CSMOi_DXIAE8-Cn

مودة نصر الدين :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط  هنا 

**

و يظنونني عاقلة !

و أنا أجن من شيطانة لها جناحين ، تقطع كل المسافة من هنا للسماء فقط لتراوغ شهاباً” !

 سبات طويل معقد أصاب عقلي منذ آخر مرة قررت فيها ترك الدراسة و حتى الآن ، جعلني لا أتحدث كثيرا” سوى مع حبيبي الذي يعرف بكل نواياي ، لذلك هو قلبي ، يكرهني أحياناً” لأنه الوحيد الذي أريه نفسي بوضوح ، و يلجمني عندما أشطح بنظرة واحدة منه ..فأرتد.

يظنونني عاقلة ، كل الذين تركتهم خلفي ، أهلي و أصدقائي ، لم أفكر فيهم ، بل في صناديق الكرتون التي تحت سريري.

كنت البنت الوحيدة في البص ، الوقت هو الثانية عشرة ليلاً” أو صباحاً” لن أجزم ؛ من يوم الخميس الماضي ، كنت حزينة جدا” كعادتي ولا أدري لماذا ، كأني خلقت من خام الحزن ، لا أبرأ منه ولا ينضب من جوفي ،  في نفس الوقت لا أطيق رائحة الرجل الوسخ المخمور بجانبي و أفكر جادة أن ألقي بنفسي من نافذة البص و أرتاح من كليهما .. الحزن و الرجل.

مع العلم بأنني – و في ذلك الوقت – كنت ذاهبة لمشوار مجنون و لست عائدة للمنزل، و نويت ألا أعود إليه أبدا”.

رغم هذا عرفت ما هو شعور البالون الذي يملؤه صاحبه بالماء بدلاً” عن الهواء ، ثم يحاول اللعب به و يتوقع ألا ينفجر .. مثانتي لم أفرغها منذ الصباح و هي ترتطم بجدران جسدي المتحرك بسرعة البص و ستنفجر بعد قليل  ، معدتي فارغة لم آكل أي شيء أيضا”.. كل نتائج الإهمال الفيزيائية هذه بجسدي إلا أنني شعرت بالحزن أكثر فصار وجهي عابسا” كخبر سيء

البص الذي يسير بسرعة ثابتة أصابنا جميعاً -الركاب – بالنعاس و أفقدنا صواب التفكير ، مضى حارثاً بنا الكثير من الأحياء المهملة ، و الأشجار الشاحبة التي تقف بلا حيلة على جانبي الطريق، كأنها جميعاً تميل بالزاوية خمسة و ثمانين درجة ، الوقت متأخر و الشوارع مظلمة إلا من أضواء قليلة ساهرة .. حاولت ألا أنام ، لا يجب أن أنام في أتوبيس كهذا و لا بالقرب من رجل متحفز كالذي بقربي ، ولا كالذي من خلفي ، لم أشعر بالأمان و لكنني لم أكن خائفة أبداً، سكين صغير في جيبي و أستطيع النزال.

و أنا ساهمة ، تذكرت سريري ، وشرائط الكاسيت الكثيرة  الموجودة في صندوق الكرتون الذي تحته ،كل الأغنيات التي أحبها هناك ،  بالقرب منه صندوق آخر به كتب عادية أشتريها و أقرأها خلال رحلاتي التي لا تنتهي في الأتوبيس من و إلى مصنع البسكويت الذي أعمل به ، و أقول عادية لأنها لم تغير في عقلي بشكل أو بآخر ، فأنا أنا بها أو بدونها ، صندوق آخر به أحذية و جوارب قديمة رائحتها عجيبة معتقة ، كل أحذيتي التي استطعت الإحتفاظ بها ، كل مشاويري في هذا الصندوق، أحتفظ بها كتعويذة ضد اللاشيء.

الثانية عشرة والنصف صباحاً، لم أتذكر أمي ولا أبي و لا إخوتي ، و أنا في الطريق إلي حبيبي ، ذاهبة إليه لنتزوج و نسكن في مدينة أخرى، هذا ما فكرت فيه اليوم بعد طول عناء من ملل الروتين  ، كنت قد نزلت من البص و أنا في شارع منزلهم الواسع و الطويل ، كلص يتحسس جسد المكان ، تهيبتني الكلاب ولا أدري لماذا ، يبدو أن شيطاناً  كان يحرسني فلا ملاك سيأمن على فكرة كهذه .

أعرف وصف المنزل كما أعرف نفسي ، فدائماً ما كان يصفه لي و يستعطفني أن آتيه عندما يكون لوحده ، كنت أعده و أخلف و أستمتع بكسر خاطره ، اعتقدت أن هذا ما كان يبقيه معلقاً بحبلي ، شعرت بغثيان و ضياع و لكن لن أتراجع، هو -حبيبي -لا يعرف أنني قادمة لأنني لم أخبره ،و لأنني أخاف أن أخبره بنيتي في الزواج منه !

سأفاجئه.

من المعروف أنه لا وجود للنهايات السعيدة ، و كنت أعرف، لذلك لم أجد صعوبة في تقبل أنه طردني في ذلك الليل و لم يستح من حبنا الذي كان ينظر إليه مستغرباً ، فبعد أن جلست بقربه في السرير و أيقظته بلطف حتى لا يفزع ، فلم يفزع بل تقبل و جودي .. سألني بهدوء :

– الجابك هنا شنو ؟

– جيت عشانك ، مشتاقة ليك !

-بالله ! طيب وطي صوتك الحاج حيصحي.

-طيب ، يا علي ، تتزوجني ؟؟

-(ضحك بإستهتار و بصوت خفيض فبدا لي قبيحا”) : إنت جنيتي ! زواج شنو! هسه دي ظروف زواج و لا بلد يتزوجوا فيها ،  إلا بعد عشرة سنة

-أنا حأصحي أبوك أتفاهم معاه

هنا ألجمني بصفعة قوية ، فأسقطني على الأرض ، ثم أمسك بفمي حتى لا أتكلم و قادني للباب ، ثم ركلني حتى سقطت على الأرض.

لم يهمني أنني عدت للبيت راجلة ، كنت كشبح وحيد حزين يتجول في مدينة فارغة ، و كما يتابع المسافرون النهر وصولاً لمدنهم البعيدة ، تابعت أنا الطريق الإسفلتي ، و وصلت للبيت قبيل الفجر ، لم ينتبه أحد لغيابي كما لم يكونوا منتبهين لوجودي من قبل ،لأنهم يظنونني عاقلة ، غسلت ساقي من هذا المشوار المجنون ثم وضعت الحذاء في الكرتونة الثالثة ، نمت ساعة واحدة فقط ثم استيقظت لأذهب إلى المصنع لأعبئ الكثير من البسكويت للأطفال ، بعد أن وصلت لهناك وجدت المصنع مغلقا” ، فلقد كان اليوم هو يوم الجمعة.

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

الذاكرة واللغة

الجائزة كانت جنيهًا كاملًا .. في حين أن كل الذي كان ينقدونه لي أهلي في اليوم هو نصف جنيه ،…