d8b9d8a8d98ad8b1

عبير عواد:

للتواصل مع صفحة الكاتبة على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

**

“نوح” وضوء القمر ومواجهة أخيرة… سر قتل “نجوان”   (2)

النهايات.. هي ذلك الشيء الذي لا يحدث أبدًا كما توقعناه أو كما تخيلناه و وضعنا له عشرات الاحتمالات… دومًا للحياة طريقتها في صبغ النهاية بألوان تختلف في درجاتها عن درجة تصوراتنا وتوقعاتنا..لايهم أن تكون النهاية سعيدة أم حزينة أم غير متوقعة… ما يميز النهايات أنها أول خيط للبدايات الجديدة.. هكذا تدور عجلة الحياة.. الحياة لا تمنحنا ما نشتهي لتكافئنا أو تحرمنا منه لتعاقبنا..

هي فقط تقوم بدورها.. لا تتوقف لتتساءل عن شجن هذا أو حزن ذاك.. عن فرحة هذه أو سعادة تلك!! هي تمضي وفق السيناريو المحدد مسبقًا وتستكمل السيناريو المستقبلي كما هو مرسوم لها.. لا تستجيب لانفعالات ولا تغير من خططها وفق تكهنات أو انطباعات البشر.. إنها تقدم فقط ما تستطيع منحه.. تنتظر منا قبوله والعمل وفق ما منحته بغض النظر عن رؤيتنا له .. الحياة كالطبيعة لها دائمًا طرقها الخاصة.. والمثير في الأمر أن كل الكائنات ما عدا الإنسان تتقبل ما تمنحه لها الطبيعة وما يعني أن تحيا من خلاله.. تتكيف معه وتتطور و تتواءم كما لو كان أمرًا معتادًا..

هل لأن تلك الكائنات تسير وفق غريزة ما أم لأنها تمتلك شيئًا لا نعلم به بعد ولا نعرفه.. البشر رغم ما يتميزون به من عقل و إدراك و وعي.. إلا أنهم يعجزون أحيانًا عن التصرف حيال ما يعترضهم من أمور لم يضعونها في الحسبان.. ربما هو عذاب الإنسان الذي فُرِض عليه.. و ربما .. ربما هو عذابه الذي اختاره بنفسه..

ماكان من أمر ضوء القمر و”نوح” القيوطي رسالة تحتاج منا الكثير لفك شفراتها.. حتى أنا رغم انغماري بعالمهما لوقت طويل ما استطعت فك تلك الشفرات ولا اكتشاف كل الرموز.. على أي حال فلنستكمل الرحلة ربما نفهم سويًا ما غمض علّي فهمه بمفردي..

صبيحة يوم الرحلة لم تتخيل “ضوءالقمر” وهي تودع خالتها والعمة “وجيدة”, أنها لن تجد “نوح” في انتظارها ليودعها معهما.. اعتقدت أنه مازال ناقمًا عليها لقيامها بالرحلة ولذلك لم ينتظرها.. شعرت بالغضب والحزن في آن واحد.. كانت غاضبة منه لأنه بدا لها كما لو كان يتصرف كالأطفال.. كما كانت حزينة لأنها لم تراه..

-أسبوع كامل لن أراك يا “نوح” ومع هذا لم تظهر كي تودعني.. هذا ما كانت تفكر به “ضوءالقمر”.. ارتسم على وجهها الأسى والتمعت الدموع في عينيها وهي تسأل العمة “وجيدة” عنه..كادت العمة “وجيدة” رقيقة القلب أن تكشف لها سر وجود “نوح” قريبا منها في الرحلة لأنها شعرت بحزنها ولكنها تمالكت نفسها باللحظة الأخيرة..قالت لها: أمر طارئ استدعى منه سفرًا مفاجئًا , ثم قبلت الفتاة على وجنتيها بسرعة وكأنها تمنع  فمها من البوح بما هو أكثر..

أما “نوح” فقد استيقظ قبل فجر يوم الجمعة بساعة وبدأ رحلته إلى سيوة قبل سفر ضوء القمر مع طاقم بعثتها الاستكشافية رافق “نوح” في رحلته أحد أصدقائه المقربين (أدهم نجار) الجوال المصري الشهير عاشق الصحراء الذي يهوى سياحة السفاري ويجيد الصيد كأحد أبطال نادي الصيد المصري .. وكان “نوح” طلب منه  مرافقته تحسبًا لأي وضع طارئ يستلزم  معاونة “أدهم”.. كانت ب”نوح” رغبة في التواجد بالمكان قبل وصول “ضوءالقمر” إليه.. وكأنه يقوم بتأمين المكان قبل وصولها.. أهو الدور الذي كان يتمنى لو قام به لأجل “نجوان”؟؟ ربما!! لا يمكن إنكار العبء العاطفي الذي كان يرزخ “نوح” تحت ثقله.. فالتواجد بنفس المكان الذي قتلت به أخته, والذي تزوره ضوء القمر الفتاة التي يحبها!! (يحبها) كان هذا رأي “أدهم” صديقه المقرب ورأي عمته أيضًا.. ربما كلاهما على حق, لم يكن “نوح” واثقًا من طبيعة مشاعره نحو الفتاة عاشقة الحيوانات .. لم تكن بحياة “نوح” قصة حب من قبل .. لم يتعرف على الحب من قبل .. لم يصادفه ولا يدرك كيف تكون مقدماته أو كيفية حدوثه!! كانت المسئولية هي كل ما اعتاد عليه وملأ حياته.. وحب “نجوان” التي شغلته كما لو كانت ابنته فلم يكن ليقبل أن تشاركها حبه امرأة سواها.. لكن!! “ضوءالقمر”.. ما بينهما يصعب وصفه, ذاك التناغم والتلاقِ والأحاديث التي بلا صوت.. وإعجابه بها كأنثى يراها دومًا كاملة رغم صغر سنها ورغم حالتها الغريبة التي لم تكن لتمثل بينهما عائقًا لتواصل انساب كنهر لا يعترض مساره شيء..

ربما هذه الرحلة اختبار لكل شيء.. وربما تضع نهاية أو تخط بداية جديدة , من يدري!!

وهكذا بدأ “نوح” و صديقه الرحلة من وادي النطرون..كانت رحلة البعثة قائمة على التعرف على  الصحراء الغربية أشد أجزاء الصحراء الكبرى جفافًا.. النموذج  الكامل للصحراء المطلقة التامة.. أكثر صحارينا عزلة ووحشة .. صحراء الهضبة والمنخفض.. التي تبدو كما لو كانت هضبة عظمى واحدة تفصصها إلى عدد من الهضاب الثانوية سلسلة المنخفضات كبيرة أو صغيرة مستقرة على سطحها أم غائرة فيها..و التي تشكل في الغالب ثلثي مساحة مصر و نصف مساحتها يقل ارتفاعها عن 200 متر فوق سطح البحر.. الصحراء الغربية عبارة عن 262.000 أميال مربعة من الكثبان الرملية، والأخاديد، والواحات والهضاب الجبلية والوديان التي تغطي معظم أراضي غرب وادي النيل. مساحة شاسعة من الرمال البيضاء تتناثر عليها الصخور السوداء لتشكل مشهدًا تكتنفه الأسرار بالأسرار.. تكتلات الحجر الجيري الغريبة التي تشبه نبات عيش الغراب، والفطر والجبال الجليدية العملاقة.والواحات التي تخفف من وطأة الصحراء كما لو كانت سبلاً للراحة والاسترخاء..

ثلاث هضبات تتابع من الجنوب إلى الشمال  الخارجة والداخلة وأبو منقار جنوبا.. وادي النطرون القطارة و سيوة شمالا.. بينهما خط طولي هو الفرافرة – البحرية.. بين ثنائيات تلتقي خطوط الخارجة/ الداخلة بتكوينات الخراسان النوبي  الرملية وطبقات الكريتاسي الطباشيرية.. أما الفرافرة/ البحرية فتلتقيا بخط التحام الكريتاسي والإيوسين.. بينما سيوة والقطارة فلقائهما في ظل حدود الإيوسين والميوسين.. ومنخفض الريان الذي يقع بين الإيوسين جنوبا والاوليجوسين شمالا.. ووادي النطرون بين الاوليجوسين جنوبًا والبيلوسين شمالا.. تلك الثنائيات التي تحمل معالم العصور الأركية التي شكلت طبيعة الصحراء المصرية..وربما طبيعة أرض مصر كلها.. هكذا كان يفكر “نوح” طوال الطريق يسترجع تلك المعلومات التي كان على علم بها منذ سنواته الأولى في إدارة أعمال العائلة الخاصة بالرخام.. فلم يكتف وقتها بمعرفة ما يخص الرخام وأماكن تواجده وأنواعه..

بل قام بدراسة طبيعة مصر الطبوغرافية ككل.. قطع أفكاره صوت “أدهم” وهو يسأله عن بدئهما الرحلة من وادي النطرون وليس مع البعثة, التي تبدأ رحلتها من الواحات البحرية  في صحراء الجيزة لزيارة بعض الأماكن بها ومرورًا بعدة مناطق أثرية لمدة يوم ونصف اليوم قبل استكمال الرحلة عبر طريق الفيوم الصحراوي – مدينة السادس من أكتوبر – وادي النطرون – الاسكندرية  والبقاء في الاسكندرية للراحة ثم استكمال الرحلة باليوم الثالث السفر إلى سيوة و الاستقرار بها وزيارة قرية شالي و معبد آمون وحمام كليوباترا بالإضافة إلى زيارة جبل الموتى والتخييم والاستكشاف  بالصحراء الغربية خلال يومين أو ثلاثة ثم البقاء بالاسكندرية مرة أخرى قبل العودة للقاهرة..

– هكذا أفضل حتى نستطيع التواجد قبل البعثة بالمكان الذي أخشاه.. أعني أخشى وجود “ضوءالقمر” به.. نفس المنطقة التي قتلت بها “نجوان” قرب شالي..والعيون.. جبل الموتى تلك الكهوف التي تشبه أعشاش النحل.. لا زلت أستغرب وجود ابن آوى بهذا المكان..تابع بحزن : ابن آوى لا يقتل هكذا!! نظر له “أدهم” بتفهم الصديق والخبير وآثر الصمت..

على الجانب الآخر من الصحراء.. كانت “ضوءالقمر” مستمتعة برحلتها والصحبة التي ترافقها إلا قليلا.. تفتقد “نوح”, تمنت لو كان مرافقًا لها.. مؤكد أن شعورها بالاستمتاع كان سيتضاعف, كما أن إحساسها بالأمان ليزداد بوجوده..

– الأمان!! “نوح” هكذا واحة أمان النسبة لي.. التواجد بقربه يختلف عن وجودي مع أمي وأبي.. معه أشعر أنني مكتملة.. أشاركه ما يفهمه ويتفهمه.. إن عشقي للحيوانات ليس كما تراه أمي وليس كما يهتم به أبي.. أعشقهم ببساطة لأنني أشعر كما لو كنت منهم..  طيلة سنوات “عمر”ي وأنا أستمع لأحاديثهم.. وهمهماتهم.. أعرف بم يشعرون, وكيف يتألمون!! متى وكيف يستعدون للتزواج!! كيف تستشعر أنثى الحيوان أو الطائر أن ساعة الميلاد قد حانت.. أو أن الفرخ الصغير على وشك أن يخرج من البيضة.. كيف يستعد الأب لدوره وكيف سينقل للصغار خبراته.. كيف يحسون بالخطر وكيف يستقبلون تغيرات الطبيعة مابين مواسم وفصول و ظواهر غير معتادة أو مألوفة.. والأهم كيف ينظرون إلينا نحن البشر.. أسياد هذا الكوكب الذي يموت ببطء لأننا ببساطة قتلة.. البشر قتلة وسفاحين, كلهم بلا استثناء.. يقتلون الطبيعة ويبيدون الحياة ولو عن غير قصد بممارساتهم الخاطئة.. الحيوانات تخشانا وتسخر منا.. لأننا فقدنا بوصلة اتجاهاتنا.. والآن نعمل وفق أجهزة تحديد المواقع, التي ننسى أننا نحن من اخترعناها!! نحن لا نستحق الجمال على هذه الأرض, لأننا لا نحترمه!!

أمي تخشى علّي من الشهرة.. لو عرف العالم أنني أفهم لغة الحيوانات و أحدثها.. وأبي يتمنى لو خدمت البشرية ممثلة في العلم الذي سيسهل عليه كشف الغوامض بمساعدة موهبتي.. أما أنا فأعلم أنني مُنِحت هذه الموهبة لأجل الحيوانات ولأجل الحياة وليس لأجل البشر, و”نوح” يفهم هذا .. في الحقيقة هو الوحيد الذي يفهم هذا؛ لهذا هو الوحيد الذي أئنس به وأئتنس, عبست “ضوءالقمر” وهي تقول: ولكنه أغضبني!! ثم تهللت أساريرها وهي تقول لنفسها: “ولكنه  يخشى علي ويخاف أن يؤذيني شيء”..

بعد السير لأميال عبر الكثبان الرملية الذهبية وصلت البعثة إلى الواحات البحرية التي تزيد مساحتها عن 2000 كيلومتر مربع، كمرفأ خصب وسط صحراء قاحلة تحيط بها تلالاً سوداء من أحجار الكوارتز. معبد الاسكندر والمقابر البطليمية والكنائس القديمة و المومياوات الذهبية بمتحف الباويطي وبئر سيجام  وينبوعه بمياهه الساخنة.. استمتعت ضوء القمر  بمشاهدة الكثير من الأماكن المحددة التي فسر الباحثون من خلالها الطبيعة الجيولوجية والتكوينات الرسوبية لهذه الصحراء..  كما استمتعت بزيارة تلك الأماكن الأثرية.. سجلت مشاهدتها كالعادة في مذكراتها, وصورت بكاميرتها عشرات الصور التي تسجل المشاهد تأريخًا لهذه التجربة..

بين طرق تُجتاز بالأتوبيس الذي يحمل الطلاب والمشرفين, والمرافق له سيارتي دفع رباعي و أخرى فان متوسطة الحجم.. الأولى تحمل الباحثون الألمان والدكتور المصري المتخصص في علم الجيولوجيا المرافق لهم, والثانية تحمل الفنيين والمصور المرافقين للرحلة, كما تحتوي على الخرائط والأدوات وتجهيزات الرحلة.. مضى الجزء الأول من الرحلة كما هو مخطط له يوم ونصف امتد لما يقارب أربعين ساعة قبل الوصول إلى الاسكندرية للمبيت فيها قبل استكمال الرحلة إلى المكان المنشود.. سيوة أرض الغرائب الواحة التي تنبثق وسط الصحراء كما لو كانت لوحة خيالية رسمها ساحر بعصاته السحرية.. تخيل أنك تسير في صحراء قاحلة جافة حيث لا حياة ولا زرع ولا ماء، بين جبال وتلال الرمال، وإذا بك تجد واحة وسط الصحراء عامرة بأشجار الزيتون النخيل وأشجار الفاكهة وبحيراتها الواسعة وينابيع المياه الحارة, جزيرة بصحراء مصر الغربية!!

تلك هي سيوة.. أرض الأسرار ومعبد آمون أو معبد الوحي الذي يقال أن الإسكندر الأكبر قد زاره عام ٣٣٢ قبل الميلاد وسأل فيه أحد العرافين عن مستقبله وتنبأ له بحكم العالم لكن لفترة قصيرة.. بعدها مات الاسكندر بالحمى قبل أن يعود لبلاده ويخبر والدته بما قصه عليه كهنة آمون من أسرار..

الغموض, والأسرار.. وكأن بعض الأماكن كُتِبَ عليها أن تكون واحة للغموض ومرتعًا للأسراد دومًا.. هكذا سيوة بالماضي السحيق وإلى الآن بم”ساكن”ها وبيوتها القديمة, “شالي” تلك الأطلال المصنوعة من الكرشف وهو خليط من الأحجار الملحية والطين والطمي، ممرات ودهاليز بين البيوت العتيقة التي تآكلت على مدار الزمان، ويوما ما ستختفي هذه الأطلال التي تذوب قليلا مع كل هطول للأمطار.. كل شيء يختفي ويزول, بالتقادم أو انتهاء صلاحيته أو بالموت والتحلل والذوبان..أكمل “نوح”  حديثه مع صديقه  “أدهم” وقال: أما هذا فجبل الموتى.. التسمية مخيفة رغم جمال المكان.. هذا التل الصخري المنحوتة فيه مقابر رومانية قديمة بنيت بطريقة عجيبة كأنها خلية نحل وسط الصخور.. توترت عضلات وجهه وهو يقول: “هنا قتلت أختي, على يد وحش غامض انتزعها من خيمة نومها التي تمزقت نتفًا صغيرة, وجرها لعدة أمتار  لتصاب بجروح وتمزقات بساقيها قبل أن ينقض جاثمًا على صدرها بمخالبه التي انغرست في لحمها لينهش عنقها محدثًا جرحًا قاتلا أدى إلى وفاتها متأثرة بنزيف لم يتوقف”..

أثبتت التحريات وجود أعداد متفرقة من ذئاب ابن أوى في المنطقة بتوقيت قريب من زيارة “نجوان” وأصدقائها.. ولكن أنت تعلم يا “أدهم” أن الذئب المصري ليس قادرًا على مثل هذه الفعلة.. إنه يخشى الإنسان ولا يهاجمه ويفضل أن يبقى بعيدًا.. ما الذي حدث وكان سببًا في هذا الهجوم الغير مبرر, ولماذا أختي؟؟ الذي أستغربه وأستغرب أكثر أن رجال المباحث لم يلتفتوا إليه, أن “نجوان” لم تصرخ !! رغم هذا الهجوم العنيف عليها لم تصرخ, كان لابد عليهم من التحري بهذا الأمر, ولكنهم تكاسلوا ولا أدري لمَ؟؟ بدعوى عدم وجود دليل كافٍ يكون ذريعة لتحريات في اتجاه جديد..

– ألم تطلب التشريح يا “نوح”؟؟ ربما كانت مخدرة!! لو تم إثبات كونها بغير وعيها وقت الهجوم, إذًا هناك في الأمر شبهة جريمة.. ألا تتفق معي في هذا؟؟

– نعم شككت بهذا ولكن عمي رفض تمامًا تشريح جثتها وقال يكفي ماحدث لها.. واحترمت رغبته فلازال بمنزلة الوالد لدي.. انصعت للأمر على مضض.. وها أنا ذا بنفس المكان.. بعد عام ونصف تقريبًا.. أنتظر قدوم صغيرة أخرى لحمايتها.. ربما أكفر عن ذنبي بحق أختي.. فلم أكن جديرًا بحمايتها.. ولكنني سأحمي “ضوءالقمر” حتى تعود لأهلها..

ابتسم “أدهم” نصف ابتسامة بينما أكملت نظرة عينيه نصفها الآخر وهو يقول لصديقه, ليس لهذا السبب وحده يا “نوح”, بل هناك سببًا آخر وأنت به أعلم ولكنك تعاند نفسك قبل معاندتك لأي منا.. أنت ببساطة تحب صغيرتك. “ضوءالقمر”, تحبها وأنت أدرى الناس بهذا..  لم يكن “نوح” بحال تسمح برفض أو إنكار.. لم يكن واثقًا تمامً من مشاعره ولم يفكر بتصنيفها.. اكتفى فقط بإدراكه أن “ضوءالقمر” تمثل له قيمة ومكانة لم يدركها أحد من قبل في حياته, ولا حتى “نجوان” التي كان يحبها كما لو كانت ابنته..

– من يدري ماذا ستفعل بنا الأيام بعد حين؟؟ فقط تنتهي تلك الرحلة لأنني أخشى شيئًا ولا أدر ماهو!!

ربت “أدهم” على كتف “نوح” وقال له ضاحكا بشغب: قطعًا أنت غارق في الحب؟؟ أين روح المغامرة يا رجل؟؟ وكأنني بك حديث العهد بالرحلات والتخييم و مصارعة الحيوانات يا عاشق الذئاب!!

لرغبة “نوح” في التواري بعيدًا قدر الإمكان عن المواقع التي ستتواجد فيها الرحلة اختار “أدهم” مكانًا منعزلا قريبًا من المنطقة التي يشرف عليها أحد الفنادق المسئولة عن تأمين عن رحلات السفاري والتخييم بالمنطقة و منه سيتواجد مرشدو وأدلاء لخدمة البعثة العلمية.. خيم الصديقان داخل أحد الكهوف المنتشرة بالمكان والقريب من أحد ينابيع المياه الحارة.. وقد تزودا بما يحتاجا من طعام و شراب وأسلحة “أدهم” المرخصة الخاصة بالصيد, وكذا سكين “أدهم” التي لا تفارقه, و منظاره المكبر بالإضافة إلى حقيبة اسعافات أولية مجهزة..  كان أحد الأدلاءبالفندق يتولى تلبية طلباتهما يوميًا بتكليف من صاحب الفندق صديق “أدهم”..

لذي كان بحكم خبرته برحلات السفاري  يحفظ معالم سيوة وكأنه عاش بها طيلة حياته.. مداخل ومخارج الكهوف, الممرات السرية التي تصل الكهوف بعضها البعض وتنتهي عبر ممرات تحت أرضية لتصل بالسائر فيها إلى أطلال شالي.. تربطه علاقات صداقة مع أهالي الواحة و أشهر عائلاتها.. مكنته تلك الصداقة من أن يعلم أن الأهالي بالواحة ابتعدوا عن منطقة جبل الموتى لبعض الوقت خوفًا من تكرار هجوم الوحش الغامض على أحد السكان أو مرتادي المكان.. الغريب بالأمر كما علم “أدهم” وأخبر “نوح” أن الأمور  كما كانت قبل الحادث أصبحت بعده.. هادئة “ساكن”ة بلا منغصات, لم يحدث أي حوادث هجوم أخرى.. حتى وجد أحدهم باليوم الرابع لحادث قتل “نجوان” ذئبًا صدمته سيارة بالقرب من الطريق العام وانتاب الشك الطبيب البيطري أن يكون الذئب مصابًا بسعار وتم إعدامه فورًا دون التأكد من حقيقة إصابته أم لا خوفًا من أن يشفى ويعود لمهاجمة جديدة.. بدا الأمر منطقيا للشرطة وقتها أن هذا الذئب هو القاتل وأنه جُرِح جُرحًا بليغًا جراء إصابته.. لذلك لم تحدث حوادث بالواحة, وأن الأمر قد أغُلِق وانتهى.. لم يتقبل “نوح” الأمر كما لم يتقبله من قبل.. وكذا “أدهم” لأن كلاهما بحكم خبرته بالحيوانات يعلمان جيدًا أن الذئب المصري لا يقتل بهذه الطريقة المتوحشة, وأن الأمر يبدو مريبًا نوعًا ما.. 

بقي “نوح” و”أدهم” يومان تقريبًا بالمنطقة قبل وصول الرحلة  بمنتصف نهار الاثنين..

“سأراها اليوم من بعيد واطمئن عليها.. أتمنى أن تكون بخير مستمتعة بما تفعل وبما تكتشف.. ستخبرني عن كل شيءبعد العودة كعادتها لن تكف عن الحكايات بطريقتها المحببة اللطيفة.. سأستمع لصوتها بعقلي قبل أذناي وهي تناديني.. “نوح””..

تناوب الصديقان مراقبة ومتابعة أعضاء الرحلة تأمينًا لسلامتهم دون أن يشعر أي منهم بذلك.. تقاسما ساعات النوم والاستيقاظ بحيث يسهر “نوح” الليل كله وحتى ساعات الصباح الأولى بينما ينام “أدهم” الذي يتولى المتابعة النهارية وقت نوم “نوح”..

كان ل”نوح” هاجسه الذي دفعه إلى هذا الترتيب.. قتل أخته تم بساعات الليل الأخيرة.. ولو هاجم هذا الوحش الغريب من جديد سيكون أيضًا بنفس الوقت.. لم تقنع “نوح”  قصة الذئب الذي صدمته سيارة.. ولكن من يدري ربما لن يعرف أبدًا حقيقة ما حدث.. المهم سلامة “ضوءالقمر”..

مضت الليال الثلاث الأولى من الرحلة هادئة بلا إزعاج.. وبصبيحة اليوم الرابع بدأ الطلاب في الإعداد والتجهيز استعدادًا للعودة.. تضاربت مشاعر “نوح” بين فرحته لسلامة ضوء القمر وعدم تعرضها لشيء, وبين احساس بالإحباط نوعًا, كان واثقًا بصورة أو بأخرى من وصوله لسر قتل أخته.. ولكن!! يبدو أنه لن يحدث..

استدراكا.. لكن للأقدار شأن آخر.. وكأن الحقيقة أبت إلا أن تنكشف إنما بطريقتها..

عندما يتملكنا هاجس بشأن أمر ما و لا يتحقق كما تخيلناه أو رسمناه نصاب بخيبة أمل ونفقد الثقة في تلك الحاسة التي تستشعر شيئًا غير متسق مع قواعد العقل والمنطق, ولكنه مع هذا قابل للحدوث رغمًا عنا..

قرر الباحثون الألمان و أستاذ الجيولوجيا مد الرحلة ليومين آخرين مع الطلاب نظرًا لحاجة التجربة إلى مزيد من الدراسة والفحص.. وبالفعل وافقت إدارة الجامعة وأبلغ الطلاب ذويهم بالتطورات الجديدة.. وقامت “ضوءالقمر” بإبلاغ والديها وكذا العمة “وجيدة” برسالة نصية سألت في آخرها عن “نوح” وصدمها أنه لم يرجع للمزرعة بعد, وصدمها أكثر أن الأسبوع كاد أن يصبح عشرة أيام, ولم يكلف “نوح” نفسه بالسؤال عنها والاطمئنان عليها…

ولأجل هذا السبب تحديدًا تبددت سعادة “ضوءالقمر”, وأصبحت تتمنى انتهاء الرحلة لتعود إلى وادي النطرون علها تكن فقط قريبة لدى عودته..

نهارًا كابيا بالنسبة ل”ضوءالقمر” رغم أنه بالفعل كان يومًا صحوًا من أيام الخريف المنعشة بسحاباتها وهواءها الدافئ بالشمس التي تأبى إلا أن تلقي بظلال أشعتها على الأرض معلنة عن سعادتها هي نفسها بتلك السحابات البيضاء كندوف القطن..لم  تتفاعل بنشاطها المعهود الذي خبره “أدهم” بمتابعته لها الأيام الماضية وأبلغ “نوح” هذا بالمساء..

– لا أدر ما بها ليست بمزاج رائق وكأن هناك مايضايقها..

ابتسامة غامضة على وجه “نوح” جعلت صديقه المقرب والمجرب, يدرك سر ابتسامته, صاح به منفعلا: يبدو أنها تحبك أيضًا.. جميل هذا بالفعل..

دخل الليل حاملا أستاره.. كاشفًا عن صفحة سماء مرصعة بعدد لانهائي من النجوم و نصف هلال يتربع عرش السماء ملكًا متوجًا.. نظر “نوح” للسماء وتذكر الليلة التي تجاذب فيها أطراف الحديث مع “ضوءالقمر”.. كانت ليلة صافية كهذه..  خير ليلة لخير نهار كالذي مضى..

 بقي “نوح” بمكانه المفضل بين نخلتين توأمتين يطلان على جبل الموتى من الجهة الشرقية.. حيث منطقة كهوف متشعبة وممتدة بأسرارها الغامضة.. يتابع من بعيد بمنظاره المقرب الاطمئنان إلى سلامة المجموعة.. فجأة لاح شبح فتاة خرجت من خيمتها ومضت بطريقها  تسير  بعيدًا عن المجموعة وباتجاه جبل الموتى.. لقد كانت ضوءالقمر… انتبهت كل حواس “نوح” وبدأ يستعد للهجوم والدفاع عن صغيرته الأثيرة  في حال حدوث شيء .. دارت “ضوءالقمر” حول مجموعات الخيام متجهة رأسا إلى أقرب مكان لمنطقة الكهوف التي حدث بالقرب منها حادث “نجوان”..قرر “نوح” أن يسبقها وأن يتجه للكهوف من الاتجاه المعاكس والذي يمنحه الفرصة لرؤية الفتاة واستقبالها حال وصولها لتلك المنطقة لارتفاعه عنها بما يمكنه من متابعتها وهي قادمة باتجاهه بدلا من السير خلفها بما قد يكشف عن وجوده..كادت الخطة أن تنجح لولا وجود مجموعة من الكثبان الرملية المتناثرة والتي تشبه أقماعًا مقلوبة.. تلك الكثبان تمنع الرؤية لدقائق حال دوران أحد السائرين بمحاذاتها..وهذا ما فعلته ضوء القمر بما حذا ل”نوح”  للقيام بخطوة غير محسوبة بدقة بالنزول من التلة سريعًا و المرور من أحد الكهوف المحدودة الاتساع بحيث يقابل مدخل الكهف خارجه للمسافة القصيرة التي تفصل بينهما.. كان الخروج من الكهف سيعني أن يكون في استقبال “ضوءالقمر” وهي قادمة من خلف الكثبان.. لم يكد “نوح” ليخطو بضع خطوات داخل الكهف عابرًا له حتى فوجئ بعينان ذهبيتان تلمعان في الظلام, لانعكاس ضوء القمر من فتحة بأعلى الكهف. لم يتمكن “نوح” من إخراج سكينه أو إشعال مصباحه اليدوي في عينا هذا الشيء.. الذي غافله وطرحه أرضًا وجثم فوق صدره محدقًا به, ثم إذا بالكائن الغامض يغرس أنيابه الفتاكة بكتف “نوح” فيلمس شريانا لتنبثق الدماء كنافورة لا يعوقها شيء.. صرخ “نوح” صرخة قوية ممسكًا بحجر صلد لامسته يده الأخرى على الأرض أثناء مقاومته لهذا الكائن.. ليضربه به على رأسه بقوة  فيصدر الكائن صوتًا ما بين عواء الذئب ونباح الكلب.. ولكن هيهات لسامع الصوت أن يحدد ما هذا الكائن أهو كلب؟ أم ذئب!! أم شيء آخر!! التقطت أذنا ضوء القمر المرهفة الصوت واتجهت ناحيته سريعًا ودخلت الكهف من الناحية التي كان من المفترض أن يخرج منها “نوح”.. أشعلت مصباحه اليدوي وسلطته تجاه الكائن الذي يقف فوق جسد بشري غير محدد المعالم…  همهمت الفتاة بصوت لتلفت انتباه الكائن فإذا ب”نوح” يصرخ: اهربي يا صغيرتي, عودي أدراجك إلى معسكر التخييم وأحضري النجدة… “نوح”  أهو أنت؟؟ أم أنني يهيأ لي!! أجابها “نوح” نعم هو أنا نعم اهربي ودعي لي أمر هذا الوحش الذي قتل أختي, أتوسل إليك أن تهربين!! لم تلتفت “ضوءالقمر” لكلمات “نوح” بل سارعت بالتقدم نحو الكائن وهي تصدر أصواتًا متوعدة .. للحظة خيل ل”نوح” أن الكائن ارتعش وفقد سيطرته على جسد “نوح” قليلا فمكنه هذا من إخراج سكينه الذي أسرع بتسديدها نحو الكائن لطعنه قبل أن تقترب ضوء القمر  أكثر وتهمهم بصوت غريب ولكنه حاسم بالقدر الذي جعل يخفف من سيطرته على صدر “نوح”, بل ويبدو كما لو كان مترددًا هل يكمل انتقامه من الرجل أم يلتفت لتلك الفتاة التي تأمره ولا يجد أمامه إلا أن ينصاع لها صاغرًا.. تقترب “ضوءالقمر” أكثر من “نوح” وتفتح حقيبتها لتخرج زجاجة عطر ترشها على كتف “نوح” الذي ينزف وتلوح غاضبة متوعدة للكائن الذي يغادر صدر “نوح” وينزل على الأرض جاثمًا رابضًا في صمت.. وتبدأ ضوء القمر بالضغط على جرح “نوح” في محاولة لإيقاف النزيف وربط الجرح ريثما تأتي الإسعافات.. ففي هذه الأثناء حدثت حركة غير عادية بالمعسكر حيث انطلق المصور ومشرفوا الرحلة وكذا مرشدوا الفندق ومساعدوه  استجابة لضغطة زر جهاز التتبع الذي كان مزودًا به كل أعضاء الرحلة ومبرمجًا على نغمات كل منها تعلن عن حالة الخطر التي يواجهها صاحب الإرسال.. وكانت رسالة “ضوءالقمر” تعني وجود مصاب وحيوان متوحش.. استطاعت ضوء القمر إيقاف النزيف بينما كانت تواصل بين حين وآخر إصدار همهماتها الغاضبة للكائن الذي لم تتحدد ملامحه بعد..لو كان “نوح”  عاديًا لأغمي عليه من فوره نظرا لكمية الدماء التي نزفها, لكنه كان مقاتلا ورياضي البنية صحيح الجسد فزادت مقاومته لوقت أطول, لولا أنه اعتقد أنه دخل بمرحلة الهذيان, لقد سمع صوت ضوء القمر.. لا بعقله بل بأذنيه هذه المرة لقد نادته و هاهي الآن تحدثه.. تسأله عما جاء به إلى هاهنا!! لم يكن باستطاعة “نوح” الحديث إلا قليلا ليس لأجل الصدمة بسبب جرحه, بل لصدمته لأن “ضوءالقمر” تتكلم.. أشار لها بما يعني أنه هاهنا من أجلها.. خوفًا عليها, وحماية لها.. فابتسمت وهي تقول: من منا يحمي الآخر الآن؟؟!! ألم أخبرك أنني قادرة على حماية نفسي!! ثم بعتاب رقيق قالت: “نوح”  أنا هنا وسط الطبيعة بين الكائنات كل ما أحب.. أستمع لاهتزازات رمال الصحراء وصوت الرياح و ذبذبات الهوام وإشاراتها.. ألتقط من الأصوات ما تعجز الأذن العاديةة عن التقاطه.. “نوح” !! “الكون حدثني و أنا له منصتة” منذ أن وُلِدت و أنا منصتة..أتكلم ويسمعني.. ويحكي و أسمعه.. أشار “نوح” إلى فمها فأومأت برأسها “نعم!! أستطيع الحديث ككل البشر, اكتشفت هذا بالصدفة منذ سنوات.. كنت أداعب طفلة صغيرة ابنة المهندس رجائي وزوجته فيفيان.. وجدت نفسي أناغي الطفلة وأصدر أصواتًا مثلما يصدر الناس.. وهي تنظر لي وتبتسم ثم تضحك كلما تخيلت أن صوتي ارتفع بأغنية من أغاني الأطفال إذا بها تضحك .. لم أستوعب الأمر هل هذا الصوت مني أم إنه إشاري كالعادة؟؟ استخدمت هاتف لأسجل حديثي الذي أخالني أحكي به..

وإذا بي قد نطقت أخيراً كما ينطق البشر.. أنا أتحدث.. لي صوت.. لست مجرد فتاة جميلة المحيا بشوشة الوجه دقيقة الملامح.. أنا كيان ولست تجسيدًا لكيان..

لم أتعجل ولم أفصح عن سري لأي مخلوق.. شعرت أنني لست مؤهلة بعد لدخول عالم البشر..

اقترب الكائن من “ضوءالقمر” ملاصقًا لها فانتفض “نوح” مرعوبًا عليها فإذا بها تضع يدها على رأس الكائن وتربت عليه ثم تلف يدها حول عنقه لتحتضنه  ويطأطأ هو رأسه منكسرًا شاعرًا بالخضوع مستسلمًا لها..  ترفع ضوء القمر يدها عن “نوح” وتضعها على رأس الكائن بجانب أذنيه وتقترب منه برأسها.. تنظر بعينيها في عينيه وتطيل النظر.. فتلتمع عيناه بالدموع وتهمس له مطمئنة لا تخش شيئًا سأخبرهم بحقيقة الأمر.. لقد انتهى كل شيء ولم يعد هناك ما يخيفك..

في تلك اللحظة تحديدًا كان هناك أزواج من عيون شاخصة مترقبة تشعر بالدهشة والحيرة حيال المشهد.. الفتاة تتحدث إلى الكلب الذئبي الملامح.. وهو مصغ لها.. كما لو كان طفلا صغيرا.. تلومه أمه على ارتكاب الخطأ فيعترف ويعتذر…

عض “نوح” على شفتيه.. ها هو ذا العالم قد أصبح  لديه مادة تلوكها الألسنة, لقد فقدت “ضوءالقمر” كل سلامها الداخلي وكل حياتها السابقة فداءً لتلك الحياة القادمة.. فتاة تنطق بعد سنوات من الصمت.. فتاة تأمر الحيوانات فتطيعها… آه  يا صغيرتي.. لم أستطع حمايتك وإذا بكِ أنتِ من تنقذين حياتي وتحمينني.. و … و غاب “نوح” عن الوعي..

مرت ثلاث شهور بعد الحادث.. شفي نوح  ولحسن الحظ لم يثبت نقل أي نوع من المرض أو التلوث لجسده نتيجة العضة ربما لأنها لم تكتمل وربما لسبب آخر.. فكل ماكان أثبت أن نوح كان على صواب, وأن هناك إنسانًا في هذا العالم لا يلقي باللوم على الوحوش وإن لم يعلم بكل أسرارها.. واكتُشِف سر قتل “نجوان”.. كان الذئب المصري برئ من دمها كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب.. بل كان وراء الأمر قصة , كشفت بتفاصيلها عن مدى الفساد الذي يستشري كالوباء في بلادنا.. وعن اساءة الإنسان البالغة لعالمه .. فما المتوقع ممن يؤذون أبناء جلدتهم وحاملي نفس الجينات البشرية الإنسانية؟!! هل ستشكل الكائنات بعالمها المختلف أهمية تذكر لبني البشر؟؟ تجربة سرية لم يدرك أهل سيوة الطيبين بحدوثها في واحتهم الجميلة.. دفن نفايات سامة بأرض الواحة في غفلة من الوعي والرقابة والوازع الأخلاقي الذي يمنع الإنسان من تلويث الحياة التي يفقد بمقتضى تلويثه لها إنسانيته وقدرته على التعايش في عالم متنوع..كانت النتيجة أن بعضًا من الكلاب المتواجدة بالواحة تناولت من هذه المخلفات فتحولت إلى تلك المسوخ الشائهة التي تقتل  لا لشيء إلا القتل نفسه..وتموت بعد اقتتالها .. فكان الصادم في الأمر أن الكلب الذي يتحول لهذا المسخ الشائه يحدث له تحللا ذاتيا بعد مهاجمته للبشر أو لسواهم من المخلوقات..هذا الذي حدث لتلك المجموعة من الكلاب آخرهم الكلب الذي هاجم “نجوان” نتيجة نوبة جنون عنيفة..أما شريكه الكلب وآخر من بقي من تلك المجموعة و الذي هاجم “نوح” فقد مات هو الآخر ولكن بعد أن علمت منه “ضوءالقمر” بالحكاية كعادتها تكشف لها الحيوانات عن أسرارها..ونتيجة لهذا تم البحث عن المكان الذي دفنت فيه النفايات وعن المسئول عن هذه الجريمة..بالطبع لم يسفر البحث عن شيء…ولم يُعرف السر الذي جعل “نجوان” لا تصرخ طلبًا للنجدة عندما هاجمها الكلب المسخ.. هل كان بالأمر سرًا آخر لم يحن الوقت لكشفه بعد!! أم أن الأسرار لا تكتشف في  بلادنا إلا بعد أن تنقضي أسباب حدوثها, وتحتفي العلل التي من وراءها!! من يدري فهذا هو الحال على أرض هذا الوطن..

عرف العالم بشأن “ضوءالقمر” وبالفعل أصبحت مادة للحديث الإعلامي الصاخب.. ولأحاديث الناس الغير معقولة.. من يقول أنها لعنة أصابت الفتاة فأصبحت تتكلم بلسان الحيوانات.. ومن يدعي أنها معجزة إلهية جديدة لتستفيق البشرية وتعود إلى خالقها, وكأن ما يمارسونه دومًا ليس إلا محاولات للتقرب من الخالق استجداءً وطلبًا لرضاه.. ومن يقول أنها مؤامرة كبرى وأن هذه الفتاة جاسوسة من عالم آخر.. أو على الأقل لدولة كبرى تريد اكتشاف الأسرار وتستغل الفتاة..

في النهاية لم يحدث ما كانت الأم تخشاه.. ولم يحدث ما كان الأب يريده.. بل حدث أمر مختلف تماما وغير متوقع!!

قررت احدى جامعات ألمانيا تبني “ضوءالقمر” ومساعدتها على تنمية موهبتها والاستفادة منها بدون استغلالها استغلالا مسيئًا لها ولخصوصية حياتها..

كانت بالقطع بادرة طيبة من الجامعة التي عرضت على ضوء القمر استكمال دراستها بألمانيا ومنحها كل الإمكانات المتاحة لتدعيم الروابط التي تجمعها بالكون وبالكائنات .. بغير محاولة لفهم السر أو السبب..

فالسر أو السبب ربما يكمن في هذا الكون الذي لا زلنا بعد لم نفكك طلاسمه ونفهم رسائله..لازال لدينا الوقت!!

لقد كانت “ضوءالقمر” رسالة من نوع خاص من قرأها وفهمها .. ربما عرف الكثير وتعلم منها الكثير؛

أما من لم يقرأ ولم يفهم فلن  يفهم أبدًا أو يفهم يومًا.. وربما لضوءالقمر دورًا لم تأن لحظته المناسبة بعد!!!

أما نوح القيوطي وضوءالقمر…

مابينهما…. بقي بينهما.. أحد أسرارهما الغير مخول لي الكشف عنها .. فليتخيل كل منكم نهاية تناسب تصوراته .. وليبق “نوح القيوطي” ولتبقى “ضوءالقمر” رمزًا لعالم خيالي أتمنى لو له وجود…

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

سينما: بين رامي مالك وتوم هانكس (سيدا طاعون الرب)

ليست فجوة بين الأجيال، لكنها انتكاسة في نفوس البشر. لو اعتقد البعض من العنوان أن ما بعده ي…