WhatsApp-Image-2017-02-04-at-10.46.44-199x300

بقلم : ميرغني طه

أواخر العشرينيات في لينينغراد الروسية عاش دانييل خارمس رائد مسرح العبث في روسيا في زمن «ستالين»،لم يكن الفنّ التجريبي مُباحًا إنما كان عملًا سياسيًا معاديًا للثورة لذلك اعتقل خارمس ونفي إلى مدينة كورسك، في الجبال والجليد ليواجه قدرًا مأساويًا حقيقيًا، شاب صغير يعرى وسط الثلج والظلام والقهر والإذلال والجوع ،أُطلق سراحه بعد عامين ليتم اعتقاله مرة أخرى ليشرب من ذات الكأس وترك في السجن الانفرادي وسط الظلام والبرد والإذلال والجوع مرة أخرى ولكن هذه المرة شاءت العقلية المضادة للأدب أن تقتله بطريقة أخرى، فقد أقفلت زنزانته عليه في العام 1942م دون طعام حتى وُجد متكومًا على  نفسه وسط الظلام والبرد ميتًا.

هذا هو قدر الأدباء والشعر منذ زمن طويل دائرة مغلقة تواجههم أما السجن ، التشريد أو القتل – والقتل هنا قد يكون بمنع النشر والمطاردات والمصادرات أيضًا ونحن في سوداننا الحبيب لم نكن بمعزل عن هذه الممارسات فمعظم الأدباء والشعراء خارج البلاد بسبب نهج السلطات تجاه منتوجهم الأدبي خصوصًا حين يقترب من معايش الناس والنماذج كثيرة قُتل على الأرجح الشاعر أبو ذر الغفاري وشُرد عدد كبير من المثقفين لكن ظلت قضاياهم مشتعلة حتى وان اختلفت الجغرافيا ففي  مدينة «بيرث» الأسترالية يحكي للناس الروائي السوداني محمد سيف الدولة حكايات «أمي وحكايات المدينة عرب» الفائزة بجائزة الطيب صالح للرواية يحكي عن الواقع في المدينة التي تسكن قلبه عن الناس ومشوار العناء اليومي، استطاع محمد سيف الدولة بقدرة مكوكية اقتناص اللحظات الشاردة و رصد المهمل من اليومي والعابر و تسطيح الأعماق وتفتيت بنيتها لأنه  مثل غيره من الكُتاب يسعى لإشاعة الوعي وتقديم المعرفة،المعرفة التي أمتلكها بالتواجد في مسرح الأحداث أعني بالخبرة الحياتية،أبرز عن طريقها الحياة في المدينة الوريفة وهي سودان مصغر أبرزها كما هي في قالب جمالي إبداعي ولم تخلو الحكاية من المفاكهة فهي بهار الحكي سيف الدولة مثله مثل كل الأدباء  السودانيين بل والأفارقة وكل أدباء دول العالم الثالث الذين أعياهم الاضطهاد والقهر والاستبداد والظلم الاجتماعي والعرقي وضيق الحال ففكروا في البحث عن سماوات أخرى اقل ضيقًا وأكثر رحابةً وحريةً وانطلاقًا فهاجروا وهُجِروا إلى المنافي مبشرين بالتعايش والتسامح ونشر حوار الحضارات وروح المثاقفة وتأثروا وأثروا بصورة ايجابية في المشهد الغربي على سبيل المثال ويحضرني هنا  مخاطبة الرئيس الأمريكي «روزفلت» لجبران خليل جبران بتعبير مُبهر ومحفز في آن واحد : “أنت أول عاصفة انطلقت من الشرق واكتسحت الغرب، ولكنها لم تحمل إلى شواطئنا إلا الزهور..

ولست هنا بصدد الحديث عن حكايات سيف الدولة كناقد أو كقارئ إنما أود أن أقول أن الأديب تزيده الغربة وعيًا بقضاياه وحنينًا لوطنه فينجح نجاحًا باهرًا تحت تأثير النوستالجيا التي هي بمثابة مُحفز للإبداع

“سيف الدولة” من أقصى الجنوب الغربي لقارة استراليا ربما من ضفاف نهر سوان أو ربما من شاطئ كوتيسلو أو ربما من المنزل أيًّ كان كتب علىى جدار حسابه على الفيسبوك :

لكأنما فجيعة اغتيال هذا الوطن الجميل عمرها مليون سنة توحش فيها العالم

و حُرقت الكتب ، 

و حُرَّف الكلام 

و قُتل الشعراء 

و أكلت الناس الفاقة 

و انطوت الأرصفة على حزنها 

و أستعرض الطغاة أجساد الموتى 

و من لم يقتله الظلم أبتلع صوته العسف 

و لن نكون أخر من يعبر الخيط الرفيع الذي يفصل تهاوينا عن سقوطنا ستعبره أخريات وآخرين و سيزداد شره اللعنة للمزيدٍ من دمِاءِ الضوء … 

و سيُميِّز زماننا هذا التآكل و سقوط الأقنعة و تعري الأرض من فتنتنا و خداعنا 

لكنَّ المؤكد أنَّ مآثر الصمود البسيط ستبقى 

الصمود اليومي في وجه الظلم

و حريق الأصابع

و اكتناز المعاني بأضدادها 

و سيأتي ربما بعد حينٍ قريبٍ في بُعْده زمان الأطفال الأنبياء

الأطفال الذين سيعجنون من قلب الحرب و المجاعة 

و الأوبئة و قتل الأشجار و غياب فيضانات النهر وطنًا لن يعنيه شيئاً بقدر احتفائه بالاختلاف . 

لفت نظري تعليق مبذول على المنشور أعلاه لعبد العزيز الحوري قال بمرارة :

أصبح اليومي الراتب ، هو العناء ثم العناء ، حتى إن أبناء الوطن الشرفاء صار تغلبهم على الضنك يحتاج منهم الحياد عن بصيرتهم  !!

للكتابة إما أن تملك عبقرية طاغية أو تكون دافئًا بصيرًا وسيف الدولة يمتلك التصنيفين معًا ويمتلك الرغبة أيضًا الرغبة في الإضافة لحركة السرد في السودان والإسهام في رفع وعي القارئ بالقضايا المُلحة،فمثلما دافع دانييل خارمس عن مبدأ..  فُسر من قبل الرقيب البغيض بأنه معادي سياسي، وسلوك لا أخلاقي يهدم الثورة،يجب بل هي دعوة للأدباء والكتاب بكافة تصنيفاتهم للتركيز على الوظيفة الأساسية للأدب خدمة قضايا الناس فالأدب هو فن يعبر عن حقيقة شعور الإنسان و طبيعة إحساسه تجاه غيره و تجاه قضاياه،في الختام الأدب أخلاق وما هي الأخلاق إن لم تكن الدفاع عن وجهة نظر والتمسك بمبدأ لا يجعل الناس تموت من الجوع أو تذل أو تُهان.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

فِراش مُفخخ بالتخيُّلات

      يَصُبّ في رأسي هَدير مُوسِيقَى قادِم من الـ ساوند كلاود، بيّنما يرتَعِش هاتفي النّقا…