15801323_10202743453383744_822702023_n

“المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”

هكذا رتلت جوقة الملائكة في ليلة الميلاد على مسامع الرعاة الذين كانوا يحرسون أغنامهم  في البرية – بحسب الكتاب المقدس، بعد أن انباءهم الملاك بميلاد المسيح في مدينة بيت لحم

“لا تخافوا ها انا ابشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعوب، ولد لكم اليوم في مدينة داؤود مخلص هو المسيح الرب، واليكم هذه العلامة تجدون طفلاً مقمطاً ومضجعاً في مزود”

فهللوا فرحا بميلاد ملك السلام  وذهبوا ليروا بأعينهم هذه المعجزة، وكان يوما عظيماً حين ظهرت نجمة فوق بيت لحم تشير لمكان ميلاده استدل على أثرها بعض حكماء المشرق وجاءوا محملين بالهدايا للمولود في مغارة الميلاد ببيت لحم، وتم تخليد يوم الميلاد بحيث يحتفل المسيحيون كل عام بالميلاد المجيد في الخامس والعشرين من ديسمبر على اهازيج الفرح والترانيم.

ويحتفل المسيحيون السودانيون كل عام بالميلاد في ظل علاقات اجتماعية جيدة ومتينة تربطهم بمحيطهم الاجتماعي وعلاقة تتراوح بين الفتور والتوتر بينهم والسلطات الرسمية، فعلى المستوى الاجتماعي لا يواجه المسيحيون اي عقبات في تعاملهم مع الاغلبية المسلمة نسبة للطبيعة الصوفية المتسامحة للسودانيين، ورغم بروز بعض الأصوات النشاز التي ترفض في افكارها وضع اي اعتبار للاختلاف الديني الا ان تأثيرها على ارض الواقع يكاد لا يذكر فالسودانيين تحكم سلوكياتهم وتصرفاتهم قيم اجتماعية تقدس مشاركة الجيران والأقارب في أفراحهم وأتراحهم، وحتى الحوادث المتفرقة التي تعرضت فيها ممتلكات او مناشط المسيحيين لاعتداءات خلال الأعوام السابقة كانت تقف وراءها جماعات معينة دون ان يكون لها اي بعد اجتماعي . في الأعياد يستقبل المسيحيون التهاني من جيرانهم واصدقائهم المسلمون، بل ان مشاركة المسلمين في الاحتفالات بأعياد الميلاد شائعة بين المكونات القبيلية لمناطق جبال النوبة والنيل الازرق حيث يبلغ التسامح الديني اقصاه انعكاسا لحالة التنوع الديني والذي يظهر حتى على مستوى الأسرة الواحدة، ومن ناحية معاكسة فان العلاقة بين مسيحيو البلاد والسلطات الرسمية هي علاقة فاترة بل قد تشوبها بعد التوترات، فالكنائس لا تتم معاملتها كمرافق عامة مثلها والمساجد والمدارس مما يعرضها لنزاعات مع السلطات وتواجه الكثير منها تهديدات بالإزالة تفلت بعضها بعد منازعات قضائية مع سلطات الأراضي وتتم ازالة بعضها دون مراعاة لقدسيتها ودون اي تعويض، كما يتعرض بعض رجالات الدين المسيحي لاعتقالات وتوجيه اتهامات كيدية في غالبها باعتبار إن اغلب رجال الدين المسيحي في السودان لا اهتمامات سياسية لديهم. ولا تعلن الدولة يوم الميلاد عطلة رسمية كما درجت ان تفعل قبل انفصال جنوب السودان وبينما يستطيع موظفو الدولة الحصول على اذونات للمعايدة الا ان طلاب المدراس والجامعات ممن تتزامن امتحاناتهم مع عيد الميلاد لا يستطيعون التمتع بفترة العيد .

وفي هذا العام احتفل المسيحيون في السوان بالميلاد وتزينت جدران الكنائس والمنازل بالألوان قبل ايام من يوم العيد وفي بعض المدن خرج المسيحيون في مسيرات فرح قبل ليلة الميلاد جابت الشوارع ، وتصدرت مدينة بورتسودان المشهد الاحتفالي بخروج مسيرة كبيرة ضمت كل طوائف المسيحيين وطافت ارجاء المدينة الجميلة بمعاونة سلطات الولاية في روح نالت رضاء مسيحيو الولاية وعكست صورة جميلة للتعايش الديني. ولم يتذوق اغلب المحتفلين في ليلة العيد طعمًا للنوم حيث انشغل اغلبهم بالاستعداد للعيد وتجهيز منازلهم بينما قضى مؤمنو بعض الطوائف ليلتهم في كنائسهم استقبالا لليوم المشهود، وقد أجرى قداس الميلاد في منتصف ليلة العيد بكنيسة القديس متّى الجميلة بشارع النيل وكل الكنائس الكاثوليكية بالبلاد في اجواء روحية واحتفالية بهية رغم انخفاض درجة حرارة الجو . وفي صبيحة يوم العيد امتلأت الكنائس بالمؤمنين في كل مدن السودان  وتعالت اصوات التراتيل والترانيم الاحتفالية وارتفعت دعوات المصلين وامنياتهم الى السماء. وفي العادة تستمر احتفالات الميلاد لأسابيع عديدة حيث تختار الكنائس المختلفة ايام مناسبة للاحتفال بالميلاد تتفادى فيها حدوث تضارب بينها وتتخلل الاحتفالات رقصات شعبية وعروض مسرحية.

بينما احتفل المسيحيون في مناطق النزاع بجبال النوبة وجنوب النيل الازرق في ظل اوضاع وظروف حرجة تمر بهم منذ سته اعوام هي امد الحرب الثانية بها ، ورغم حالة المعاناة فان كرنفالات الفرح بالميلاد لم تغب وقد تخللتها الرقصات المحلية بإيقاعاتها الصاخبة ولكن المؤمنون هناك رفعوا دعواتهم كما يفعلون كل ايامهم بان يحل السلام وان يتمكنوا من العودة الى قراءهم ومزارعهم وجنائنهم .

مما كان ملفت للنظر خلال هذا العام هو المشاركة الكثيفة للأخوة من جنوب السودان ممن لم يعودوا للجنوب بعد الانفصال او ممن اضطرتهم ظروف الحرب للعودة الى السودان، لم تكن الاجواء غريبة عليهم فهي نفس الكنائس التي كانوا يؤدون فيها صلواتهم قبل الانفصال وهي نفس الاجواء التي تربوا عليها، بل ان بعض الكنائس خصصت بعض ساعات اليوم الاول من العيد لبعض الطوائف من جنوب السودان التي تصلي بلغاتها المحلية، صلى السودانيين الجنوبين ورنموا وتعالت دواتهم بان يتوصل الفرقاء في جنوب السودان الى حالة وفاق تعيد الامن والاستقرار وتمكنهم من العودة الى قرى ومدن لم ينعموا كثيرا بالتواجد فيها بعد انفصالهم عن السودان .

يرمز الميلاد للتجديد الروحي وتصفية ما بالأنفس من ضغائن والاستعداد لحياة روحية جديدة ،  ترتفع الحناجر ترنيما، يغني المؤمنين للسلام والمحبة والتسامح

في ليلة الميلاد يمحي البغض

في ليلة الميلاد تزهر الأرض

في ليلة الميلاد  تدفن الحرب

ليلة الميلاد ينبت الحب

يستعد المؤمنين لميلاد جديد في المسيح عبر الثبات في تعاليمه التي تدعو للمحبة  بين الاخوة والاعداء حتى

“احبو بعضكم بعض كما انا احببتكم” 

“احبوا اعداءكم، باركوا لأعنيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون اليكم ” .

ويكرس الاحتفال لترسيخ هذه التعاليم وتبنيها وغرسها في نفوس الأطفال بتضمينها في تراتيل الميلاد

 عندما نسقي عطشانا كاس ما نكون في الميلاد

عندما نسقي عريانا ثوب حب نكون في الميلاد

عندما نجفف الدموع في العيون نكون في الميلاد

عندما نملأ القلوب بالرجاء نكون في الميلاد

عندما اقبل رفيقي دون غش نكون في الميلاد

عندما تموت فيّ روح الانتقام نكون في الميلاد

عندما يموت في قلبي روح الجفاء نكون في الميلاد

عندما تذوب نفسي في كيان الله نكون في الميلاد

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

من الغبي الذي سيفوز بنوبل ؟

ماذا إن رن هاتفك وتم إبلاغك أنك فزت بجائزة نوبل؟ بالتأكيد هو أمر بعيد عن الاحتمال. كل عام …