حولي أن أتصرف حيالها بمهارة أن أصبح قويًا رغمًا عن أنف ما أمتلك من احتمال حيال فقد الوالد الحنون ركيزتي الأساسية كنت مطالبًا أن أقف دون ساقين وبقلب معطوب ويا لها من مهمة، حدث ما حدث لا أريد أن أطيل عليك وأرهقك بمزيد من البؤس المبذول دون إرادتي أيضًا في هذه الرسالة التي لا تشبه سوى سرداق العزاء، تتنامى لدي الرغبة في الانفلات عن الوعي والغياب في دهاليز النوم أشعر برغبة هائلة في الشروع في الكتابة أكثر وأكثر يُحبطه الكسل، أكتبي لي يا صوفيّا أخبريني عن كل ما يحدث معك في تلك البلد عسى أن أشيح نظري لبرهة فقط عن أفكار مضطربة مُرهقة مُحرضة على التعاسة ..لكِ فقط أن تتخيلي أن تساؤلي بيني وبين نفسي عن هل أغلقت الباب يُغضبني لحد يدهشني جدًا جدًا

المحبة الدائمة المستمرة لك يا صوفيّا المحبة ولا شيء سواها.

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

فِراش مُفخخ بالتخيُّلات

      يَصُبّ في رأسي هَدير مُوسِيقَى قادِم من الـ ساوند كلاود، بيّنما يرتَعِش هاتفي النّقا…