fire_eye_by_emm0100-d34xe40-600x330

يوسف أزروال :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

الحلقة السادسة – الأصل و الصورة

**

بعد أسبوعين..

-احك لنا ما حصل بالضبط معك؟

-ما الذي علي أن أحكيه بالضبط؟ كانت تلوح برأسها يمينًا و يسارًا لتتجنب الضوء الساطع للمصابيح التي تملأ استديو قاعة التصوير.

لقد وصلت في حكايتك إلى أن اكتشفت أن أختك واحدة من المجرمين الذين قتلوا الكثيرين في ليلة الفاجعة.. ما الذي حصل؟ هل هي من كسر ذراعك؟

كانت تتحسس ذراعها المجبر و المربوط بإحكام على صدرها، بينما تتذكر كل ما جرى في تلك الليلة..

*****

قبل أسبوعين..

كانت عيناها السوداوين فارغتين من أي شيء يرمز للحياة، تنظر نحوها و كأنها تراها لأول مرة، وسيلة و أميرة، الأختان اللتان لطالما تشاركا غرفتي نومهما، لعبا معاً في الحدائق تحت نظر والدتهما..

بالكاد تذكر يوم الحادثة، توفيت أمها، و افترقت الأختين بين ميتمين، تذكر يوم الفراق، تذكره جيداً، كانت أختها الصغرى نائمة، حملتها يدين عملاقتين، بينما تجرها يد المجهول نحو العتمة، نحو مكان كرهته لمدة سنتين حتى تبنتها أسرة قريبة منها، من جهة الأب و لكن..

لكمة قوية، كادت تطيح بها، لكن تفادتها قليلاً، الثمن كان إفلات أختها و هربها من بين يديها، كانت تركض بشكل قوي، و كأنها قطة برية، تبعتها بقدر ما استطاعت، لكن لم تدرك من أي اتجاه بالضبط أتتها الضربة، كل ما شعرت به هو أن أضلعها كسرت، و أنها تطير في الهواء، لتلقى في مكب نفايات كبير، بين أكياس القمامة، بالكاد واعيةً بما حولها، قبل أن تسأل نفسها عن الذي ارتطم بها، كان زئير أسد يجيبها.. نظرت بصعوبة نحو اتجاهه، كان يمشي بخطوات وئيدة نحوها، ثم فجأة بدأ يركض بقوة، كان قلبها يدق بعنف، و كأنه يريد أن يهرب بعيداً عنها و عن الخطر، غير قادرة على التحرك لتتفادى هجوم هذا الكائن الجبار.

علت صافرة قوية، أوقفت الأسد في مكانه، قبل أن ينقض عليها بقليل، كان يرخي سمعه، و هو ينتظر شيء ما، ثم علت صافرة مختلفة، ليعود أدراجه و في الزاوية البعيدة للمكان كانت أختها تحمل صافرة عجيبة، توجه بها أسدها.. إنها هي، ذات الصيت.. راعية الأسود.

*****

تسلل برد الفجر من نافذة صغيرة عالية مسيجة، كانت لسعته قاسية على خدي عبد الغفور، لم تمنحه أي شفقة، كما لم يمنحه هذا العالم أي رحمة، بالكاد قد فتح عينيه على واقعه الجديد، القديم.

 الأسر.

مجددًا في قفص، مجددًا في السجن، مجددًا مقيد اليدين، جالساً على كرسي بعض مساميره تقحم نفسها في فخده، مجددًا، مجددًا، مجددًا…

تتلاعب بخصلاته ريح ضعيفة و كأنها تواسيه، و تذكره بما مضى، تذكره بأمه التي كانت تخبز كل صباح، كان وقع عجنها للطحين يشعره بالسعادة، حين كان طفلاً، فيحتضنها بقوة، و تضمه إليها بقوة بمرفقها النظيف نحو صدرها.. رائحة أمه.. يكاد يشتّمها الآن، كم هي زكية، كم هي طيبة، لو أن للجنة رائحة، فهي رائحة أمه بالتأكيد. والده، العملاق الذي كان يحمله فوق كتفيه دائمًا، كان وحيد والديه، و لم يملكا إلا أن يدللاه على غير عادة أهل القرية، التي تربي أولادها على تحمل صعاب الحياة منذ الصغر، كانت طلباته دائماً مجابة، و رغم ذلك فهو لم يكن متطلبًا، بل كثيرًا ما كان يخجل من طلب شيء، كان يتقاسم صفات ملائكية مع والدته، و منه الخجل الشديد، الشديد…رنة تلك الكلمة في رأسه أكثر من مرة.

 الخجل، كان هو السبب، هو السبب لا غيره، فليحترق في الجحيم، عض شفته السفلى حتى كاد يدميها، متذكراً يوم فارق أهله لأول مرة للالتحاق بالجامعة، والده كان وجلاً، بينما والدته لم تملك إلا البكاء و هي تراقب الحافلة تغادر المكان بابنها الوحيد، يذكر جيداُ وجهها، يملؤه الرجاء بلقاء، بعد الفراق.

 لم يكن لهما أي لقاء، كانت تلك الأمسية من العاشر من نوفمبر الأسود، واقفاً على قارعة الطريق، ينتظر تاكسي لكي يقله إلى السكن الطلابي، بعد أن تأخر الوقت مع أصدقائه في سهرة لا يذكرها الآن، كان واقفاً ينتظر، ينتظر، حتى…

صرخ غراب بجانب النافذة و كأنه يبشر بما كان، و ما وقع، يوم اقتربت منه دورية شرطة، نصفهم مخمورون، سألوه أسئلة غريبة ثم حشروه في العربة، ليرمى في قسم الشرطة تحت انتظار التحقيق، ثم مر أحد الشرطين و ألحقه بمن كانوا ينتظرون التحقيق ليحالوا جميعًا إلى حافلة ترحيلات، و منها إلى سجن المركز، كل شيء حدث بسرعة قبل أن يدرك أنه قد وقع في حفرة عميقة، بل بئر نافذ على الجحيم، و أنه لن يعود منه مهما حصل، انتهت حياته يوم أقفل باب ذاك السجن عليه و على…

وحش المدينة.

كان الحراس يعلمون بأمر الغرفة رقم ستة، غرفة احتجاز وحش المدينة الأصلي، و رغم ذلك فهم كانوا يلهون معه بأن يرموا له قطع يتغذى عليها، و كأنه حيوان ضاري، فيستمتعون بصرخات الضحية التي لا تجد لها بدًا سوى الصراخ، الصراخ حتى تتمزق الحبال الصوتية من الألم، الألم..

يومها كان هو الضحية الجديدة، كان الوحش ينتظره في الزاوية، هادئ، كالأقدار السيئة التي تأتي بغتة دون إنذار، و بينما هو يدمع، يَئِنّ من الخوف، وثب فوقه شيء يملك عينًا حمراء، كلها، نظر في عينيه، شعر بأنه يغوص بداخله، كان يَئِنّ ككلب مكسور، بينما استغرق الوحش في النظر إليه، و بعد لحظات لم يكن مفهوماً ما الذي حصل، غير أنه احتضن من الوحش بقوة، شعر فيها بثدييها، كانت هي، وحش المدينة، تواسيه في مصيبته، و لم يدم الأمر طويلاً حتى انهالت عليه بالضرب و القضم حتى أدمته، وسط صرخاته التي ضجت بها جوانب سجن المركز كله.

لكنه على غير عادة كل الضحايا، لم يتوقف صراخه الهستيري، فنقل بعد أيام إلى مشفى المجانين، لكن ما أثار استغراب الحراس هو أن الوحش لم يلتهم قلبه كما فعل مع باقي الضحايا، بل تركه يرحل سليمًا، أو على الأقل حيًا إلى مشفى المجانين، هناك أيضا حبس وحيدًا، مقيداً، في سجن أخر، ثم أتى ذاك اليوم، يوم صدم جانب من المشفى بشاحنة نقل الرمل، حطمة نصف غرفته، في ظل فوضى عارمة ترجل من الشاحنة شخص ، فك قيده ثم سحب رجل ما إلى مكان تواجد عبد الغفور و أضرم النار في كل شيء، لم يكن ذلك الشخص غير وحش المدينة، هي، التي تركته و هربت، تركته ، هو الأخر.. هي الأخرى..

لم يكن له مكان أخر، غير قريته، عاد لها، بعد أربع سنوات من العذاب، لكنه وجد ما لم يتخيله، بيتهم محطم و بعد أن استعلم، علم بان والديه توفيا كمدًا على ولدهما الضائع، فما كان منه إلا أن جمع ما تركه والده من مال اشترى به محل الحدادة، مهنة الأجداد، و البيت الذي فوقه، ترك والده ثروة صغيرة من الذهب مخبأة تحت شجرة المشمش، فمكنه ذاك من اقتناء مكان جيد لحياته الجديد.

 و من يومها، بدأ البحث عن أخر شيء يريده.. وحش المدينة.

أسئلة كثيرة كانت تدور في ذهنه، لماذا لم يجهز عليه، لماذا تركه، لماذا أنقده؟ لماذا؟

ما الفائدة من كل هذا..؟؟

*****

-إذن ما الذي قررته يا أمير المدينة كلها؟

– في ماذا؟

– في القابع بقبو المنزل؟

– أه، ذاك !

– نعم، وحش المدينة.

– هو ليس بوحش المدينة.

– ما الذي تقصده يا زعيم؟

–  أقصد ما قلته يا مغفل، يبدو أن أفضل شيء فعلته هو تربية شعرك المموج؟

فتح الأمير قنينة كحول، ثم استرسل..

– وحش المدينة الحقيقي فتاة و ليس فتى، هي شخص مسعور و من المستحيل القبض عليه، حين تقابلها فليس أمامك إلا خيارين، إما أن تهرب، و هو احتمال ضعيف، أو تقاتلها، و في هذه الحالة إما أن تقتلها، و هو احتمال أضعف، أو أن تقتل، كالجميع. وضع ثلاث مكعبات ثلج في كأسه ثم أخد جرعة.

– يبدو أنني خدعت، لا يهم، على الأقل أخدت منك اعترافًا بأنك معجب بشعري المموج، الذي لا يشبه ما تبقى من شعرك الأبيض أبدًا، ثم ضحك ضحكة غبية.

– اسمع، تخلص من مصيبتك تلك، و لا أريد مزيدًا من المشاكل، هيا اذهب.

انصرف بأمر الأمير، أحد أكثر أتباعه شراسة، الكلب، هكذا يدعى، فهو يحب الكلاب، و يفضل الانتماء إليهم، لكنه بخطواته الحثيثة نحو إعدام عبد الغفور صار أشبه بذئب جائع.

يتبع..

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

إنبعاث

غرفة ضيقة رطبة، لها نافذة واحدة تطل على جبل بعيد، جدران قضمتها الرطوبة و عبثت بطلائها الأب…