649

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

القوات الإسرائيلية تجتاح قطاع غزة وتشن هجوما بريــًا وجويــًا على القطاع… القوات الإسرائيلية تقصف القطاع وتهدم العديد من المنازل بالجرافات… انقطاع الكهرباء عن القطاع.. إغلاق معبر رفح لأجل غير مسمى.. ناشطون يقومون بتظاهرات في أرجاء العالم تضامناً مع أهل غزة… تبرعوا لأجل غزة.. منظمة أطباء بلا حدود تقدم خدماتها الطبية لأهل غزة ووصول قافلة طبية تحت رعاية الأمم المتحدة لمتابعة الحالات العاجلة بعد العدوان الإسرائيلي الغاشم على القطاع..

عشرات العناوين التي تطالعنا يوماً بعد يوم وساعة بعد أخرى كل فترة وهي كل ما يربطنا بغزة طبعاً كلما تفاقمت المشاكل بين حماس وفتح وإسرائيل.. وكلما حدث حصار وقصف وقتل لأبرياء بلا ذنب.. زادت العناوين وكثر عددها وبعدما تهدأ الزوبعة تتوقف العناوين.. ويبقى الحال كما هو عليه.. من قُتِل قُتِل, ومن تشرد وهُدِم منزله بقي بلا مأوى..

عجلة دوارة كعجلة الروليت لا نعرف متى ستتوقف وعلى أي رقم!!

 هنا في حياة معلقة نخرج من هذه الدورة .. نتوقف لنلتقط أنفاسنا ونرى غزة من جانب آخر.. جانب حياتي وإنساني خارج إطار الإحتلال وتحت وطأته بنفس الوقت…. هي رواية دسمة تتناول بالشرح حياة أكثر من عائلة فلسطينية تعيش في غزة.. الكاتب فيها يلقي بالضوء على حياة أهل غزة, حياتهم الاجتماعية الإنسانية برؤية مختلفة تماماً.. طريقة سرد الكاتب متميزة تأخذك بعيدًا للعالم الحقيقي في غزة..

 هو لا يحكي عن البطولة والمقاومة والعمليات الفدائية والانتفاضة.. لا يغازل مشاعرنا بعبارات تدمع لها العين أو ينقطع معها نياط القلب كمدًا على أبطال ماتوا في سبيل قضيتهم وحريتهم.. بل يمس مشاعرنا بحديث ناعم وقوي وعميق عن الحياة ذاتها.. أشخاص عاديون, تناوبوا التنقل من مرحلة إلى أخرى ما بين المقاومة والبطولة والهجرة للدراسة أو الهجرة نهائياً من الأراضي الفلسطينية.. أشخاص عاشوا قصص حب, استمرت أو فشلت.. أشخاص مارسوا أعمالاً عادية شأنهم في ذلك شأن أي إنسان في الوطن العربي, أشخاص استغلوا الحصار, وأشخاص استثمروا بطريق غير مباشر الاحتلال.. أشخاص يريدون أن يعيشوا الحياة, ولا يرون في الموت حتى لو برصاصة خطأ من العدو استشهادًا.. و أشخاصًا آخرين حياتهم كلها تدور في إطار المقاومة فقط.. غزة ليست فقط هي المكان الذي يستأسر بالرواية, بل بقعة معينة من أرض غزة.. التلة التي تشرف على المخيم الذي تقع فيه أحداث القصة.. كل الشخصيات من أهل غزة الذين تناولتهم الرواية مجرد تروس تدور في آلة كبيرة, لكل منهم دور لا يحيد عنه ولو حاول!!!

نعيم صاحب المطبعة التي تطبع صور الشهداء, الذي ولد مع استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية, ولم تنجح عائلته في الخروج من فلسطين.. وبقي في غزة وتزوج آمنة وأنجب أربعة أبناء أكبرهم سالم المعتقل منذ شبابه في المعتقلات الإسرائيلية .. وابنته التي تزوجت وعاشت في السعودية مع زوجها.. سليم الذي هاجر للحصول على الدكتوراه, وسمر أصغر الأبناء التي تدرس بالجامعة.. في صبيحة يوم ما مات نعيم, وهو يفتح مطبعته قُتِل برصاصة جندي إسرائيلي ربما كانت مجرد رصاصة طائشة بلا سبب..

 وعاد سليم إلى غزة بعد مقتل والده.. عاد بعدما غادرها للحصول على منحته الدراسية ودرجة الدكتوراه تاركًا يافا حبيبته ومضحياً بها.. تاركًا والده نعيم يعاني الوحدة مع سمر أخت سليم الصغرى, و باقيًا قيد انتظار خروج سالم الابن الأكبر..

يعود ليبقى في غزة, التي هرب منها يومًا إلى أوروبا ليحصل على الدكتوراه ويتخلى عن دوره كترس في الآلة .. يعود ليبقى, ولكنه لا يتزوج يافا.. ولا ناتالي حبيبته الإيطالية.. ويفقد منزله أيضًا بجرافات الحكومة الغزاوية..

 يافا الفتاة التي هجرها حبيبها سليم لأجل تحقيق حلمه ولم يضعها في سلة أحلامه التي هاجر بها.. ويعود بعد وفاة والده عم نعيم صاحب المطبعة تتزوج وتفشل في حياتها وتستكمل الحياة كناشطة في مجال حقوق الإنسان وتتناسى الحب.. إلى أن تصادفه في لبنان عندما تلتقي نادر وتقع في الحب من جديد, لتكتشف أنه ابن عمها الذي أتت للبنان باحثة عنه.. وعندما يدخل نادر غزة ليرى عمه خليل, وبعد أن يراه يموت الرجل كمدًا لأنه سيضطر لترك التلة التي عاش عليها عمره كله..

المناضل خميس ابن العم يوسف الذي تحول لرجل أعمال وتاجر من تجار الأنفاق وحقق ثروة طائلة استغلها فيما بعد لبناء مول تجاري كبير ومسجد وقسم شرطة على التلة.. ذاك المكان الذي كان يضم خمس عائلات فلسطينية هدمت منازلهم لا بجرافات الاسرائيلين بل بمعاول هدم الحكومة في غزة.. حكومة حماس, التي لا تختلف كثيرًا عن قوات الاحتلال..

البطل صبحي الذي تحول في فترة كهولته ونسي البطولة والمقاومة و أطال لحيته وتغيرت مفاهيمه لتتناسب مع الحكومة التي تسيطر على غزة.. تنصل لمبادئه ونضاله القديم, وتصادم مع ابنته نيفين وفرض عليها العزلة الإجبارية باسم الدين.. إلى أن فقد عقله!! أو لنقل استرد عقله جراء صدمة صديق شبابه عم خليل الذي ضربه واحد من رجال الشرطة بالعصا عند إخلاء التلة.. مما تسبب في دخوله غيبوبة استمرت شهور, وبعدما استرد وعيه مات كمدا عندما طالبوه مرة ثانية بإخلاء التلة التي عاش فيها عمره كله..

 الشاب نصر ابن عمة سليم الذي ظل من شباب المقاومة ونسي حياته رغم قصة حبه لنيفين ابنة صبحي ولم يفكر بالهجرة حتى قارب الأربعين وأصبح كالآخرين مجرد ترس في آلة تدور.. وإذ به أخيرا بعدما لاحت فرصة الاقتران بحبيبته يجد أنها ترغب في الهجرة إلى السويد وترك غزة التي لم تعد مكانا صالحا للحياة وتأسيس أسرة وتكوين عائلة..

 ناتالي الفتاة الإيطالية التي أحبت سليم عندما تلاقيا في إيطاليا, ولكن غيرتها الشديدة عليه جعلتهما يفترقان وإن بقي للحب ذكرى في قلبها.. تعلمت العربية, واشتغلت بالصحافة واهتمت بتغطية اخبار فلسطين وغزة وأتت لتبحث عن عم نعيم والد حبيبها, وتلاقت معه وقابلته, عقدت معه لقاء صحفيا إنسانيا لتتعرف منه على والد حبيبها وبقيت صديقة للرجل حتى علمت بمقتله لتأتي إلى غزة وتتقد جذوة الحب من جديد بينها وبين سليم.. ولكن وجود يافا وصداقتها بها يصبح حائلا لعودة العلاقة مرة أخرى.. وتتعلق بيورو صبي المقهى الشاب الذي قارب الأربعين ومازال حلم الهجرة يراوده.. هذا الحلم الذي جعل كل الأحلام تتأجل تسكن بئر النسيان حتى يحقق حلمه بافتتاح مقهي على الطراز العربي في إيطاليا أو أسبانيا.. وتساعده ناتاي التي تقع في حبه, أو لنقل تجد فيه سلوى تعوضها عن سليم..

 

ياسر الشاب الفلسطيني الذي يجيد التصوير ويتحدث الإنجليزية, ويعمل بالإرشاد السياحي.. والذي تقوده مصادفة مساعدته لصحفي أجنبي في رحلته بالأراضي المحتلة.. يعرض عليه الصحفي أن يلتقط صورًا تصف الحياة في غزة تحكي الوضع القائم بالصور, يوافق ياسر ويتحول بالتدريج إلى صاحب وكالة إخبارية يعمل مع مراسلين صحفيين من مختلف أنحاء العالم, ويكتب المقالات الصحفية التي تصف الوضع في غزة.. مصائب قوم عند قوم فوائد.. يغوص ياسر في حياة البشر ليكتب عنهم.. كلما تفاقم الوضع في غزة كلما استفاد ياسر وتوسع عمله… ولكنها ليست غلطته وهو ليس بذنبه.. فهو مجرد ترس من تروس الآلة التي تدور.. ألم نتفق؟! كلنا تروس تدور لتسير العجلة!!

 هناك إشارات يرسلها الكاتب عامدًا.. قد يفهمها أحد القراء وقد لايفهمها آخر.. كل حسب قراءته

البداية والنهاية بداية الرواية ونهايتها كانت بموت رجل عجوز يمثل جيل 48.. نعيم صاحب المطبعة .. وخليل والد يافا

 الأول قتل برصاصة طائشة من جندي اسرائيلي.. رصاصة أردته قتيلاً وهو يهم بفتح مطبعته كما يفعل كل صباح.. وتحول الصباح العادي في حياة نعيم لصباح مختلف.. حوله شهيدًا في نظر شباب المقاومة, وضحية في نظر ابنه سليم.. وشتان بينهما

 والثاني أصيب بغيبوبة جراء ضربة هراوة من شرطي فلسطيني.. وقت اخلاء التلة والصراع بين شباب المخيم ورجال الشرطة.. رغم إفاقته الخيالية بعد ثلاثة اشهر.. إلا أنه أسلم روحه لبارئها بعد فترة قصيرة يوم أن فاتحه مندوب الحكومة الفلسطينية بضرورة اخلاء داره حتى يتم بناء المركز التجاري… أخلى الرجل الدار, ولكن ليس للمسكن الذي كانت ستعوضهم به الحكومة, وإنما إلى قبره.. حياته تنتهي بمغادرته للتلة.. فليغادر كل الدنيا إذا..

 هل تعني تلك الإشارتين شيئًا لكما؟؟ لا أعرف أحسست أنها إشارة أو رمز لتجميد القضية الفلسطينية برمتها..

 سواء على يد المحتل… أو على يد حكومات فلسطينية شأنها كشأن أي حكومة في العالم… تبحث عن مصالح الساسة وتضحي بشعوبها…

 وبتلميح يشوبه التصريح يشير الكاتب إلى أن حكومة غزة عندما تبطش لا تختلف كثيرًا عن حكومة المحتل.. فلقد قام ممثلو الأمن بها باعتقال سليم لمدة عشرة أيام قاموا بتعذيبه بنفس الطريقة التي عذبه بها الاسرائليون في المعتقل في فترة مراهقته.. اعتقلوه لخطأ الاشتباه به, واتهموه بالخيانة بلا دليل واضح.. قال صبحي مدافعا عنهم “الشباب أصابتهم الحماسة وغلطوا”

 كما قاموا باختطاف ياسر أيضا عندما شعروا انه يمثل تهديدًا لهم بفضحه لممارستهم وانتقاده لأخطائهم في إدارة شئون البلاد وخاصة فيما يخص صفقة التلة..

 أما وزارة الأوقاف فاستغنت عن شيخ الجامع الذي بقي لسنوات إماما وخطيبا للمسجد.. لا لشئ سوى رفضه أن يوضح للناس أهمية المركز التجاري وما سيقوم به من نقلة حضارية للمكان.. الشيخ لم يكن مقتنعًا ورفض أن يستغل المنبر لإرغام الناس على ما لا يريدون.. فكان نصيبه النقل لمسجد بعيد يحتاج وقتا للذهاب إليه, بما يمثل عبئا عليه, فيضطر لتقديم استقالته..

 و هناك إشارة أخرى ..رجل المرور الذي يحاول أن يخلق عالمًا متوازنا بتسييره لحركة المرور .. الرجل المجهول الذي لم نعرف عنه سوى أنه واظب على تنظيم حركة المرور لعشرات السنين, وتحول ضابط مرور يرتدي الزي الرسمي ليكون رمزًا لحياة طبيعية, كأي حياة عادية على بقعة من بقاع الأرض..

 رغم متعة القراءة وجمال الرواية, إلا أنني افتقدت شيئا ما في الثلث الأول منها.. ولم أكتشف ماهيته… أو لنقل أنني افتقدت الحس العاطفي بها.. أي إحساسي أنا بها.. رغم تأثري مع نهاية الفصل الأول لمقتل نعيم صاحب المطبعة..

لكن!!

لا أدري

 هل زخم الأحداث, وكثافة السرد لوصف التفاصيل الصغيرة قد يفقدك التواصل العاطفي الكامل مع الرواية؟؟

 ومع هذا سرعان ما يعود هذا التواصل مع الوقت وبمتابعتك للقراءة.. بتصاعد الأحداث, وتعمقك داخل شخوص الرواية تجد نفسك متأثرًا بهم..

مشدودًا إليهم وإلى

 حياتهم التي تمضي وتبقى مع ذلك

 كحياة سليم الشخصية المحورية في الرواية

 حياة معلقة..

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سينما: بين رامي مالك وتوم هانكس (سيدا طاعون الرب)

ليست فجوة بين الأجيال، لكنها انتكاسة في نفوس البشر. لو اعتقد البعض من العنوان أن ما بعده ي…