gleo060916

**

الجمیل في كتابتك لروایة ما. أنه یمکنك أن تجعل نفسک أي شخص تریده .. مثلاً .. في روایتي جعلت نفسي حرامياً وخططت لسرقة البنک القریب من بیتنا، ثم نفذت السرقة _داخل الروایة طبعا_ ونجحت في ذلک واحتفلت بتناول وجبتي عشاء! .. وضعت مسودة الروایة ونمت، ثم نهضت صباحاً علی هرج ومرج .. إذ قالوا أن البنک القریب قد سرق ! والمثیر هو أنه سرق بنفس الطریقة التي کتبتها في روایتي !! بحثت عن مسودة الروایة ولم أجدها –یا للمصیبة!- .. أتی الشرطي وقال أنهم قد وجدوا آثار اللص هنا وأنه قفز لبیتنا أولاً قبل أن یسرق البنک! ووجهني بأن أتفقد أشیائي فربما سرق شیئا مني أخبرته فوراً أني لم أفقد أي شيء .. “فلا یمکن أن أقول له أني فقدت الروایة التي هي -عملیاً- خطة لسرقة البنک!” .. تحرکت الأسئلة في رأسي کثیراً؛ کیف لاحظ الحرامي الروایة أصلاً، وکیف قرر أن یقرأها لیکتشف أنها تحوي خطة لسرقة البنک؟.. فلا یمکن أن یأتي حرامي في منتصف اللیل لأحد البیوت لیجد روایة غیر مکتملة ویجلس لیقرأها، والأدهی من ذلک أن یجد فیها خطة سرقة فیذهب فورا لینفذها .. أي حرامي هذا! .. “لكن أيا کان هذا الحرامي فهو فعلا قارئ مثالي تماماً!!

لم یهدأ قلقي أبدا، حتی بعد یومین حین أیقظني أحدهم منتصف اللیل ثم قال لي مبتسما أنه هو الحرامي الذی سرق البنک، و أنني أملک موهبة عظیمة في الکتابة ولکن موهبة أعظم في التخطیط للسرقات! .. ثم عرض علي أن أعمل معه وأننا سنکون معا عصابة جمیلة! .. شکرته علی إطراءاته طبعا وأخبرته أنه أیضا یملک موهبة عظیمة في السرقة ولکن موهبة أعظم في القراءة! .. وعرضت علیه أن یعمل معي کمحرر أدبي! .. فاتفقنا بسهولة علی العمل معا -فالأمر بسیط- و کما قیل “الکاتب العظیم هو أصلا سارق عظیم وأما القارئ العظیم هو الذی یستفید مما یقرأه”!! .. لذلک صرت أنا -بلا فخر- کاتب ورئیس عصابة .. أما هو فصار محرر أدبي وحرامي بعد الظهر ..!

المهم .. بعد فترة أنهیت الروایة ونشرتها لتلقى الکثیر من الاستحسان ثم الکثیر من الجوائز، ولکني لم أستلمها إذ أدخلت السجن علی ذمة التحقیق بعد أن اتهمت بسرقة ثلاثة بنوک ودکانین وکشک السجائر في آخر الشارع! “وأنا متأکد أننا لم نسرق کشک السجائر فی آخر الشارع!”، حاول المحامي بکل استطاعته الدفاع عني؛ قال للقاضي أن الروایة هی عبارة عن أفکار خیالیة محضة، وأن الأفکار لا تحاکم، وأن هناک فرق کبیر بین الواقع والخیال! .. ولکن للأسف لم یستطع سوی أن یخرجني من السجن، أما أموالي فقد حجزت جمیعها وأصبحت ضمن أموال الحکومة .. غضب محرري الأدبي و”الحرامي بعد الظهر” من الأمر کثیرا وقال لي: “فلنسرق الحکومة إذاً”! فقلت له لا نستطیع، فأموالهم أصلا تؤول للشعب ولا فائدة من سرقتها، فقال: “فلنسقط الحکومة إذاً ” !! .. إرتبکت قلیلاً وقلت له أني أستطیع أن أخطط لسرقات ولکني لم أجرب إسقاط حکومات من قبل! .. فقال لي بإصرار عجیب: “الأمر یستحق التجربة” حذرته أنه لا یوجد ربح في هذا الأمر فربت علی کتفي قائلا:

“لا ربح أغلی من الحریة..”!

الحقیقة لم أقتنع بکلامه تماما .. ولکن ما یهمني هنا هو الکتابة، ومحاولة بدایة روایة جدیدة .. والجمیل في کتابتک لروایة ما أنه یمکن أن تجعل نفسک أي شخص تریده .. مثلا .. ففي روایتي التالية جعلت نفسي ثورياً! وخططت لإسقاط الحکومة، ثم نفذت الخطة ونجحت فیها _داخل الروایة طبعا_ واحتفلت بتناول ثلاثة وجبات عشاء! .. بعد ذلک وضعت مسودة الروایة ونمت، ثم نهضت صباحا علی هرج ومرج..!

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

طق طق طق “مشاهد من اعتصام القيادة”

_ لمن لا يعرفهم .. هؤلاء هم ناس طق طق طق .. هكذا يعرفون أنفسهم للعالم; عبر الطقطقة اللانها…