دعاء

      للذاكرة طرقها في تخزين ما توده، ونسيان ما عدا ذلك. وللإنسان محاولات في التوثيق بطرق عدة منها طريقتي الفوتوغرافيا والكتابة التين سأتناولهما بالحديث هنا. فكلا الطريقتين رصد لأحداث نتمنى أنها سترسخ في الذاكرة. وفي هذه الشتوية، ورغم ضبابية الجو إلا أن الحواس تصبح أكثر يقظة، ومن بينها حاسة الحنين إلى الأحبة. ينكمش الوقت في هذا الفصل وتصبح كقطرة الندى التي لا زمان لها غير الصباح. تتكورُ على حافة اليوم ولا تسقط. فالجاذبية لا دور لها في غلالة السكون البيضاء من حولك.

      إن عملية التقاط الصور، وممارسة الكتابة، هي محاولات في تجميد اللحظة، والوصول إلى السكون. وحينها فقط تتضح الرؤية. سنتعرض لفكرتي التوثيق والسكون وما بينهما الموجودة في الكتب المذكورة في هذا المقال.

      في ما يتعلق بالفوتوغرافيا سنرى رأي الناقد الأدبي والدلالي بارت، أما عن الكتابة تجميداً للحظة، فهي بالنسبة لي محاولة يائسة لإيواء كلماتي الصغيرة على الورقة؛ امتدادي اليابس في البياض. ألغي ذاتي إذ ألفظها على الملأ. أصير دالة منكفئة على ذاتها أمامكم، وعينا تكاد ترسم نصف قلب بانحناءتها تلك، وهي تخبئ ذاتها بفتح باب أرواحكم على اتساعها، وألفاً تستنجد بظل الهمزة خلفها فلا تبدو متجردة تماماً في الفراغ الوجودي من حولها، وهي تحمل بداخلها الكون على امتداد قطرها. أكون دعاءاً محجوبة داخل الكلمات. ثم يأتِ نص ما ويعثر عليك، وترى ذاتك على طبيعتها، كما يراك الرب. تمحي الكلمات وترى لأول مرة من تكون حقاً. هنا يغشاك معنى السكون.

      هذا ما حدث معي منذ أيام قلائل جراء نص شعري تركني لليلتين متواصلتين في حالة مفارقة للذات. أحسستني كريشة شاحبة بلا وزن، لكن أحدهم انتبه لي فصار لي ثقل. وأقصد بالحديث الشاعر اللبناني وديع سعادة الذي نجده ممتدحا للسكون في نصه المعنون بـ (الرغبة):

ثمة رقص على الدرب

لا يراه الراكضون.

رقص يعرفه الجالسون.

ثمة رقص خفي في الجلوس.

الساكنون يسمعون وحدهم الأغنية.

الضاجون طرشي ضجيجهم.

في السكون غناء جميل.”1.1

      ثم يمضي لأبعد من ذلك ويرينا ما ينتج عن هذا الفعل فيكمل بنصه:

حين تجلس وتصمت

تكون تخترع أوتاراً جديدة.

وولادات،

لا تصرخ حين تولد.

وميتات،

لا تأسف إذ تموت.

ورقصات،

تنتشي من سكونها.

ومسافات،

تقطع الدروب وهي على مقاعدها.

ومزهريات،

تعبق من فراغها.1.2

      نجد كذلك في كتاب الرمل للكاتب الأرجنتيني بورخيس تأملاً يشبهه في معنى السكون كصورة من صور الأبدية بقوله: “ولكن فلندع الحديث عن الوقائع، فالوقائع لا تهم أحداً. إنها مجرد نقاط انطلاق للإختراع والاستدلال. نحن نتعلم في المدارس الشك وفن النسيان، ولاسيما نسيان ما هو شخصي ومحلي. إننا نعيش في الزمان، الذي هو تتابعي، ولكننا نحاول أن نعيش من وجهة نظر الأبدية.” 2

      وكما أتيت على ذكره بالأعلى، يدافع اللساني الفرنسي رولان بارت عن قوة الصورة، فيقول “ذلك اليقين،” في حديثه عن توثيق الفوتوغرافيا: “لا يمكن أن تقدمه لي أية كتابة. يكمن شقاء اللغة (و ربما لذتها أيضاً) في عدم قدرتها على التصديق على نفسها، جوهر اللغة هو من الجائز هذه العنّة، أو لكي نتحدث بإيجابية: اللغة هي بطبيعتها خيالية. يتطلب محاولة جعل اللغة غير خيالية منظومة هائلة من الإجراءات، نحن نستدعي المنطق، أو إذا تعذر، القَسَم، ولكن الفوتوغرافيا لا يعنيها جميع الوسائط. هي لا تخترع، هي التوثيق نفسه.”3.1

     لكنه قبل ذلك يعترف ضمنياً أن هذا التوثيق لا يقدم الحقيقة كما هي، وأننا نحتاج لإنطباع ساكن لنبصر، فيقول: “في حقيقة الأمر – أو في النهاية – لكي ترى صورة بشكل جيد، من الأفضل أن ترفع رأسك، أو تغمض عينك. “الشرط المبدئي للصورة هو الرؤية”، قال يانوش Janouch لكافكا Kafka، و ضحك كافكا و أجاب: “نحن نصور الأشياء لكي نطردها من أذهاننا. حكاياتي هي طريقة لإغلاق عيوني”. يلزم على الفوتوغرافيا أن تكون صامتة. هي ليست مسألة “رصانة”، ولكن مسألة موسيقى. لا يمكن الوصول إلى الذاتية المطلقة إلا في حالة محاولة جاهدة للصمت (إغماض عينك هو جعل الصورة تنطق في الصمت). 3.2

     يتطرق بعدها للازدواج بقوله: “الصورة الفوتوغرافية هي حضوري أنا نفسي بوصفي آخر: هي انفصال مراوغ للوعي بالهوية.” 3.3

     ثم ينحو بارت تجاه فكرة التشيؤ، والذي هو صورة عن الازدواج الذي يحدث عند محاولة تجميد اللحظة خلال الكتابة أو الفوتوغرافيا، فنرى ردة فعله تجاه صوره الشخصية هكذا: “ما يفعله المجتمع بصورتي، وما يقرؤه منها، لا أعرفه (في كل الأحوال، هناك قراءات كثيرة لنفس الوجه)؛ ولكن حينما أظهر على منتج هذه العملية، ما أراه، هو أنني لم أصبح إلا صورة، بما يعني الموت نفسه؛ الآخرون – الآخر – يجردونني من نفسي، يشيئونني بضراوة.” 3.4

     ثم يغوص إلى ما هو أعمق من هذا التفكك فيتحدث عن الموت لحظة تحولك لطيف: “في حقيقة الأمر، ما أنزع إليه في الصورة التي تؤخذ لي (“المقصد” تبعاً لما أتطلع إليه) هو الموت. الموت هو جوهر تلك الصورة.” 3.5

     وكذلك يكون الأمر مع الكتابة، فالكتاب الواحد له نسخ مختلفة بعدد قارئيه. محاولة التوثيق هنا هي الموت ذاته. هذا مع عدم نسياننا طبعاً لنظريته الشهيرة المتعلقة بالكتابة والمعروفة، بموت المؤلف.

     وبالعودة إلى السكون، نجد في رواية التركي النوبلي أورهان باموق حديثاً عن الصلة بين العماء كصورة من صور السكون، وبين الذاكرة على لسان (أوليف) أحد النقاشين في الرواية: “وقتما وصلت ذاكرة النَّقّاش إلى الله، ساد هناك سكون مطلق، ظلام مبارك ولامتناهية الصفحة البيضاء.” 4.1

     فكانت العادة عند النقاشين العثمانيين هي بأن يمارسوا الرسم في غرفة مظلمة، ليس اتقاءاً لأشعة الشمس القوية على أعينهم بقدر ما هي تجسيد لرؤيتهم الصوفية بأن الرسم من الذاكرة هي طريقة للتخلص من سطوة الذات، أن تكون في الظل مقابل سطوع ذاكرة الرب في توثيق العمل الفني. وهذا يعيدني لعادات القراءة عندي، فمنذ صغري لم أجد غير القراءة طريقة للتوحد مع المكان – هذا بافتراض وجودي داخل المكان – فأكون بمعية كتاب حتى تغيب الشمس، وتظلم الغرفة، وأتوحد مع ظلال الأشياء هناك، ثم يأتي من يضيء لي النور، واضطر حينها للتوقف عن القراءة ريثما تتأقلم عيناي على النور الساطع متحسسة من الإضاءة وهي تفسد علي متعة مرافقة الظلال فاضحة الوجود بجرأتها.

     تبرز في هذه الرواية المعنية بتاريخ الفن فكرة أهمية الصورة مقابل الواقع على لسان شخصية القطعة النقدية وهي في تأملها: “العملة النقدية: على أية حال، بينما تتدنى قيمتي الواقعية، تزداد قيمتي المجازية – و هذا دليل على أن الشِّعر هو سلوان لمآسي الحياة.” 4.2

    وفي كتاب يكثف من الفكرة السابقة، نلمس في اختراع موريل قوة المجاز التوثيقية في مقابل التجسيد، الصورة في مقابل الواقع، الاختلاء مع الذات في مقابل التواصل مع الآخرين، وخلود وهم الحب مقابل حقيقة الموت. هذه النوفيلا هي متاهة أو لغز معرفي وفلسفي تدارسه بيوي في جلسة مجنونة مع صديقه بورخيس الذي اشترك معه في أكثر من عشرة كتب، متاهة البحث الدائم، متاهة المفارقات التي تحيط بنا بغلظة أوبخفة حسب الوعي وقبولنا لشروط اللعبة. بطلها اختار العزلة قسراً هرباً من مطاردة القضاء له، أو بالأحرى الموت؛ فهو محكوم عليه بالسجن المؤبد. تتكشف أحداث القصة ببطء نسبي مع طولها مما يجعل أحاسيسنا كقراء أكثر وضوحاً رغم ضبابية هذا العمل الأدبي الذي يبدو كموسيقى تميل إلى السكون مع عدم خلوها من ذبذبات عالية من التشويق البوليسي.

     في بداية الكتاب نجد اقتباساً لبورخيس، بعد تقديمه للكتاب يقول: “بينما نحن نيام هنا، نكون متيقظين في مكان آخر، وهكذا يصبح كل واحد اثنين” 5.1 . تذكرنا النوفيلا إذن بيقظتنا في ذاكرة الآخرين، وكيف للذاكرة أن تمنحنا هذا الوهم الجميل في لحظات الحنين حين العزلة.

     وحين نذهب قليلاً مع الأحداث نجد على لسان البطل كيف أن محاولة توثيق لحظة تصير بذات الوقت لحظة فقدان لها: “فمن عادة نظرياتي الأكثر لمعاناً الذوبان في اليوم التالي، وتبقى كشاهد على مركب من العجز والحماسة (أو اليأس). ربما بكتابتها تفقد فكرتي قوتها.” 5.2

     أما عن ثيمة الازدواجية في القصة فنجدها واضحة في بنية السرد بين مذكرات البطل وبين ملاحظات شخصية الناشر لتلك المذكرات. هذه الازدواجية في الرؤية – دون اعتبار رؤية القارئ هنا – محاولة في التوثيق بالكلمات تجميداً للحدث الذي هو في ذاته يحتوي على ازدواج رؤيوي. فنقرأ في الدفتر هذه الفقرة: “تبقى الأكثر لا معقولية وهو تطابق الشيء وصورته الكلية في الحيز الواحد نفسه. فعل كهذا يلمح إلى إمكانية أن العالم يقوم على الأحاسيس بشكل حصري. ملاحظة من الناشر”  5.3 يتركنا المؤلف مع بطل دون اسم، يحمل جرماً غير مذكور، يتوازى في ازدواج ربما مع وقوعه في الحب من طرف واحد.

     وبعيداً من عالم الكتب، يطل علينا فيلم  المذنَّب Comet للمخرج سام إسماعيل باستنتاج جميل، فليس السكون إلا إسكاتاً للذاكرة، واستنكار ثقلها للعيش في الآن. محواً هادئاً لجريان الزمن، رغبة في التأمل. يتجلى المعنى في حوار عن جمالية السكون في اللوحة الفنية، وتماماً في الدقيقة السادسة والثلاثين حين تبوح (كيمبرلي) بانزعاج عن أمنيتها بالتخلي عن الزمن فتقول: “أتعرف كيف أن هناك فن يرتكز على الزمن؟ الأفلام، الموسيقى، المسرحيات – كلها فنون ترتكز على الزمن. هناك بداية ومنتصف ونهاية. وعليك أن تشاهد من البداية حتى النهاية. تكون مقيّداً لذلك الخط الزمني، لتلك الطريقة في تجربة الفن. ثم هناك لوحات فنية، دون بداية، دون منتصف، ولا نهاية. لك أن ترى ما تود وقتما تريد. لا شروط تقييدية لها. إنها فقط هناك.” 6

     ختاماً، ما نختار نحن تخزينه كذكرى هو الأهم من الواقع ذاته؛ لأن كل شخص يحتاج للانتماء، ربما. أن يعود لحجرة ذكرياته الخاصة بين حين و آخر. الذكرى، هذا الكائن الهش، المتجرد من الشكل، المعجون بالدفء، والمسافر عبر الأزمنة دون حاجة لكبسولة زمنية أو تعويذة سحر. ولكن قل لي، هل تكفي الذكرى زاداً في ليالي الأرق؟ وهل يتسع حضن الأحبة لكل هذا الفراغ بداخلنا؟ أن نتجاوز حدودنا، وننتمي في صورة الآخر كإيقاع ينسى حدود آلته القاصرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. الأعمال الشعرية، للمؤلف وديع سعادة، دار أبابيل، 2016، من ديوان غبار، 2011، ص342- ص343

  2. كتاب الرمل، للمؤلف خورخي لويس بورخيس، ترجمة سعيد الغانمي، دار أزمنة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1999، ص68

  3. الغرفة المضيئة (تأملات في الفوتوغرافيا)، للمؤلف رولان بارت، ترجمة هالة نمّر، مراجعة أنور مغيث، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2010، ص79، ص55، ص16، ص18، ص19

  4. My Name Is RED, Orhan Pamuk, Translated by Erdağ Gӧknar, Faber and Faber Limited 2001, P98, P127

  5. اختراع موريل، للمؤلف أدولفو بيوي كاساريس، ترجمة أحمد يماني، منشورات الجمل، الطبعة الأولى 2014، ص11، ص104، ص108

  6. Comet, directed and written by Sam Esmail, 2014, IFC Films

 

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

*خارج الجسد

( لا بد من التنويه أن الآراء الواردة في هذه السلسلة لا تعبر بالضرورة عن كافكا المعلوم لدى …