«في بيتنا الظل يحترق» هكذا لخصت “كورا” الجملية لصديقتها “بينتو”، الشر الكامن داخل بيتهم عند زيارتها الريفية الثانية، حيث تنتظر مضيفتها العرس القسري من “ديمبا جاي” الوصي المتمادي .

لا  أظن بأن احداً سيجد مدخلاً لاستقراء تحفة ألام مامي ديينغ السردية غير هذه الجملة الدقيقة. حتى الكاتبة نفسها لم تشأ غير أن تجعلها عنوان لروايتها الطويلة التي تحكي تراجيديا الواقع الممتد لعشرات السنين في بنية المجتمعات الافريقية الريفية، حيث البنات ملك آبائهن ومستودعات للشرف والمباهاة. ففي الرواية الجميلة تتشكل مأساة فتاة قروية من أدغال السنغال عندما يبدأ خالها بالتفكير  في إدخالها المدرسة كأول طفلة في القرية ترتاد المدرسة الأولية.

يتطابق الواقع بتطابق حيثياته ليشكل نسيجاً من التناسخ اللانهائي للمأساة، لاسيما إن كان محفز  ذلك التطابق مليئ بالوقود، والدوافع المشبعة بخرافات الأمجاد السماوية والارضية الزائفة، وفي هذه الحال فيمكننا أن نقول: إن مآسي النساء في أفريقيا تنشطر امبياً بدلاً من أن تتناسخ.

أول مرة أقرأ رواية الكاتبة السنغالية “مامي يونوسيه ديينغ”  كان في العام 2011 حين استعرتها من الصديق الوراق والمثقف النابه علي دارفور ؛كانت برفقة كتاب آخر للعظيم مباني غانا كابيه يتحدث فيه باستفاضة عن حكمة الرئيس السينغالي السابق. ومنذ أن اتممت قرأتها في ظهيرة قائظة من نهارات أن درمان تركت في قلبي لوعة لم تزل تتقد شوقاً وتأمل. فالرواية الواقعة في 528 صفحة من القطع المتوسط تترك فيك شجون الريف المتدثر ببراءة الطفولة وروح الجماعة؛ في ذات الوقت الذي تغمس روحك  فيه داخل لجج من أسف التقاليد والشفقة على المعتقد.

تتحرك الرواية في فضاء حذر ممزوج بعبق الفصول وغناء عصافير الغابة الشجي؛  حيث أن الرواية- على الرغم من محدودية مترجمتها اللغوية- نجحت في نقل القاريء من جمود السطور الى سحر الفصول؛ فصول السنة،  خريفها الماطر؛ صيفها الاجدب والبهيج، وذلك- بلاشك- ما جعل الكتابة تحمل فخامتها كما ينبغي.

ففي المدرسة المتوسطة ( ليسيه أحمد قال في سان لويس) في مدينة ديكيبا استطاعت الرواية أن تنقل لنا بكل تجرد الجو العام والتأثيرات النفسية للتلاميذ والاساتذة على السواء ، لاسيما ردة فعل الطالبة القروية إزاء ذلك الانبجاس الخرافي للوجود.كما في القرية استطعنا نعيش بين ضوضاء طرقات الهاونات؛ وغناء عصافير الصبح الشجي، لنتجاذب الحديث الساخر مع سكانها بأسنانهم المصّفرة بفعل علك الكولا الدائم. 

كورا مبيسان؛ كورا الرائعة؛ جاهدت في أن تكون لقلبها لا لتقاليد ال نجاي؛ ملوك الوولوف المعتدين بشرفهم الملكي التليد، قاتلت في أن ترفض تلك التقاليد التي تريد منها أن تخون مبادئها؛ المبادئ التي تعلمتها مصادفة عندما سمح لها القدر بأن تخرج عنقها عن القطيع، وكما يقول الأثر: رب صدفة خير من الف ميعاد.

وعلى قدر ما لاقت من الم، الا أنها نجحت في تخطي محنتها، حتى وإن كلفها ذلك التنازل عن حياتها. بيد أنها تركت للأرض بذرة جديدة، بذرة أخرى تُدعى كورا مبيسان الصغيرة. أو كورا المخلصّة.

اليوم وأنا أتم قراءة هذه الرواية  الملهمة للمرة الثانية وبعد عشرة سنين أجدني مصعوقاً من بذخها الجمالي وصدق رسالتها الخالدة؛ لذلك آثرت أن أكتب هذه المراجعة المتواضعة في محاولة يائسة لكبح الجمال الدفاق والتراجيديا العظيمة، إذ أنها تناقش قضية  حية كانت -ولازالت- تعيش بيننا على امتداد قاراتنا السبعة وليس قرية “جومب” تلك المتدثرة بأدغالها ابداً.

من نافلة القول التذكير بالمكانة السامية للأم “ديينغ” في مجال الرواية ولو أنها اثرت أن تكتب بلغتها الام مؤخراً حيث طبعت في 2010 روايتها (أوروبي) بلغة الوولوف. 

————————

*نديسان : تعبير عن الشفقة او الاعجاب بلغة الولووف- الكاتبة

النسخة العربية للرواية  من دار الانتشار ببيروت؛ 2010؛ ترجمة الشاعرة صباح زوين.

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

عبقرية امرؤ القيس الشعرية

الحادي والعشرون من أذار كيوم منذور للشعر أبداً؛ في خليقة ما بعد الحداثة، يمر علينا ولمّا ن…