17028926_693238877523497_1833064514_n

استقبل أحدُهم هذا الصباح بتثاؤبٍ ابتلع معه كل الهواء المحيط بسريره.. فرَكَ عينيه.. حشر إبهامه وأزال من عليهما “القَضَا”.. تمطَّى حتى ثنى ظهره بحدة.. وطقطق أصابع يديه وقال: صباح تفاح .. أزاح بطانيته.. وانتعلَ سِفنجته.. وانزلق ناحية الحمام.. وجد البالوعة واصلةً سقفها.. ثمة جثث لصراصير حمراء فاقعة اللون تطفو.. حرك أحدهم شاربه الحاد الطويل ونظر إلى الـ أحدهم مستجديًا الإفلات من الغرق.. لم ينتبه إليه الأحدهم حتمًا.. أحضر الماعون الصغير.. غرف البالوعة وكان أثناء ذلك يدندن صفيرًا بأغنية رخيصة.. في إحدى “الغَرفات” طار معها الصرصور الذي كان ما يزال حيًا، وسقط في قارعة الطريق.. كان جاره العجلاتي طاعن السن خارجًا لتوه نحو محله بالسوق.. كان منقبض الوجه وغاضبًا دائمًا.. بطبيعة الحال.. مرَّ مرور الكرام بـ الأحدهم الذي كان يغرف البالوعة ويدندن بلحنٍ رخيص.. لكن ولسوء حظ الصرصور والذي سقط لتوه أرضًا.. لم يفلته عجَل العجلاتي.. فدهسه بلا رحمه.. ما جعله يرفع شاربه بحدةٍ لأعلى مصدرًا بحدةٍ أيضًا صفيرًا متماهيًا مع لحن الأغنية الرخيصة.. ليسقط بعدها شاربه الحاد نحو الأرض وللأبد.. قال عجَلُ العجلاتي كالمعتذِر: يا للحياةِ الرخيصة.. يا للحياةِ الرخيصة.. ومضى متدحرجًا عبر الشارع.. أخد الأحدهم حمامًا منعشًا واستلقى على السرير وأحضر أمامه “شاي اللبن” وبسكويت “كابتِن ماجد “.. أحضر كذلك ثلاثة دواوين شعر.. كان يحب الشعر مثل حبه للشعيرية كذلك.. رشَف من الشاي وقرأ في أحدِ الدواوين: عيناكِ يا حبيبتي جرَّتانِ من عسَل/قولي لي متى لعينيكِ أصَل… ويأخذُ رشفة.. ويقرأ لشاعر آخر: الحبيبة التَّدِسَّك شهيق… وكان منتشيًا.. كأنه لا يستلقي على سرير بل سَحاب.. ورشَف بلذة الرشفة الثالثة وقرأ من الديوان الثالث: الحبيبةُ الوطن.. الوطنُ الحبيبة… في الأثناء كان ثمة كائن لزج يحوم فوق رأسه.. مصدرًا طنينًا حادًا ومزعجًا.. كانت ذُبابة بدينة لعينة تتحرَّش بوجهه.. هشَّ عليها خفيفًا وأخذَ يرشُف.. وأخذَ يقرأ.. في الأثناء اقتربت الذبابة أكثر وحطَّت فوق أنفه.. وبسرعة أدخلت رأسها السمين في منخاره الذي لم يكن نظيفًا جيدًا.. انتفض الـ أحدهم وهشها بضجر ودعك منخاريه من أثر الدغدغة.. فار دمه.. وعطس عطستين.. وعاد يقرأ بمزاج ضجِر: الحبيبةُ تفاحُ الحدائق القصيَّه… جاءه الصوت مرة أخرى.. كان أزيزًا باعثًا للتوتر.. قرب أذنه اليمين.. قرب أذنه الشمال.. حطَّت على يديه الاثنتين بالتناوب.. ارتفع أدرينالينه.. حطَّت على جبهته.. حطَّت كذلك على مكان قضَا عينيه.. قفزت لأعلى حين هشها.. دارت وراوغت.. اختفت هنيهةً وعمَّ صمت كثيف إلا من لُهاثه المتسارع.. عاد الطنينُ مجددًا.. وحلَّقت الذبابة عاليًا.. اختفت.. ثم حطَّت على خدِّه حينَ غفلةٍ من أمره.. بلغ الأدرينالينُ ذروته.. صفع خدَّه بحرارة.. فلتت من الصفعة وأخذت تحوم فوق رأسه وتطِن.. طارت وحطَّت عند قدمه.. رفسها.. فلتت.. لكنه لم يُفلت كوب الشاي الذي سقط وتهشَّم.. فاندلق الشاي.. وكان مدعاة لوليمة كبيرة للكثير من الذباب.. لثوانٍ كان مُحاطًا بطائرات صغيرة ذُبابية طنَّانه.. وأصبح جسده محطَّ هذه الطائرات الهيلكوبترية الذبابية.. كان يرفُس برجليه.. ويهُش بكلتا يديه.. ويهزُّ رأسه.. كان يصفع ويرفُس ويسُب السُّلالة الذبابية منذ بدء النُّشوء.. كان في حالةٍ أقرب للجُّنون.. حطَّ بصورةٍ فُجائية حشد من الذباب حول فمه.. وأخذَ يتذوَّق بألسِنةٍ صغيرة ما تبقى من عصيرِ الشاي .. فتح فمه.. انحشرَ فيه حشد الذباب بجذالة.. أطبقَ على فمه.. ومضغَ الذُّبابَ بِحِقد.. وعيناهُ تشِعَّانِ بالتَّشفِّي.. ثم تفلَهُ بِصُورةٍ أقرب للتقيُّؤ.. ثم لعنَ الذُّبابَ والشِّعرَ والشُّعراءَ.. لعنَ الشِّعيرية.. لعن الوطنَ والحبيبة.. لعن بالُوعتهم القذِرة.. لعن جارَهُ العجلاتي الوغد كذلك.. واستمرَّت لعناتُهُ حتى قُيِّد في سِجلات مستشفى الأمراض العقلية …..

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مَقتلُ ناوكا

    (1) الجثةُ مسجيةً على الكرسي، مُمدِّدةٌ أطرافَها، باردةٌ وقد بدَت بعض التورُّماتِ الطّ…