هنري

نوف العصيمي :

للتواصل مع صفحة الكاتبة على تويتر إضغط هنا  :

الطقس بارد والنهار في أوله.طابور طويل خارج متحف أورسيه ، المتحف الكبير على الضفة الغربية لنهر السين ، يقترب رجل أمن ليقول أن الدخول سيستغرق قرابة الساعة ، ثم يتمتم بأن من لديهم طفل رضيع يستطيعون تجاوز الصّف ، أومن لديهم تذكرة دخول ، أنظر حولي لا عربة طفل معي ولا تذكرة دخول في يدي . فهل أترك مكاني وأسرع لبائع الصحف لأشتري تذكرة ، وأغامر بفقد المكان . تلوح في أفقي نظرية عصفور في اليد ، يستمر الصفّ في التقدم ببطء ، ولوحة إعلانية كبيرة تشير إلى معرض خاص عن هنري روسّو ، كان المعرض في مدينة البندقية ، وهذا الربيع في متحف أورسيه. فمن هو هنري روسّو!

أسيرإلى الداخل ، حيث الدفء والضوء الغائم النافذ عبر السقف الزجاجي الممتد، ومزيج من الأصوات الضاحكة والجدية ، وباللغات كلها ، تلاميذ مدارس ، ومجموعات سياحيّة ، وأفراد مهتّمون، والخطوات صاعدة هابطة عبر هذا الجمال ، وهذه الروائع والمنحوتات حيث تختلط المشاعر، فالمكان كان ذات يوم محطة للسكة الحديد ! ولكن أين هنري روسّو ؟

وفي مساحة خاصة مقسمة إلى قاعات متداخلة كان هنري روسّو . الإضاءة خافتة والأصوات هامسة ، وممنوع التصوير ، ظهرت في القاعة الأولى سيرة الفنان مكتوبة على الجدار باللغتين الفرنسية والإنجليزية ، وأهم محطات حياته وأبرز الصور الفوتوغرافية ، حتى نصل لصورة القبر والشاهد.

ثم قاعة بعد أخرى تقودنا روائع هنري روسّو،واحدة بعد أخرى ، تصف بتدرج مسيرته واكتمال فنه وتأثيره على غيره ، أعماله تُعرض جنبا إلى جنب مع لوحات مقترضة من مؤسسات دولية عريقة ، سورا ، ديلوناي ، كاندينسكي،بيكاسو، فرناند ليجيه، سيزان، وجوجان ، وكذلك فنانين أقل شهرة، لوحات من عدة مصادر وجدت الإلهام لدى روسّو ، علاقات ترابطية منسوجة حوله ، لاستكشاف الحداثة ، نُمعن النظر في هذا الرسام غيرالعادي ، والشخصية الفريدة في تاريخ الفن الأوربي، حيث نُصِّب من قبل الفنانين الطليعين أباً للحداثة .

أعمال هنري روسو لا تنتمي إلا له، ولا تقبل التصنيف إلا كونها فريدة ، فلوحاته مثل مسيرته الفنية ، شخصية للغاية ،فهو الفرنسي ( 1844-1910) الذي ولد لعائلة متواضعة من لافال ، علم نفسه بنفسه الرسم ، فلم يلتحق بأي مدرسة أكاديمية ، فلُقب بالجمركي ورسام يوم الأحد ، تهكما وسخرية لأن رسمه خارج قيود المنظور وقواعد الفن التشكيلي ، تقاعد في الأربعين  ليتفرغ لرسم ، كان يعيد رسم الواقع من مخيلته، ومما هو مطبوع في ذهنة ، ويطلع على ما هو موجود في متحف اللوفر ومتحف اللوكسمبورغ وفرساي، وكذلك حديقة النباتات والمتحف الطبيعي ، وكتب تحوي حيوانات ، دون أن يتأثر بجيله من الفنانين فكان له أسلوبه الخاص ، الشبيه برسوم كتب الاطفال ، المزيج من الجرأة والفطرية ، من الابتكار والبدائية، لكنه لم يجد أي أهتمام حتى تجاوز الستين فكان أن عمل له بيكاسو مأدبة على شرفه وإن كانت أيضا لا تخلو من تهكم مبطن ، بعدها صارت أعماله تؤخذ على محمل الجد ، توفي عام 1910 فقيرا معدما.

ثم أحاطه المجد بعد وفاته ، وصار رمزا للفن الحديث وأسطورته.

كيف أظهر أسلوبه وتفرده ؟

صورة شخصية-1890

في لوحته (صورة شخصية مع منظر طبيعي) والتي كانت في العام 1890ـ نجد أنه كان مبتكرا لتلك الصورة الطولية بالبدلة الرسمية المزينة بميدالية ،في الوقفة الشديدة ، والبيريه إلى أسفل ملتصقة بقوة بالرأس ، ويمسك بفخر البليت والفرشاة ، ومن خلفه سفينة مزينة بالأعلام ، ومنطاد هواء عائم بين الغيوم وبرج إيفل ، أظهر في هذه اللوحة الاحتفال بنفسه وروح الحداثة على السّواء .

1910السيد أكس-

وفي لوحة (السيد اكس) 1906 نرى الرجل بالطربوش الأحمر وتبرز في الخلفية مصانع ودخان، لتكون مصدر الهام للفنان فرناند ليجيه ، الذي استلهم من روسو لوحته (ميكانيكي) 1918وقد كان معجبا كبيرا به .

1905الزفاف

في (لوحة الزفاف) المشهد فريد،  ثمانية أفراد بوجوه متشابهة ، وكلب في أمامية الصورة، ينظرون للأمام ، والاشجار من خلفهم ، الصورة ظليه لا عمق فيها ، يغوصون في الطبيعة، وفي السكينة ، التفاصيل محددة بوضوح ، يقول جوجان ” لا أحد يرسم الأسود مثل روسّو ” .

العربة 1910

أما (لوحة العربة) التي رسمها في العام 1910 ، كان قد أخذها من صورة فتوغرافية ، لكنه أعاد رسمها بما يتناسب معه ، حيث الاشجار خاصة به  ، والشخصيات المتشابهة ، والمنظور المفقود وكذلك علم التشريح ، ومن في العربة يصطفون بجانب بعضهم البعض ، كأنهم في مواجهة مهاجمين. هذه اللوحة كانت مصدر إلهام للفنان كارلو كارا  حيث رسم لوحة بذات الموضوع، 1916.

الطفلة مع الدمية

أما لوحته (الطفلة مع الدمية) 1905 فقد استوحى منها بيكاسو لوحة سماها مايا ودميتها 1923 ، وعلى قدر ما تبدو عوالم روسّو عن الكبار طفولية ، إلا أن الطفلة في جمود، والمنظر الطبيعي من خلفها في جمود، في ثوب أحمر ممل ، وشعور غارق في الوحدة والدمية لا تقدم أي عزاء ، والطفلة والدمية وزهرة بيضاء في تحديق .

ساحر الأفاعي

وأكثر تأثيرا ومقياسا لاكتمال تجربته وجمال فنه وفرادته ، لوحة (ساحر الافاعي) 1907 ، اللوحة التي مارست سحرها على الفنان السوريالي فيكتور براونر . هذه اللوحة ولوحة ( الحلم )  تحملاننا إلى عالم بدائي، غني بألوانه الخضراء وأزهاره الطفولية،  الخضرة تملأ الفضاء،تتدفق خارج اللوحة تغمرنا .

وإذا بنا في نهاية المطاف نسكن حلم روسّو الجميل العذب، ونصادف حيواناته الوحشية الساكنة، نتصالح مع الطبيعة، يتدفق السلام إلينا وعبرنا ، والساحر يعزف، والأفاعي تنبعث في سكينة خضراء ناعمة، بين أوراق وأزهار تشبهنا .

المصادر :

– موقع متحف أورسية .

– الموسوعة العربية .

 

تعليقات الفيسبوك

3 تعليقات

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…