526514_0

القبيلة

يشترط علماء الاجتماع لقيام أي جماعة وجود عنصرين هما: الاستقرار المكاني، وعاطفة الجماعة، هذان العنصران متوفران في القبيلة التي تتألف من عشائر، فإن كانت بدوية مترحلة فلها دائرتها المكانية رغم أن هذه الدائرة تتغير من حين لآخر. فإذا ما استقرت هذه العشائر في مكان واحد ينشأ بين أفرادها تضامن أقوى تشد من أزره رابطة القرابة.

القبيلة هي جماعة من الناس تنتمي في الغالب إلى نسب واحد يرجع إلى جد أعلى أو اسم حلف قبلي يعتبر بمثابة جد، وتتكون من عدة بطون وعشائر. غالبًا ما يسكن أفراد القبيلة إقليما مشتركًا يعدونه وطنًا لهم، ويتحدثون لهجة مميزة، ولهم ثقافة متجانسة أو تضامن مشترك (أي عصبية) ضد العناصر الخارجية على الأقل.

إننا أمام عقبة أو أمام حالة من التعقيد الاجتماعي الذي ظللنا موجودين فيه ، بدأت بتعريف القبيلة حتى نكون أمام المشهد من أول وهلة ، فالمجتمع المجودين فيه حاليًا قابع في هذه النقطة الحرجة حيث ما فتئت تعاد صياغة العلاقات فيه على بنى تقليدية من خلال وعي تقليدي تمثله القبيلة في جوهره و تشكله كذلك . فقبل دخول الدين المسيحي لم نعلم تركيبة المجتمع الكوشي لقلة المصادر وان كان يعتمد حسب المصادر الموجودة على تشكل أقاليم في طريقة حكمه ، وعند دخول المسيحية لم تظهر القبيلة في الفعل الاجتماعي لان الدين ارتبط مع السلطة فأصبح الانتماء للدين هو انتماء للدولة كما كان يحدث في أوربا تمامًا وهذه هي طبيعة الدين المسيحي إلى أن انتقلت أوربا لتصبح الهوية فيها وطنية بحيث يعرف الفرد أمام الدولة على أنه مواطن دون أي وضع اعتبار آخر  .

 ولكن ما حدث في السودان تاريخيًا أدى إلى تشوه  فمع سقوط الممالك المسيحية  تلك ظهرت القبيلة في المشهد الاجتماعي وبذات محمول) ديني _ثقافي) محدد تحول إلى ايدولوجيا أثرت فيما بعد على تواتر الأحداث ووصولنا حتى هذه المرحلة من التفكك والتشظي ، فمملكة الفونج قامت على عاتق تحالف قبلي ليس إلا ذو طابع هش تراكبت مع النعرة الدينية لتصبح سمة على إثرها تشكلت نواة الايدولوجيا وظهرت الطرق الصوفية متلاحمة مع هذا الثنائي لتشكل ثلاثي ظل مؤثرًا في الحقبات التي تلت بعد ذلك

فالحروب التي قامت تم تحويلها بفعل السلطة إلى جهاد أو حرب من اجل عصبة وسوق لها داخل الخطاب السياسي بأنها تمرد إن كان الطرف الآخر مسلم  أو على أنها جهاد كما حدث تاريخيًا في جنوب السودان  ونفس الفخ الذي وقعت فيه أنظمة الحكم وقعت فيه هذه المنظومات أو الجماعات المسلحة لتتمحور حول ذاتها وتنغلق في أفق محدود لتمثل قبيلة محددة أو منطقة معينة ، وان دل هذا إنما يدل على تشوه البنية التي قامت عليها ، لتظهر أزمة استيعاب مفهوم المواطنة وان يكون التغيير شاملًا لكل أجزاء الوطن ، وأن الحقوق هي حقوق الجميع وأن مصير الناس واحد .

لا أريد أن أشتت جوهر ما أود طرحه فالذي ارمي إليه هو تفكيك هذا البناء التقليدي الذي ظل يمثل عقبه أمام الديمقراطية وعند قولي “تفكيك” ليست الدلالة التي يلفقها علي المصطلح  دعاة التمسك بالقبيلة بحجة الانتماء البسيط ، إنما تفكيك القبيلة لا إذابتها أي أننا لا نحول تغيير تركيبة المجتمع لصالح اتجاه محدد أو ايدولوجيا معينة إنما تفكيك لصالح قيمة المواطنة، وما اعنيه هنا هو دخول القبيلة واختراقها من باب الفعل الديمقراطي بحيث تتفكك البنية التقليدية و الممارسة العشائرية ، الهدف منه هو انتقال ثقل القبيلة من الجماعة إلى الفرد بحيث تتحول بنية القبيلة من صورة عصبوية إلى صورة مغايرة تمامًا ألا وهي صورة فردية .

ولإقامة مجتمع مدني لابد من تفكيك بنية المجتمع الذي تقوم فيه العلاقات على أساس الدم و القرابة فيصبح المواطن معرف بطريقة محددة و معينة وان لم تنص القوانين و التشريعات إلا أنها تكون حاملة بطبيعة الحال لهذا التصنيف أو لصالح اتجاه معين ذو طبيعة قبلية محددة ، ولأننا لا نريد إقحام المجتمع في دولة لن تستوعبها مكوناته لذلك وجب علينا إحداث تحول ديمقراطي في مفاصله وهيكلته و بنيته و طبيعة العلاقات فيه فلا فائدة من إقامة دولة حديثة ولم يفهم الفرد بنيتها أو طريقة المحافظة على حقوقه وإقامة واجباته كمواطن فالفرد داخل المجتمع ظل يعرف ذاته من واقع الانتماء القبلي أي الهوية القبلية لا الهوية الوطنية ولان البرك الآسنة تأتي مع الخريف وجب علينا أن نكون حذرين في التعامل مع بنية القبيلة فالطائفة التهمت القبيلة لتصبح وجهًا آخر معبر فخلال التاريخ نلاحظ أن الطائفة أتت مع ظهور الفونج كمملكة وعندما أقول ظهور أعني كفاعل خلال المشهد التاريخي ، فالثورة المهدية قامت على أكتاف الطائفة مع تحالفات أخرى وللتقصي يمكن مراجعة ما كتبه سلاطين باشا عن الثورة المهدية وكذلك جاءت كبرى التنظيمات السياسية (الأمة _الأنصار)، (الاتحادي_الختمية ) ونجدها في الساحة و المشهد قد تشظت إلى أشلاء وهذا إن دل إنما يدل على غياب الديمقراطية أي أن حتى الأنظمة التي تدعو للديمقراطية تغيب عنها الممارسة الفعلية . دعك من تجمع حركات مسلحة و مليشيات وغيرها وهذا حديث له مقام غير هذا .

إن الإسلاميين عند مجيئهم إلى السلطة تم ربط قدومهم  مباشره بإنقاذ الدين ودعوة الجهاد ورعاية الإرهاب ليتحول الناس إلى مؤمنين يقاتلون كفارًا آخرين وهذا الذي أتى منذ مملكة الفونج كما أوردته سابقًا  لتتبلور الايدولوجيا التي ظهرت بها الدولة  منذ ذلك العهد وتتجلى في فترة الإنقاذ ، ودعك من فشل الديمقراطية الثالثة التي أعقبها انقلاب الثلاثين من يونيو ، إذًا نحن بحاجة لإقامة مجتمع مدني ، وعند القول بمجتمع مدني ما اقصده هو ذلك الفراغ الذي تملؤه مختلف أنواع المؤسسات التي لا تتبع للهيكلة الحكومية في دولة معينة، والتي استطاع عدد من الأفراد المعروفين بتفوقهم في مجالاتهم، أو بميولهم التطوعية، أو بأفكارهم التي يعتقونها، تأسيسها والإشراف عليها خدمةً للمجتمع، وتنمية له.

تعمل مؤسّسات المجتمع المدني ضمن الأطر القانونية النافذة والمعمول بها على أرض الدولة. ومن أبرز أنواع المؤسسات التي تندرج تحت مؤسسات المجتمع المدني الأندية الرياضية، والملتقيات الاجتماعية، والنقابات المهنية، والهيئات والمنظمات التطوعية، والنقابات العمالية، والأندية الثقافية، والأحزاب السياسية، والعديد من المؤسسات الأخرى.

تتضافر الأفكار التي أسست لقيام مؤسسات المجتمع المدني مع المبادئ الإنسانية الأساسية ومع المثل العليا التي تحكم الجنس الإنساني، فكل ما يصدر عن هذه المؤسسات يصب في اتجاه تحسين حياة الناس، وصيانة حقوقهم، وتعريفهم بواجباتهم، إلى جانب حفظ كرامتهم، ونشر القيم العليا بينهم، ومن هنا فإنّ أهداف هذه المؤسسات هي أهداف إنسانية بلا شك، وهي تعمل في مصلحة الناس لا عكسهم، إلّا في بعض الحالات المعينة التي قد تكون فيها هذه المؤسسات وبالاً ونقمة على الشعوب، وهي الحالات التي تبيع فيها هذه الجهات المبادئ التي تأسست عليها، والتي ناضلت وكافحت من أجلها لقاء أجرٍ زهيد من جهة معيّنة.

إذًا إن العمل الدءوب من أجل قيام مجتمع مدني ودولة حديثة يصب في مصلحة الفرد ففي النهاية يحق للأفراد الاحتفاظ بذواتهم و تحقيق حريتهم في الانتماء الذي يخصهم من دون تدخل احد ، وكذلك من حق الجميع التمتع بحقوق المواطنة والعيش الكريم في دولة تعبر عن ذواتهم وعنهم كمواطنين فيها .

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

نحو نظرية نقدية (1/3) 

  في إحدى سنواتي الجامعية بينما كان الخطاب العلماني يحتدم في الفضاء الاجتماعي بالجامع…