الأم-السيئة

بقلم: نوف عائض

في الوقت الذي كان عليها أن تكون هنا تخلّفتْ..عرفتُ حينها أنها تعاقبني..وأضمرتُ  في قلبي أن أنتقم..لا أحد ينتقم من أمه إلا أنا..كلكم تقولون أن الأمهات جنّة لكن أمي جحيم سرمدي ..

طالبات الصف وقفن كلهن يهتفن لأمهاتهن، وفي قلبي كنت ألعن أمي ألف لعنة، أتلفت حولي وأرى الوجوه الضاحكة..كلهن سعيدات في حفلة التخرج التي انتظرتها معهن منذ التحقت بالثانوية.. لن أنسى مسيرة زميلاتنا اللاتي سبقننا نحو الجامعة، وكنت أتوق مثلهن لشهادتي التي تضعني على ذات الطريق الذي مضين إليه…

كنت أقف في طرف الصف الأول في أقصى ركن على خشبة مسرح المدرسة، وتعلّقت عيناي بالباب فلعلّها تحنث باليمين وتأتي.. كنت أخنق الصوت الأجش الذي يصيح بي في الأعماق أنها لن تأتي.. الصوت الذي قال لي عاليا أنها لم تفعلها سابقا فهل ستأتي الآن؟ وعندما أخبرته أن تخرّج الثانوية يختلف عن كل شيء ضحك حتى أخفى كل صوت ما عداه وقال لي تأملي.. وفتح لي أبواب الذكرى التي أغلقتُها وكدّست خلفها كل دموعي حتى لا تُفتح مرّة أخرى..رأيت أمي ساخرة تضحك عندما أحضرت لها شهادة الشكر من معلمة الرياضيات..قذفت في وجهي كلمتها الشهيرة ( ومنذ متى وأنتِ تفهمين؟ المعلمة تجاملك فتوقفي عن الآمال الخائبة..فأنتِ لا يأتي منكِ إلا المصائب..)

انسحبتُ قليلا نحو الخلف، ثم ألتفتُ إلى زميلتي التي تقف خلفي مباشرة وطلبتُ منها أن تتقدم لتقف مكاني لترى أمها جيدا كما رأيتُ أمي فتقدّمتْ ثم كررتُ طلبي من زميلتي التي بعدها حتى استقر بي المكان في أبعد زاوية من المسرح..انتقلتُ بعيدا في الظلام.. أطوي تلك الغصص التي تجاهد في صدري لتنطلق صارخة..(لم أفعل شيئا..كيف أقنعها أنّي لم أقصد الأذى أبدا..) ولكن أمي لم تقتنع ما زالت ترى في وجهي صورة طفلها الذي مات بسببي، هي لم تقل عن نفسها أنها مهملة لأنها تركت طفلا في الثالثة بين يدي أخته التي لم تتجاوز العاشرة ليلعبا سويا قرب السد المملوء بالماء..أمسح دموعي التي سقطت وأنا أتذكرني أبني بيوتا بالطين ثم أركض نحو شجرة قريبة وأسرق منها ورقة بشقّ الأنفس ثم أغرسها بين البيوت..كنت أمزج الطين وظهري نحو الماء وأنا أحاول بناء بيت صغير لأخي عندما وقعت قدم أمي فوق وطني ودعسته..حطمت كل شيء ولم أرفع رأسي إلا وعيناي في السماء وتلك التي لم تكن أمي تمسك رقبتي وتصرخ بي (أين أخيك؟!!)ثم تفلتني من يدها..صحتُ بها: ( لا أدري) وأكملتُ وسط دموعي (ابحثي عنه بنفسك) وانزويت خلف الشجرة اختبئ في جذعها وأواصل البكاء..صاحت أمي وألتف الناس حولنا لتخبرهم أمي أن أخي الصغير مفقود وأبي ذهب قبل قليل ليحضر شيئا نشربه..ثم انقضت عليّ لتسحبني بكل قوتها وهي تصيح : (أنتِ السبب..لقد كان معك..كيف ضاع دون أن تنتبهي..أنتِ السبب) ,أخذت تجرّني نحوها وأنا أصرّ على التمسك بجذع الشجرة وأكرر لها أن تبحث عنه بنفسها..اجتمع الناس ووقفوا بيننا.. وبعضهم قفز نحو الماء يبحث عن أخي.. انسحبت لأختبئ منهم جميعا خلف الشجرة وبقيت هناك حتى ارتفعت أصواتهم مرة أخرى وأخذت أمي تصرخ فالتفت لأرى أبي الذي عاد وهو يأخذ أخي الملطخ بالطين من بين يدي رجل آخر مازالت أقدامه تقف في الماء..حمله أبي وعيناه تقطر دمعا لكنه لم ينطق بحرف أما أمي فرمت نفسها على الأرض وأخذت تحثو الطين على وجهها..

بقيت أمي أشهرا لا تتحدث معي..كان أبي يقول أنها تحب أخي كثيرا ولن يكون لي أخ مرة أخرى لذلك هي حزينة.. وعليّ أن أسامحها..ولكنها لم تسامحني..أنا أيضا التي فتحتُ باب المنزل لجدتي لأمي فخطت نحو الدرج لتنزل بعضه ثم تعرقلت في عصاها وسقطتْ..فقدت جدتي القدرة على المشي وأمي فقدت القدرة على الحب والتسامح..لقد أسمتني أم المصائب..ولأنني لم أعرف كيف أشرح لها أن هذه المصائب قدر لا يد لي فيه بادلتها النار بالنار..عليها أن تفهم أنني لم أتعمد أخطائي وإن لم تفهم فعليها أن تتقبل أخطائي العمد رغما عنها..

لن أنسى أنني قبل عام سرقتُ ساعتها التي تتباهى بها دائما أمام صديقاتها، ووقفتُ أنتظر دخولها البيت بعد سهرة عشاء معهن..دخلت ضاحكة لا تعرف ما ينتظرها.. وعندما رأتني قالت:( ماذا لديكِ من مصيبة؟!) ابتسمتُ وقلت: (لا شيء..لكن أردتُ أن أخبركِ أنني وجدتُ ساعتكِ..) ابتسمتْ عيناها سعادة وسألت: (أين وجدتِها؟)وبلهفة قالت:( أعطني إياها..) كانت ضحكة عينيها سيفا ينحرني وتحشرجت الكلمات في حلقي وأنا أشير لها نحو الطاولة القريبة من التلفاز وأقول بحروف تختنق: (هناك) فأسرعتْ نحوها.. وانطلقتُ أنا أختبئ في غرفتي وعليّ شلال من اللعنات تدفق به لساني لأنّي حطمتُ الساعة ثم تعمدتُ ترتيب أجزائها لتظن أنها سليمة عندما تراها و ما إن تلمسها حتى تتهاوى من أصابعها ..سمعتُ صوت أمي يقترب ثم انهالت ضربا على باب الغرفة.. وهي تبكي وتسأل ربي في تفجّع: ( لِمَ لم تأخذها يا رب؟! لِمَ لم تأخذها وتترك لي ابني..كان هادئا ومطيعا..أما هذه فعاصية جبّارة..خذها يا رب أخذ عزيز مقتدر..)

جلست مع الطالبات في المقاعد المخصصة..وأخذت فقرات حفلة التخرج تتوالى..كنت أمشط صفوف الأمهات صفا صفا..وأقول لنفسي ليتها تكذب هذه المرة وتأتي..ثم أعود وأقول..ربما هي هناك.. هناك واحدة تشبهها ولكنّي لم أتبين وجهها..ظللتُ انتظر حتى سئمت..ثم قررتُ أن ابتهج وأفرح..فهذا الفرح لي وحدي..وجودها ضار أصلا..وبدأت أهمس بالنكات للصديقات وأضحك حتى اقتربت واحدة من المعلمات وسألتني: (أين أمك؟ أريد أن أشكرها على حسن تربيتها لكِ فأنتِ من أكثر الطالبات أدبا وخلقا..وهي أم رائعة وإلا لما كنت من أفضل الطالبات خلقا وعلما..) ابتسمتُ لها وقلت: (أمي لن تأتي..إنها تهتم بجدتي المريضة..) سألت المعلمة:( أليس هناك من يهتم بها اليوم فقط؟) قلت: (أمي تحب أن ترعى جدتي بنفسها) قالت المعلمة:( رزقها الله برّك كما رزق جدتك بر أمك ..)ومضت المعلمة مبتعدة بينما فتحت فمي وأنا استغرب قدرتي على خلق الأعذار المقنعة..

انفضّ الحفل وزميلاتي تملأهن السعادة..وحدي أدفع خلف باب يهتز ذكريات مؤلمة..حملتُ حقيبتي وهدايا لم أفرح بها وخرجت من المدرسة كالهاربة..لن أغفر لها أن تتجاهلني يوم تخرجي…لن أغفر لها..

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

الوطن في الأدب

بقلم: برعي محمد قالت أورسولا لأركاديو حين قرّر الرحيل : « لن نذهب ، بل سوف نبقى هنا ، لأنن…