%d8%a3%d9%88%d9%83%d8%b1%d9%8a

• تأليف : بين أوكري*
• ترجمة : إبراهيم جعفر

ﺩﺧﻠﻨﺎ ﺑﻠﺪﺓ ﺍﻟﻤﻴﺘﻴﻦ ﻋﻨﺪ ﻏﺮﻭﺏ ﺍﻟﺸﻤﺲ. ﻏﺸﻴﻨﺎ ﻣﻨﺰﻻً، ﻓﻤﻨﺰﻻً. ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻛﺎﻥ، ﻛﻤﺎ ﺗﻮﻗﻌﻨﺎ، ﻣﺘﺪﺍﻋﻴﺎً، ﻣﺘﻬﺪﻣﺎً، ﺻﺤﺮﺍﺀ ﻣﻀﻴﺌﺔ ﺑﺎﻟﻤﻮﺕ ﻭﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ .
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺮﻣﺎﺓ ﻣﻨﺘﺸﺮﻳﻦ، ﺑﺒﻨﺎﺩﻗﻬﻢ، ﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﻜﺎﻥ. ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻛﺎﻥ ـ ﺁﻧﺬﺍﻙ ـ ﻓﻲ ﺗﻤﺎﻡ ﻓﻮﺿﺎﻩ . ﺇﻥ ” ﺍﻵﺑﺎﺀ ﺍﻟﺮﻭﺣﻴﻴﻦ ” ﺍﻟﺼﻐﺎﺭ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺴﻴﻄﺮﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﻛﻞّ ﺷﻲﺀ ﺃﻏﺎﺭﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﺍﻟﺬﻱ ﺟُﻠﺐ ﺇﻟﻴﻨﺎ . ﻫﻢ ﻗﺪ ﺃﻏﺎﺭﻭﺍ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺗﻨﺰﻟﻪ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮﺍﺕ ﻭﺇﻋﺎﻧﺎﺕ ﻭﻛﺎﻻﺕ ﺍﻹﻏﺎﺛﺔ ﻭﻭﺯﻋﻮﺍ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﻓﻲ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﺑﻨﻲ ﻋﺸﻴﺮﺗﻬﻢ .
ﻧﺤﻦ ﻣﺎ ﻋﺪﻧﺎ ﻧﻜﺘﺮﺙ ـ ﺍﻟﻄﻌﺎﻡ ﻣﺎ ﻋﺎﺩ ﻳﻬﻤﻨﺎ . ﺃﻧﺎ ﻗﺪ ﻋﺸﺖ ﺑﺪﻭﻧﻪ ﻣﻨﺬ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺳﺎﺑﻴﻊ . ﺍﻵﻥ ﺃﻧﺎ ﺃُﻃﻌﻢُ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨُّﺸﺪﺍﻥ .
ﻭﻓﻲ ﻛﻞِّ ﻳﻮﻡٍ، ﻓﻴﻤﺎ ﺃﻧﺎ ﺃﺯﺩﺍﺩ ﻧﺤﺎﻓﺔً، ﺃﺭﻯ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺃﻛﺜﺮ ﺣﻮﻟﻨﺎ . ﺃﺭﻯ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ ـ ﻛﻞَّ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﻉ . ﺇﻧﻬﻢ ـ ﺍﻵﻥ ـ ﺃﻛﺜﺮ ﺑﻬﺠﺔً؛ ﺇﻧﻬﻢ ﺃﺳﻌﺪ ﻣﻨّﺎ . ﺛﻢّ ﺇﻧﻬﻢ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﻣﻜﺎﻥ، ﻳﻌﻴﺸﻮﻥ ﺣﻴﻮﺍﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﻀﻴﺌﺔ ﻭﻛﺄﻧﻤﺎ ﻣﺎ ﺣﺪﺙ ﺷﻲﺀ، ﺃﻭ ﻛﺄﻧّﻤﺎ ﻫﻢ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺃﻛﺜﺮَ ﺣﻴﺎﺓً ﻣﻨّﺎ .
ﻛﻠّﻤﺎ ﺍﺯﺩﺩﺕُ ﺟﻮﻋﺎً ﻛﻠّﻤﺎ ﺭﺃﻳﺘﻬﻢ ﺑﺠﻼﺀٍ ﺃﻛﺜﺮ ـ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻷﺻﺪﻗﺎﺀ ﺍﻟﻘﺪﺍﻣﻰ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻲ ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ، ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﺍﺣﺘﻀﺎﺭﻫﻢ، ﻳﺘﺸﺒّﺜﻮﻥ ﺑﺎﻟﺬّﺑﺎﺏ . ﺍﻵﻥ ﻫﻢ ﻳُﻄﻌﻤُﻮﻥَ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ . ﺛﻢّ ﻫﻢ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻴﻨــﺎ ـ ﻧﺤﻦ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ـ ﺑﺸﻔﻘﺔٍ ﻭﺭﺃﻓﺔٍ ﻋﻈﻴﻤﻴﻦ .
ﺃﻇﻦّ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻷﻧﺎﺱُ ﺍﻟﺒﻴﺾ ﺃﻥ ﻳﻔﻬﻤﻮﻧﻪ ﺣﻴﻦ ﻳﺠﻴﺌﻮﻥ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﺑﺄﺟﻬﺰﺓ ﺗﺼﻮﻳﺮﻫﻢ ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻳﻮﻧﻴّﺔ ﻭﺇﻋﺎﻧﺘﻬﻢ . ﻫﻢ ﻳﺘﻮﻗﻌﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﺮﻭﻧﺎ ﺑﺎﻛﻴﻴﻦ . ﻟﻜﻨّﻬﻢ، ﺑﺪﻻً ﻋﻦ ﺫﻟﻚ، ﻳﺮﻭﻧﻨﺎ ﻣﺤﺪّﻗﻴﻦ ﻓﻴﻬﻢ، ﺑﺪﻭﻥ ﺣﺲِّ ﺗﺴﻮّﻝٍ ﻭﺑﺼﻔﺎﺀٍ ﻧﺎﺗﺊٍ ﻓﻲ ﻋﻴﻮﻧﻨﺎ . ﺭﺑﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﺮﺗﻌﺒﻴﻦ، ﻓﻲ ﺳﺮّﻫﻢ، ﻣﻦ ﺃﻧﻨﺎ ﻟﺴﻨﺎ ﺧﺎﺋﻔﻴﻦ ﻣﻦ ﺍﻻﺣﺘﻀﺎﺭ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ .
ﻻ ﺗﻌﺪ ﺍﻟﻮﺍﻋﻴﺔ، ﺑﻌﺪ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺳﺎﺑﻴﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﻮﻉ، ﻣﻨﺘﺒﻬﺔً . ﻓﺤﺎﻣﻠﻬﺎ ﻳﻜﻮﻥ، ﺁﻧﺬﺍﻙ، ﺃﻛﺜﺮَ ﺇﻳﻐﺎﻻً ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ . ﻓﺈﻧﻤﺎ ﺍﻟﺮﻭﺡ، ﺇﺫ ﻫﻲ ﻣﺮﻳﺪﺓً ﺍﻟﺮﺣﻴﻞ، ﻫﻲ ﻣﻦ ﺗُﻌﺎﻧﻲ . ﺇﻧﻬﺎ ﺗُﻌﺎﻧﻲ ﻷﻥّ ﺍﻟﺠّﺴﺪ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﺎﺯﻋﺎً ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ .
ﻻ ﺑﺪَّ ﺃﻧﻨﺎ ﻗﺪ ﺟﺌﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻠﺪﺓِ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻔﺠﺮِ . ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺠّﻤﻴﻊ، ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺪﺓِ، ﻗﺪ ﻣﺎﺗﻮﺍ . ﺍﻟﺨﻴﻮﻝ ﻭﺍﻷﺑﻘﺎﺭ ﺃﻳﻀﺎً ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ ﻣﻮﺗﻬﺎ . ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺃﻗﻮﻝ ﺇﻥّ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻗﺪ ﻓﺎﺡ ﺑﻌﻔﻮﻧﺔ ﺍﻟﻤﻮﺕ . ﻟﻜﻦ ﺫﻟﻚ ﻟﻦ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﺤﻴﺤﺎً . ﻓﻬﻮ ـ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ـ ﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻓﺎﺋﺤﺎً، ﺑﺎﻷﺣﺮﻯ، ﺑﺮﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﺰّﺑﺪﺓ ﺍﻟﺰّﻧﺨﺔ ﻭﺍﻟﺤﺮﺍﺭﺓ ﺍﻟﻤﺴﻤﻮﻣﺔ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﺭﻱ ﺍﻟﺮﺩﻳﺌﺔ . ﻭﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﺎﻥ ﻫﻨﺎﻟﻚ ـ ﻭﻳﺎ ﻟﻠﻤﻔﺎﺭﻗﺔ ! ـ ﻋﺒﻖُ ﺃﺯﻫﺎﺭٍ ﻭﺍﻫﻦٍ .
ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﻭﻥ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﺃﻣﻮﺍﺗﺎً ﻫﻢ ﺍﻷﻣﻮﺍﺕ . ﻭﻣﻐﻨّﻴﻦ ﺃﻏﺎﻥٍ ﺫﻫﺒﻴّﺎﺕ، ﻓﻲ ﺃﺻﻮﺍﺕٍ ﺟﻤﺎﻋﻴّﺔ، ﻃﺮﻭﺑﻴﻦ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﻣﻜﺎﻥ، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ ﺳﺎﻋﻴﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺎﻟﻚ ﺣﻴﻮﺍﺗﻬﻢ ﺍﻟﻤﺄﻟﻮﻓﺔ . ﺍﻵﺧﺮﻭﻥ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﻭﻥ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﻴﺘﻴﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻫﻢ ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ . ﺃﻭﻟﺌﻚ ﻗﺪ ﺧﺎﺿﻮﺍ، ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ، ﻣﻌﺎﺭﻙَ ﺃﺯﻟﻴّﺔ .
ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﺒﺪﻭ ﻟﻬﻢ ﻣﻬﻤﺎً ﺷﺄﻥ ﺗﻌﺪﺍﺩ ﻣﻦ ﻣﺎﺗﻮﺍ . ﻓﻜﻞ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻌﻨﻴﻬﻢ، ﺁﻧﺬﺍﻙ، ﻫﻮ ﻛﻴﻒ ﻳﺪﻳﺮﻭﻥ، ﺑﻜﻔﺎﺀﺓ، ﺭﻳﺎﺿﻴﺎﺕ ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﺍﻟﺠّﻬﻤﺔ، ﻋﺴﺎﻫﻢ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﻥ، ﺑﺬﻟﻚ، ﺃﻥ ﻳﻨﺘﺼﺮﻭﺍ ﻓﻲ ﺃﻋﻈﻢ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻙ ﺃﻫﻤﻴّﺔ، ﻭﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﺎﺭﻳﺔً ﻋﻠﻰ ﻗﻴﺎﺩﺓ ﺳﺎﺣﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﺮ ﺍﻟﺨﺮﺍﻓﻴّﺔ ﻫﺬﻱ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ، ﺫﺍﺕ ﻳﻮﻡ، ﺃﺭﺿﺎً ﺟﻤﻴﻠﺔ ﻭﻣﺘﺤﻀّﺮﺓ .
ﻛﻨﺖ ﺑﺎﺣﺜﺎً ﻋﻦ ﻋﺎﺋﻠﺘﻲ ﻭﻣﺤﺒﻮﺑﺘﻲ . ﻛﻨﺖ ﺃﺭﻳﺪ ﺃﻥ ﺃﻋﺮﻑ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﺃﻡ ﻻ . ﻓﺈﻥ ﻣﺎ ﻭﺟﺪﺕ ﺑﻴّﻨﺔً ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﻛﻨﺖُ ﻣﻨﺘﻮﻳﺎً ﺃﻥ ﺃﻇﻞّ ﻣﺘﻌﻠّﻘﺎً ﺑﺎﻟﺤﻴﺎﺓ ﺣﺘﻰ ﺧﻴﻄﻬﺎ ﺍﻟﻤﻬﻠﻬﻞ ﺍﻷﺧﻴﺮ . ﺃﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻋﺮﻓﺖ ﺃﻧﻬﻢ ﻫﻢ، ﻛﺬﻟﻚ، ﻗﺪ ﻣﺎﺗﻮﺍ ﻭﻣﺎ ﻋﺎﺩﻭﺍ ﻣﺤﺘﺎﺟﻴﻦ ﺇﻟﻲّ ﻓﺴﻮﻑ ﺃﻣﻮﺕ، ﻭﻗﺘﺬﺍﻙ، ﻓﻲ ﺳﻼﻡٍ .
ﻛﻞّ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎﺗﻲ ﻗﺎﺩﺗﻨﻲ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺒﻠﺪﺓ . ﻟﺬﺍ ﺇﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﺣﺒﻴﺒﺘﻲ، ﺇﺧﻮﺍﻧﻲ ﻭﻋﺎﺋﻠﺘﻲ ﻣﺎ ﻳﺰﺍﻟﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻥٍ ﻣﺎ ﻓﺈﻧﻬﻢ ﺳﻴﻜﻮﻧﻮﻥ ﻫﻨﺎ . ﻓﻬﺬﻩ ﻫﻲ ﺍﻟﺒﻠﺪﺓ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ . ﻭﻭﺭﺍﺀ ﺑﻮﺍﺑﺘﻬﺎ ﺍﻟﺼﺪﺋﺔ ﺗﺮﻗﺪ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ . ﺇﻥ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ ﺗﺘﻤﻄّﻰ ﻋﻠﻰ ﻃﻮﻝ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺬّﺍﻫﺐ، ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻓﻲ ﺍﻟﺘّﺎﺭﻳﺦ، ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻐﺮﺑﻲّ ، ﺛﻢّ ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺒﻊ ﺍﻟﺠﻔﺎﻑ ﻭﺍﻟﻤﺠﺎﻋﺔ : ﺟﺒﻞ ﺍﻟﻼ ﻣﺤﺒّﺔ ﺍﻟﻌﺎﺗﻲ . ﻣﻦ ﻗﻤﺔ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺠّﺒﻞ ﺗﺘﺮﻧّﻢ، ﻓﻲ ﺍﻟﻠّﻴﻞ، ﺃﺭﻭﺍﺡ ﺍﻟﻨّﻔﻲ ﺍﻟﻤﺘﺠﻬّﻤﺔ ﺑﺄﻏﺎﻧﻲ ﻫﻮﻟﻬﺎ ﺍﻟﻤُﻼﺷﻴﺔ ﻟﻠﺮﻭﺡ . ﺗﺴﺮﻕ ﻣﻨّﺎ ﺃﻏﺎﻧﻲ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻟﺮّﺟﺎﺀ ﻭﺗُﺼﻴّﺮﻧﺎ ﻣﺴﻠِّﻤﻴﻦ ﻃﺎﻗﺎﺗﻨﺎ ﻟﻠﻬﻮﺍﺀ ـ ﻟﻠﻬﺒﺎﺀ . ﺇﻧﻬﺎ ﺃﻏﺎﻥٍ ﺑﺎﺭﺩﺓ ﺗﺠﻌﻠﻨﺎ ﻣﻨﻘﺎﺩﻳﻦ ﺇﻟﻰ ﻭﺿﻮﺡ ﺍﻻﺣﺘﻀﺎﺭ .
ﻭﺭﺍﺀﻧﺎ، ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﻘﻊ ﻛﻞّ ﻫﺬﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻛﻞّ ﺍﻻﺣﺘﻤﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ . ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻛﻞ ﺇﻣﻜﺎﻧﺎﺕ ﺍﻟﺒﺪﺀ ﻣﻦ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻳُﻨﺸﺊُ ﻣﻨﻬﺎ ـ ﺭﻭﻳﺪﺍً ﺭﻭﻳﺪﺍً ـ ﺗﺎﺭﻳﺦٌ ﻭﻣﺴﺘﻘﺒﻞٌ ﻋﺬﺏٌ ﺟﺪﻳﺪٌ ـ ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻟﻨﺎ ﻓﻘﻂ ﺃﻥ ﻧﺴﺘﺒﻴﻦ ﻫﺎﺗﻴﻚ ﺍﻹﻣﻜﺎﻧﺎﺕ . ﻟﻜﻨّﺎ ﺍﻵﻥ ﻻ ﻧﺸﻬﺪ، ﻗُﺪُﻣﺎً، ﺳﻮﻯ ﺍﻷﻏﺎﻧﻲ ﺍﻵﺗﻴﺔ ﻣﻦ ﺟﺒﻞ ﺍﻟﻤﻮﺕ .
ﻧﺤﻦُ ﻧﺒﺤﺚُ ﻋﻤّﻦ ﻧﺤﺒّﻬﻢ ﺑﻤﻴﻜﺎﻧﻴﻜﻴّﺔ ﻭﺑﺠﻔﺎﻑٍ ﻓﻲ ﻋﻴﻮﻧﻨﺎ . ﻣﻌﺪّﺍﺗﻨﺎ ﻣﺎ ﻋﺎﺩﺕ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ . ﻣﺎ ﻋﺎﺩ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺷﻲﺀ ﻳﻮﺟﺪ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﺒﺤﺚ . ﻧﺤﻦُ ﻧُﻘﻠّﺐ ﺍﻷﺟﺴﺎﺩ ﻋﻠﻰ ﺟﻮﺍﻧﺒﻬﺎ، ﻋﻠّﻨﺎ ﻧﺮﻯ ﻭﺟﻬﺎً ﺃﻟﻴﻔﺎً . ﻛﻞّ ﺍﻟﻮﺟﻮﻩ ﺃﻟﻴﻔﺔ . ﻓﺎﻟﻤﻮﺕ ﻗﺪ ﺟﻌﻠﻬﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻣﻦ ﺁﻟﻲ ﻭﻋﺸﻴﺮﺗﻲ .
ﺃﻭﺍﺻﻞُ ﺑﺤﺜﻲ . ﺁﺗﻲ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﺚ ﻭﺟﻪٍ ﻻ ﻣﺄﻟﻮﻑ . ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺃﺧﻲ . ﺃُﻭﻣﺄ ﺑﺮﺃﺳﻲ . ﺃﻫﻴﻞُ ﺗﺮﺍﺑﺎً ﻋﻠﻰ ﺟﺴﺪﻩ . ﺑﻌﺪ ﺳﺎﻋﺎﺕٍ ﻻﺣﻘﺔ ﺃﺟﻲﺀ ﻗﺮﺏ ﺑﺌﺮ ﺟﺎﻓّﺔ ﻓﺄﻟﻘﻰ ﻫﻨﺎﻙ ﺃﻓﺮﺍﺩ ﻋﺎﺋﻠﺘﻲ ﺍﻵﺧﺮﻳﻦ . ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻣّﻲ، ﻣﻦ ﺑﻴﻨﻬﻢ، ﻣﺘﺸﺒّﺜﺔ ﺑﻌﻈﻢٍ ﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨّﺸﺎﻑ ﺑﺤﻴﺚ ﺃﻧﻪ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺳﻴُﻐﺬّﻱ ﺣﺘﻰ ﺍﻟﺬّﺑﺎﺏ . ﺃﻭﻣﺄ ﺑﺮﺃﺳﻲ ﻣﺮّﺗﻴﻦ . ﺃﻫﻴﻞُ ﺗﺮﺍﺑﺎً ﻋﻠﻰ ﺃﺟﺴﺎﺩﻫﻢ . ﺃﻭﺍﺻﻞُ ﺑﺤﺜﻲ . ﺛﻤﺔُ ﻭﺟﻪٍ ﻭﺍﺣﺪٍ ﺁﺧﺮٍ ﺳﺘﺴﺮﻱ ﻋﻨّﻲ ﻣﺄﻟﻮﻓﻴّﺘﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ . ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺃﺟﺪ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﺳﺄُﺳﻠّﻢ ﻧﻔﺴﻲ ﻷﻏﺎﻧﻲ ﺍﻟﺠّﺒﻞ .
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻐﺮﻭﺏ ﺁﺗﻴﺎً ﺣﻴﻦ ﺳﻤﻌﺖُ، ﻣﻦ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﻣﺒﻨﻰ ﻣﺪﺭﺳﺔٍ ﻏﻴﺮ ﻣﻜﺘﻤﻞ، ﻏﻨﺎﺀً . ﻛﺎﻥ ﺫﺍﻙ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻤﻌﺘﻬﺎ، ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻲ، ﺳﺤﺮﻳّﺔً ﻓﻈﻨﻨﺖُ ﺃﻧﻪ ﻓﻘﻂ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﻛﻢ ﻫﻲ ﻋﺬﺑﺔٌ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﻐﻨّﻮﺍ ﻛﺬﻟﻚ – ﻳﺴﺘﻄﻴﻌﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﻐﻨّﻮﺍ ﻭﻛﺄﻧﻤﺎ ﺍﻟﺘﻨﻔّﺲَ ﻛﺎﻥ ﺻﻼﺓً .
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺒﻬﻴﺠﺔ ﻟﻠﺨﻠﻖِ ﺟﻤﻴﻌﻪ؛ ﺃﻟـ ” ﻧﻌﻢ ” ﺍﻟﻤﻘﺪِّﺳﺔ ﻟﻠﻨَّﻔَﺲ ﻭﺍﻟﻀّﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤُﻔﻌﻤﺔ ﺑﻬﻤﺎ ﻛﻞُّ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ، ﺫﻳﻨﻜﻤﺎ ﺍﻟﻠﺬﺍﻥ ﻳﺠﻌﻼﻥ ﺍﻟﻤﺎﺀ ﻳﺘﺮﻗﺮﻕ، ﺍﻟﻨﺒﺎﺕُ ﻳﻔﺮﺥُ، ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﺗﺜﺐُ ﻭﺗﻠﻌﺐُ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻮﻝ . ﻛﻤﺎ ﻭﻫﻤﺎ، ﻛﺬﻟﻚ، ﻣﺎ ﻳﺠﻌﻼﻥ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﻣﻠﻴّﺎً ﺇﻟﻰ ﺑُﻬﺮﺓ ﺍﻷﻟﻮﺍﻥ ﺍﻷﻭﻟﻰ، ﺇﻟﻰ ﺧﻀﺮﺓ ﺍﻟﻨﺒﺎﺗﺎﺕ، ﺯﺭﻗﺔ ﺍﻟﺒﺤﺮ، ﺫﻫﺐِ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻭﻓَﻀَّﺔ ﺍﻟﻨّﺠﻮﻡ . ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﻘّﺔ ﻟﻨﺸﺪﺍﻧﻲ، ﺍﻟﻤﻮﺳﻴﻘﻰ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻮّﺝ ﺣﻴﺎﺗﻲ ﺍﻟﺨﺎﺋﻨﺔ ﻫﺬﻩ، ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺎ ﻛﻨﺖُ ﻗﺎﺩﺭﺍً ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺃﺭﺟﻮﻫﺎ ﺃﻭ ﺃﺗﺨﻴّﻠﻬﺎ .
ﺑﺪﺍ ﻭﻛﺄﻥّ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻻﻧﻬﺎﺋﻴّﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻓﺎﺻﻠﺔً ﺑﻴﻨﻲ ﻭﻣﺒﻨﻰ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ . ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺪﻱّ ﻗﻮّﺓ ﺑﺎﻗﻴﺔ . ﻓﻘﻂ ﻛﺎﻥ ﺻﺪﻯ ﺍﻷﻏﻨﻴﺔ ﺍﻷﺧﻴﺮ، ﺍﻟﻤﺠﻠﺠﻞ ﺧﻠﻞ ﻓﻀﺎﺀﺍﺕ ﺟﻮﻋﻲ ﺍﻟﺮﺣﻴﺒﺔ، ﻫﻮ ﻣﺎ ” ﺃﻋﺎﺷﻨﻲ .” ﺛﻢّ، ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺮﻧﺎً، ﺣﻴﻦ ﺃﻋﺎﺩ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻧﻔﺴﻪ ﻭﺃﺗﻰ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺑﺬﺍﺕ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﻷﻥ ﻣﺎ ﺃﺣﺪ ﻣﻨّﺎ ﺗﻌﻠّﻢ ﺃﺑﺪﺍً ﻣﻦ ﺩﺭﺳﻪ ﺃﻭ ﺃﺣﺐَّ ﺑﻤﺎ ﻳُﻜﻔﻲ ﻟﻜﻲ ﻳﺘﻌﻠّﻢ ﻣﻦ ﺍﻷﻟﻢ، ﻭﺻﻠﺖُ، ﺃﺧﻴﺮﺍً، ﺇﻟﻰ ﺑﺎﺏِ ﺣﺠﺮﺓِ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔِ . ﻟﻜﻦّ ﺑﻘﺮﺓً، ﻛﺎﻧﺖ ﻫﻲ ’ ﺍﻟﺸﻲﺀ ‘ ﺍﻟﺤﻲّ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻇﻞّ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻠﺪﺓ، ﻣﺮّﺕ، ﻣﻦ ﻗﺒﻠِﻲ، ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺒﺎﺏ . ﻻ ﺑﺪّ ﺃﻧﻬﺎ ﻫﻲ، ﺃﻳﻀﺎً، ﻗﺪ ﺟُﺬﺑﺖ ﺑﺎﻟﻐﻨﺎﺀ . ﻣﻀﺖ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺤﺠﺮﺓ ﻭﺗﺒﻌﺘﻬﺎ ﺃﻧﺎ .
ﻓﻲ ﺍﻟﺪّﺍﺧﻞ، ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ﺟﻤﻴﻌﻪ ﻗﺪ ﺃﺧﺬﻩ ﺍﻷﻣﻮﺍﺕ . ﻟﻜﻦ ﺍﻟﻬﻮﺍﺀ ﻫﻨﺎ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻴﻪ ﻣﻮﺕ . ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻴﻪ ﺻﻼﺓٌ . ﺍﻟﺼّﻠﻮﺍﺕُ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﺎﺋﺤﺔَ ﺍﻟﺮّﻭﺍﺋﺢ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻤِﻴﺘﺎﺕ . ﺑﻴﺪ ﺃﻥ ﻛﻞّ ﺍﻟﻤﻴّﺘﻴﻦ ﻫﻨﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﺨﺘﻠﻔﻴﻦ، ﻓﻲ ﻣﻮﺗﻬﻢ، ﻋﻦ ﺍﻟﺠّﺜﺚ ﺍﻟﻤﻄﺮﻭﺣﺔَ ﺧﺎﺭﺟﺎً . ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ ﻫﻨﺎ ـ ﻭﺍﻋﺬﺭﻭﻧﻲ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ـ ” ﺃﺣﻴﺎﺀ .” ﻟﻴﺴﺖ ﻟﺪﻱّ ﻛﻠﻤﺔ ﺃﺧﺮﻯ ﻟﺘﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﺼﻔﺎﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻫﻢ ﻓﻴﻪ . ﺷﻌﺮﺕُ ﺑﺄﻧّﻬﻢ ﻗﺪ ﺻﻴّﺮﻭﺍ ﺍﻟﺤﺠﺮﺓ ﻣﻘﺪّﺳﺔً ﻷﻧّﻬﻢ ﻓﻜّﺮﻭﺍ، ﻓﻲ ﻟﺤﻈﺎﺗﻬﻢ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ، ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻭﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺎﻧﻮﻥ . ﺷﻌﺮﺕُ ﺑﺄﻥ ﻫﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﺷﺄﻧﻬﻢ ﻷﻧّﻨﻲ ﺃﺣﺴﺴﺖُ ﺑﻨﻔﺴﻲ ﻓﺎﻋﻼً ﻟﺬﺍﺕ ﺍﻟﺸﻲﺀ . ﺯﺣﻔﺖُ ﻧﺤﻮ ﺭﻛﻦٍ، ﺟﻠﺴﺖُ ﺇﺯﺍﺀ ﺣﺎﺋﻂٍ، ﺛﻢّ ﺷﻌﺮﺕُ ﺑﻨﻔﺴﻲ ﻣﺼﻠّﻴﺎً ﻟﻜﻞِّ ﺍﻟﺴّﻼﻟﺔ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ .
ﺻﻠّﻴﺖُ ـ ﻭﺃﻧﺎ ﻋﺎﻟﻢٌ ﺗﻤﺎﻣﺎً ﺃﻥ ﺻﻠﻮﺍﺗﻲ ﺭﺑﻤﺎ ﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﺳﻮﻯ ﺇﺿﺎﻋﺔ ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻟﻠﻮﻗﺖ . ﺻﻠّﻴﺖُ ﻣﻦ ﺃﺟﻞِ ﻛﻞِّ ﺷﻲﺀٍ ﻋﺎﺵ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺠﺒﺎﻝ ﻭﺍﻷﺷﺠﺎﺭ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﺎﺕ ﻭﺍﻷﻧﻬﺮ، ﻭﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ، ﺃﻳﻨﻤﺎ ﻫﻢ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ . ﻗﺪ ﺳﻤﻌﺖُ ﺻﺮﺧﺔ ﺟِﻤﺎﻉ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ ﺍﻟﻌﻈﻴﻤﺔ ﺍﻟﻘﻠﻖ ﻭﺍﻟﻔﺰﻉ؛ ﻛﺬﻟﻚ ﻣﻮﺳﻴﻘﺎﻫﺎ ﺍﻟﻤُﺴﺘَﻮﻃَﻨﺔ ـ ﺑﻬﻮﺱٍ ـ ﻟﻠﺮﻭﺡ . ﺛﻢ ﺑﺪﺃﺕ ﺃﻧﺎ ﺃﻳﻀﺎً، ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﺃﺣﺮّﻙ ﻓﻤﻲ ﻻﻧﺤﺴﺎﺭ ﻃﺎﻗﺘﻲ، ﺃﻏﻨّﻲ ﻓﻲ ﺻﻤﺖ . ﻏﻨﻴّﺖ ﻋﻠﻰ ﻣﺪﻯ ﻛﻞّ ﺍﻟﻤﺴﺎﺀ .
ﻭﺣﻴﻦ ﻧﻈﺮﺕُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻛﺎﻥ ﺑﻘﺮﺑﻲ ﻭﺭﺃﻳﺖ، ﻓﻲ ﺍﻟﻼﻣﺄﻟﻮﻓﻴّﺔ ﺍﻟﻤﻀﻴﺌﺔ ﺑﻮﺟﻬﻪ، ﻭﺟﻪ ﺣﺒﻴﺒﺘﻲ ﻏﻨﻴّﺖ ﺁﻧﺎﺀ ﺯﻣﺎﻥٍ ﻛﻞِّ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﺘﻌﺮّﻑ . ﻏﻨﻴّﺖُ ﺑﺼﻤﺖٍ ﺣﺘﻰ ﺣﻴﻦ ﺟﺎﺀ ﺭﺟﻞٌ ﺃﺑﻴﺾ ﻃﻴّﺐ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺇﻟﻰ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺑﺂﻟﺔ ﺗﺼﻮﻳﺮٍ ﺗﻠﻔﺰﻳﻮﻧﻴّﺔ ﻭ، ﺑﺎﻛﻴﺎً، ﺳﺠّﻞ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺸﺎﻫﺪ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﺍﻟﻤﻶﻧﺔ ﺑﺎﻟﻤﻮﺗﻰ ﻟﻠﻌﺎﻟـﻢ ـ ﺃﻣﻠﺖُ، ﺁﻧﺬﺍﻙَ، ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺪ ﺳﺠّﻞ ﻏﻨﺎﺋﻲ ﺃﻳﻀﺎً .
ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﻓﺞٍّ ﺣﻮﻟﻲ، ﻣﺒﺘﺴﻤﻴﻦ ﻭﻋﻠﻰ ﺻﻔﺎﺀ . ﻣﺎ ﺣﻀّﻮﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻀﻲّ ﻗﺪﻣﺎً – ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻓﻘﻂ ﻣﺒﺘﻬﺠﻴﻦ ﺑﻬﺪﻭﺀٍ ﻭﻋﻤﻖٍ . ﻟﻢ ﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻲ ﺃﻥ ﺍﻫﺮﻉ، ﻋﺠﻮﻻً، ﺇﻟﻴﻬﻢ، ﺑﻞ ﺗﺮﻛﻮﺍ ﺫﻟﻚ ﺍﻷﻣﺮ ﻟﻲ . ﻣﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻤﺴﺘﻄﺎﻋﻲ ﺃﻥ ﺍﺧﺘﺎﺭﻩ؟ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ – ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻸﻯ ﺑﺎﻟﺠﺸﻊ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺭﺓ، ﺍﻟﻤﻌﺘﻤﺔ، ﺧﻔﻴﻀﺔ ﺍﻷﻭﻛﺴﺠﻴﻦ، ﺍﻟﺪﺍﻣﻐﺔ ﺑﺎﻷﺣﻜﺎﻡ ﻭﺍﻹﺩﺍﻧﺎﺕ، ﺍﻟﻠﺌﻴﻤﺔ ﺛﻢ، ﻛﺬﻟﻚ، ﺍﻟﻠﻄﻴﻔﺔ ﻭﺍﻟﺮﺍﺋﻌﺔ . ﻟﻜﻦ … ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ ﻗﺪ ﺧﺎﻧﺘﻨﻲ . ﺛﻢّ، ﺑﺨﻼﻑِ ﺫﻟﻚ، ﻣﺎ ﺗﺒﻘّﻰ ﻣﻨّﻲ ﺷﻲﺀٌ ﻳُﻨﻘﺬ . ﺣﺘﻰ ﺭﻭﺣﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﺤﺘَﻀَﺮَﺓً ﻣﻦ ﺍﻟﺠّﻮﻉ .
ﻓﺘﺤﺖُ ﻋﻴﻨﻲّ ﻟﻠﻤﺮّﺓ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ . ﺭﺃﻳﺖُ ﺁﻻﺕ ﺍﻟﺘﺼﻮﻳﺮ ﻣﺴﻠّﻄﺔً ﻓﻮﻗﻨﺎ ﺟﻤﻴﻌﺎً . ﻟﻬﻢ، ﻧﺤﻦُ ﻛﻨّﺎ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ . ﺁﻧﻤﺎ ﻋﺒﺮﺕُ ﻧَﺰَﻉ ﺍﻟﻀّﻴﺎﺀ ﺭﺃﻳﺘﻬﻢ ﻫﻢ ﻛﺎﻟﻤﻮﺗﻰ ﺇﺫ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻣﻌﺠﻮﻧﻴﻦ ﻓﻲ ﻋﺎﻟﻢٍ ﺩﻭﻥ ﺷﻔﻘﺔٍ ﺃﻭ ﺣﺐٍّ .
ﻭﻓﻴﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ ﺟﺎﺋﻠﺔً ﻓﻲ ﺃﻧﺤﺎﺀ ﺧﺮﺍﺏ ﺍﻟﺤﺠﺮﺓ ـ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﺒﺎﺋﻦ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﺼﻮّﺭﻭﻥ ﺍﻟﻤﺴﺠّﻠﻮﻥَ ﺍﻟﺤﺪﺙَ ﺟﻤﻴﻌﻪ ﻗﺪ ﺑﺪﺍ ﻟﻬﻢ ﻋﺠﺒﺎً ﺃﻣﺮ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺃﻧﺎ ﻗﺪ ﺟﻌﻠﺖُ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﺮﺗﺎﺣﺎً ﻫﻜﺬﺍ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﻮﺗﻰ . ﺃﻧﺎ ﻗﺪ ﻓﻌﻠﺖُ ﺫﻟﻚ ﺇﺫ ﺗﻤﺪّﺩﺕُ ﺣﻴﺚُ ﻛﻨﺖُ ﻭﺃﻣﺴﻜﺖُ ﺑﻴﺪِ ﻣﺤﺒﻮﺑﺘﻲ . ﻭﺑﻨَﻔَﺲٍ ﺃﻟﻴﻢٍ ﻭﺷﻬﻘﺔٍ ﻭﺍﺑﺘﺴﺎﻣﺔٍ ﺗﺮﻛﺖُ ﻧﻔﺴﻲ ﺗﻨﻄﻠﻖُ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﺚُ ﺷﺎﺀﺕ .
ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻻﺑﺘﺴﺎﻣﺔُ ﻗﺪ ﺣﻴّﺮﺕ ﺻﺎﺋﻐﻮ ﺍﻟﺘﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﺼّﺤﻔﻴّﺔ . ﻭﻟﺌﻦ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﻓﻬﻤﻮﺍ ﻟﻐﺘﻲ ﻟﻜﺎﻧﻮﺍ ﻗﺪ ﺃﺩﺭﻛﻮﺍ ﺃﻧّﻬﺎ ﻃﺮﻳﻘﺘﻲ ﺍﻟﺨﺎﺻّﺔ ﻓﻲ ﻗﻮﻝِ ” ﻣﻊ ﺍﻟﺴَّﻼﻣﺔ .”

*روائي وشاعر من نيجريا

تعليقات الفيسبوك

تعليق واحد

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…