مجاهد

مجاهد الدومة :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

تُشير عقارب  الساعة – الساعة المعلقة علي الحائط المقابل لكِ – الى السادسة الا سبع دقائق  انتِ تجلسين على  الكرسي ذي الأرجل الطويلة ، تأكلين ساندوتش طعمية و ترتشفين بعضاً من الفانتا الصفراء (مشروبك المفضل) وجبة الغداء التي أحضرها لك صديقك الأثيوبي – عامل النظافة – الذي قلت له ممازحة و مقلدةً  صوته الحاد : “سندوتش شطه مافي” ، ليأتيك رده: “شطة كتير مرض يجيب”.

دخل رجل يبدو  أنه  قد تجاوز الخمسين من العمر ، تكسوه ملامح التعب و الارهاق ، حياك و على شفتيه نصف ابتسامة ، مسحتِ علي فمك بمؤخرة كفك ثم حيّيته ، اخرج روشتةً من جيب قميصه ، أعطاكِ اياها و هو يراقبك بشئ من الفضول الممزوج بالخوف ، استعدلتِ نظارتك ، ثم رددتِ عليه كمن يوصل الى أحدهم خبر وفاة شخص عزيز علي قلبه : “سعر الدواء ثلاثمائة جنيه ، لكنه خارج قائمة التأمين”.

انتِ قد رأيتِ الكثير من هذه الحالات ، حالات الأسى التي يصاب بها الأشخاص الذين يخيب ظنهم ، وهم لا يملكون ثمن الدواء ، أو يملكون بعضه و يمنون النفس بأن يكون مدرجاً في التأمين ، حتي إن أفراد أسرتك قد لاحظوا تعكر مزاجك في أحيان كثيرة ، نتيجة لشعور العجز الذي يصيبك وانتِ لا تستطيعين تقديم المساعدة في تلك المواقف و الذي يزيد هذا الشعور حموضة أن الأدوية مسمّرة في الأرفف الزجاجية.

 في الحقيقة يصاب المرء بخيبة أمل بحجم إندهاش طفل يرى المطر لأول مرة ، تبدأ برعشة كهربائية تسري في جسده عندما ينطق الصيدلاني بسعر الدواء ، يقسمه علي أربعة في عملية اسرع من التي يقوم بها الكمبيوتر ، ثم تكون الصدمة الصغرى عندما يكتشف ان نقوده تنقص عشرون جنيها عن ربع المبلغ ، اما الخيبة الكبري فهي عندما يقال له: “الدواء خارج التأمين!”

نعم انتِ قد رأيتِ الكثير من هذه الحالات خلال فترة عملك الممتدة ثلاث سنوات،  و لكن هذا الرجل، “عم آدم” و الذي حددتِ اسمه من خانة اسم المريض: “أمل ادم” ، كان قد مثّل لك حالة البؤس التي نعيشها ، فما إنْ سمع جملتك الاخيرة حتي سقط مغشياً عليه ، انتِ لا تعلمين كيف تجاوزتِ البترينة الزجاجية أمامك او كم من الوقت استغرقتِ لتصلي اليه ، ربما في طرفة عين أسرع من تلك التي أُوتي بها بعرش بلقيس، وجدتِ نفسك تتحسسين نبضه و تصرخين طلباً للمساعدة، و ذاك السائل المالح يتكون عند مقلتيك ثم يندلق ليرسم لوحة سريالية لشئ ما على الأرضية.

أنا راوي ضعيف لذا لا أريد أن أعرف أهو حي أم ميت ، لذا سأنسحب كإنسحاب جندي من معركة ، و أرجو أن يكون بخير ، في تلك اللحظة  و أنا أعبر باب الصيدلية عبر خاطري مقطعاً من قصيدة لأحد الشعراء يقول :

“إن اسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة “

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

مدخل إلى شعرية السينما

  طائر يحط على جثة بقرة نافقة، وبعد ثوان، يظهر على خلفية المشهد أناس يسيرون في البعيد…