14808824_1587819017910335_761067435_o

 

• تأليف : كورت كوشنبرك

رن الهاتف، رفع نقيب الشرطة السماعة وقال :
– “تفضل”.
– “هلو، أنا المفوض كارزيك. قبل قليل نظر إليَّ أحد المارة بإزدراء من فوق الى تحت”.
أجابه نقيب الشرطة محذراً :
– “ربما توهمت ذلك، أغلب الناس لديهم شعور بالذنب، وإذا ما حدث والتقى أحدهم بشرطي فسيشيح بوجهه عنه، أما إذا أطال النظر، كما تزعم، فهذا كافٍ لأن يبدو وكأنه انتقاص شنيع للقدر، مجرد صدفة سيئة”.
– “كلا”. قال المفوض، “هنا المسألة مختلفة تماماً. فقد شخصني بازدراء تام، من قمة بيريتي حتى كعب جزمتي”.
– “أوه، ولما لم تلقِ القبض عليه ؟”
– “لقد كنتُ مرتاعاً، تشتت تفكيري من هول اللحظة، وما إن فطنتُ إلى إهانته، حتى اختفى عن نظري”.
– “حسناً، هل تستطيع التعرف عليه ؟”
– “بالطبع. أتذكر أن له لحية حنية اللون”.
– “هذا كافٍ، لكن كيف هي صحتك بعد الحادث، هل أنت على ما يرام ؟”
– “كلا. بائس بما فيه الكفاية”.
– “هون عليك، سأقوم الآن باستبدالك ومنحك إجازة”.
شغل نقيب الشرطة المذياع، وبعث بسيارة إنذار إلى المنطقة التي يناوب فيها المفوض كارزيك، وأمر بالقاء القبض على كل مواطن له لحية حنية اللون.
عندما تسلمت سيارات الشرطة الأمر كانت جميعها في الخدمة، وتحديداً؛ سيارتان ظل طاقماهما يتسابقان لمعرفة أيهما الأسرع، وطاقمان آخران جلسا في إحدى الحانات يحتفلان بعيد ميلاد صاحب الحانة. وثلاثة كانوا يساعدون زميلهم للانتقال إلى بيت آخر. غير انهم حالما سمعوا ما الخطب امتطوا سياراتهم واتجهوا بها نحو مركز المدينة.
غلّقوا كل الطرق، ومشطوا الشوارع واحداً تلو الآخر. اقتحموا المحلات، المطاعم، والبيوت. ونقلوا إلى المركز كل من له لحية حنية اللون. شُلت حركة المرور، بينما الصافرات تنعق، والناس ترجف، وانتشر خبر البحث عن قاتل جماعي. وخلال بضع ساعات جاءت المعركة حامية الوطيس بغنائم مُدهنة، فقد نُقل إلى مخفر الشرطة خمسين رجلاً ذا لحية حنية.

خطى كارزيك مُتكئاً على ممرضين أمام المتهمين، لكنه لم يتعرف على الجاني. أوعز نقيب الشرطة السبب إلى حالة كارزيك الصحية، وأمر بالتحقيق مع المتهمين.
– “ربما أنتم أبرياء من هذه الناحية، قال النقيب، ولكن من نواحي أخرى فبالتأكيد يوجد في ذممكم شيء ما..”

وبالفعل، كان ذلك صحيحاً، على الأقل في هذه البلدة الصغيرة. لكن لا ينبغي أن يذهب بنا الظن على أنهم مسّوا المتهمين بأذى، ولا يمكن التحدث عن أي نوع من القساوة والتعذيب، فالأساليب كانت أكثر دقة. فمنذ زمن قام رجال المخابرات، وبدون أي لفت نظر، باستجواب أقرباء وخصوم كل مواطن محجوز لديهم، ودونوا محضراً لأشد ما يكره: كضجيج المطرقة الهوائية، والضوء الحاد، ورائحة الكافور، وصدح الأغاني الشعبية في الليل، والجرذ المسلوخ، والنكت القذعة، وعواء الكلب، ومس ورق مصيدة الذباب اللزج، وهكذا دواليك. فهذه الذرائع، لو استخدمت كما ينبغي لأتت أكلها، ولانتزعت من المتهم أعترافا ما، كيفما اتفق، صادقا، كاذبا لايهم، المهم ان يشعر الشرطة بالرضى. وهذا ما كان ينتظر الخمسون ذوى اللحى الحنية اللون.
أما الشخص الذي ظلوا يبحثون عنه، فقد وصل إلى البيت منذ وقت بعيد. لم يسمع قط صوت الجرس الذي قرعه رجل الشرطة، فقد كان حينها يصب الماء في حوض الحمام. وعندما انتهى من سكب الماء، قرع ساعي البريد بدوره الجرس، وها قد سمعه هذه المرة، فأخذ منه البرقية.
لقد تسلم خبراً مفرحاً، فقد عُرضت عليه وظيفة في الخارج – ولكن بشرط ان يشد رحاله للسفر على الفور.

– “حسنا”، قال الرجل. “ممتاز، شيئان يجب عليَ انجازهما حالاً: أن اتخلص من لحيتي، فقد ضقت بها ذرعاً، وأن أحصل على جواز سفر”.
استحم براحة وعناية تامتين، ارتدى ملابسه ثانية. وإجلالاً لذلك اليوم العظيم، لفّ ربطة عنق مزركشة بشكل غريب، وسأل عبر الهاتف عن موعد إقلاع الطائرة. ثم انطلق عابراً الشوارع المسالمة، وعكف على إحدى محلات الحلاقة، وبعدما انتهى، ذهب مباشرة الى دائرة الشرطة الرئيسية، فقد كان يعرف جيداً أنه لا يمكنه الحصول على جواز سفر بهذه السرعة إلا من هناك.
هنا ينبغي أن أذكر أن هذا الرجل هو الذي ازدرى الشرطي حقاً، لأن كارزيك كان يشبه ابن عمه تماماً، والذي يدعى إيجون، لقد كره ابن عمه المبتذل، والذي كان مداناً له بمبلغ كبير من المال، وعندما وقع نظره على كارزيك، تجلّت في نظرته عن غير قصدٍ، نوع من الازدراء.. لذلك فإن كارزيك مصيب في تقديره للأمور، وادعائه موافق للحقائق.

شاءت الصدفة ان يلتقي الرجل، وهو داخل دائرة المركز الرئيسية، مجدداً بالشرطي كازريك، ولكنه في هذه المرة لم يشأ ازدراءه، فقط أشاح بنظره بعيداً، فالمسكين كارزيك ليس على أحسن ما يرام، فقد حمله ممرضان بإتجاه سيارة الإسعاف.
لم تكن الأمور تجري بسهولة فيما يخص جواز السفر، فجميع الوثائق التي أبرزها لم تكن ذات جدوى، ولا حتى البرقية المستعجلة ؛ وذلك لأن المسؤول الرسمي أصابه الفزع من الاصرار غير المبرر للحصول على الجواز.
– “الجواز وثيقة رسمية مهمة”. وضح له. “وإصداره يحتاج إلى وقت”.
هزالرجل رأسه:
– “ممكن أن تكون هذه هي الآلية، ولكن لكل قاعدة استثناء”.
– “لست أنا من يقرر بهذا الشأن”، رد الموظف. “مدير الدائرة فقط له الصلاحية بذلك.”
– “ليقرر إذن مدير الدائرة”.
لملم الموظف الأوراق، ثم قام واقفاً، وصاح:
– “تعال معي، سنقطع أقصر طريق إلى المدير عبر غرف الموظفين”.
عبرا سوية ثلاث أو أربع غرف. مكتظة برجال ذوى لحى حنية اللون.
– “غريب” ، فكر صاحبنا مع نفسه، “لم أكن اتوقع أنهم بهذه الكثرة. ولكنني لم أعد واحدا منهم بأي حال”.
وكما هو عليه كل الدكتاتوريين، فقد كان النقيب مدير الدائرة الرئيسية يلعب دور بطل العالم عن طيب خاطر. وبعد أن أبلغه الموظف الرسمي الأمر صرفه، وأشار إلى زائره أن يجلس. وبصعوبة بالغة استطاع الزائر ان يرغم ابتسامة على وجهه، فقد كان مدير الدائرة يشبه ابن خالته أرتور تماما، ولم يكن هو أيضاً محباً لأبن خالته أرتور هذا. ولكن عضلات وجهه قد أدت دوراً بطولياً في إظهار ابتسامته، فالأمر في نهاية المطاف يتعلق بجواز سفر.
– “صغار الموظفين دائما قلقون”. قال مدير الدائرة، “لا يتجرأون على اتخاذ القرارات. حضرتك بالطبع ستحصل على الجواز، من هنا، الآن، فورا. فدعوتك للذهاب إلى اسطنبول شرف كبير لبلدتنا، وتقبل أمنياتي بالتوفيق”.
وقع الجواز، وضرب عليه الختم، وبلا مبالات، وكأن المسألة تتعلق بدفتر عادي، ناول الزائر تلك الوثيقة المهمة.
– “ربطة عنق سيادتكم ملفتة للنظر حقاً” ، قال المدير، “أممممم، خارطة مدينة، أليس كذلك ؟”
– “نعم” ، قال الرجل، “إنها خارطة اسطنبول”.
– “فكرة هائلة”، ونهض المدير ماداً يده، ثم قال:
– “اسمح لي أن اتمنى لك رحلة موفقة”، وخرج مع ضيفه مودعه حتى الباب، وأومأ له بمودة، بعدها انتقل سريعاً إلى الغرفة الثانية حيث يجرى التحقيق مع المتهمين.
لقد اعترف المساكين سيئي الطالع، بالكثير من الحماقات، لكي يتخلصوا من المرارة التي هم فيها، ولكنهم لم يتفوهوا بشيء عن الذي سيقوا من اجله إلى هنا.
– “استمروا بالتحقيق”. أمر مدير الدائرة، ثم ذهب لتناول الغداء.
عندما رجع، كان بانتظاره تقرير مفاده، أن حلاقاً بلّغ عن أنه قام في ساعة مبكرة من هذا اليوم بحلق لحية زبون حنية، ولم يتمكن من اعطاء اي مواصفات للشخص المذكور، ولكنه يتذكر عن لباسه شيء ملفت للنظر؛ فقد كان مرسوماً على ربطة عنقه خارطة لمدينة.
– “يالي من ثور”. ردد مدير الدائرة. وهرع ينزل السلم كل درجتين معا. كانت سيارته تنتظره في الفناء.
– “إلى المطار” ، صاح بالسائق، ثم انهار في المقعد الخلفي.
بذل السائق كل ما بوسعه، دهس كلبين، وحمامتين، وقطتين، واحتك بحافلة كهربائية، اصطدم بعربة يدوية محملة بنفايات ورق، وأفزع الكثير من المارة. وعندما وصلا إلى المطار، اخذت الطائرة المتجهة نحو اسطنبول، ترتفع بالفعل فوق المدرج، وفي الوقت المحدد لها بالضبط.

كاتب ألمانى

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…