هيثم

“كيف للشظايا أن تكون حياة وقلم؟”

      وفي الطريق قرأ الورقة التي ظلت متماسكة رغم الريح في شجرة، كثيراً ما يضعف الوطن وكثيفاً ما تكون المحاصرة للمثقفين.. قرأ الورقة، ثم مزقها، هل كان ينعي روحه كمثقف؟ أم أنه عرف لا فائدة من تمزيق الروح في بلد؟ أقصى ما فيه جعل المثقف (مقتولاً يمشي على قدمين)..

     عاد للنهر، يظن أن النهر القديم يعرف كل حزنه، يشاركه كله، أو يرسل الموج ليسأله: أما زلت حزيناً على واقعك، كلهم هكذا.. وقالت الموجة السمراء: “لماذا لا تسبح للضفة الأخرى، هناك لا حياة، أجعل لك حياة، وكن أنت الوطن والمثقف في آن واحد..

     وفي الضفة الأخرى، كان هو الإنسان الوحيد، بدأ بناء الحياة الخاصة به كمثقف، لم يفترض أن هناك شعباً يستحق منه فكرة ليعيش، وعاش وحيداً كمثقف، وبقية (الحياة) بلا حياة، كأنه ينتقم لحياة سابقة كان على هامشها، مارس ديكتاتورية وصفها بأنها (جميلة) لأنها من مثقف، كونه رفض معاني الحياة هناك إلا لروحه، وجعل بقية الكائنات ضعيفة تحاول أن تعيش، هل كان يرسم ماضيه فيها، لقد كان مثلها ضعيفاً، وهناك سلطة قوية، الآن هو يمثل السلطة، وهي تمثل ضعفه ماضياً..

      ليلاً، يسأل نفسه، لماذا أنا كذلك؟ أين صرختي؟ (حق وخير وجمال)، أين مشروعي كمثقف؟ أين حياتي الحقيقية؟ هل الماضي المظلم جعل حياتي مظلمة بما يكفي؟ هل لن استطيع ممارسة دوري كمثقف؟ هل تحولت بعد السجن والتعذيب لكائن (ذاتي)؟ هل حققوا حلمهم يوم أن أدخلوني السجن قائلين: “ستخرج من هنا شظايا، نحن نريد تعذيبك أكثر، تخرج بلا حياة، نجعلك بقية ديكتاتور وليس ديكتاتوراً كاملاً، تمارس الديكتاتورية مع نفسك تعذيباً لها في الليل، بأنك لم تعد أنت، ضعُفتَ، ثم تحولت لشظايا، تبكي حلمك كمثقف، ثم نهاراً تمارسها مع الناس تعذيباً خفيفاً، أو ثقيلاً، المهم أننا سننجح في صناعة روح جديدة لك، (مثقف ديكتاتور)، مثقف بشظايا إنسان، عرفنا كيف يمكن لنا تحطيم المثقفين بهذه الطريقة، سنحكم.. ونحكم.. ونحكم..”

      وهناك في السجن، كان يرسم في وجدانه رواية جديدة، هو من نوع الروائيين الذين يرسمون لوحات ثم يكتبونها، فكانت روايته هي الرواية، (تعذيبه، ثم قتل روحه، ثم إعادة الحياة له بعد تعذيب كامل)..

     في وجدانه كانت اللوحات، قلنا له، الآن وأنت خارج السجن أكتبها، هي التي ستحقق لك نصرك عليهم، سمع حديثنا، ثم قال: “وكيف للشظايا أن تكون حياة وقلم؟”، اللوحة الأولى حلمي يوم أن دخلت السجن، هي روح المقاومة التي لم تضعف في أول الأمر، هي صوتي كمثقف وإنسان رافض لمحاصرتي، صرختي وهمستي، هي اللوحة التي كانوا يحاولون تحطيمها ثم نجحوا، نجحوا ليس لأني ضعيف، بل لأن مقاومتي كانت محاصرة منهم، ومن المجتمع، دخلت السجن ضعيفاً لأن مجتمعي أصلاً كان يقول جهراً: “وهل ضعفنا هذا إلا بسبب المثقفين؟!”، يريد منا المقاومة الكاملة، بسلاحنا وكلمتنا، وصرختنا، وكل ذلك، لكنه لا يضف لنا شيئاً، مجتمع كأنه يريد تمزيقنا قائلاً: (مثقفين فاشلين فقط)، يرى في المثقف كل (القوة)، وهو لا يعرف أنه كل القوة والمثقف جزءً منها، ممزقين دخلنا سجونهم، كنا عشرين مثقفاً، ثم ضعفنا إلا خمسة، ثم ضعفنا إلا ثلاثة، ثم ماتوا كلهم هناك في السجن إلا أنا، ثم أخرجوني من السجن لأني دليل نجاح مؤامرتهم على المثقفين، تحطيمنا، وتمزيقنا وصناعة ديكتاتوريين منهم، لنجرح ممارساتهم ونُكذِبهم كمثقفين، ثم إذا بينهم وبين مجتمعهم (اتهامات ومرافعات)، وبذلك نظل حاكمين..

     وأنا هنا، كذلك، لوحاتي في وجداني ترسم حياتنا هناك، تعذيبنا، موت زين العابدين الشاعر، وعلي القاص، والحسين الروائي، والحسن الناقد، ومريم تلك التي رسمتْ مرة على كفها، حلم الوطن فاغتالوها ومعها حلمنا، أنا بقية كل ذلك، كنت من الناضرين أولئك، لكني اليوم بقايا وشظايا صنعتها السلطة، هي تريدني هكذا، وأنا ليس لي إلا ذلك..

     السلطة تريدنا كلنا كذلك، الآن أنا مثقف على طريقتها، طريقة ديكتاتورية صعبة على روحي ومن حولي، مسافة بين كوني إنسان ومثقف وبين حياتي الآن، هم يريدون لي الموت هكذا، ليخاف كل مثقف من ممارسة فعله النبيل نحو مجتمعه، أنا الآلة التي صنعتها لتخويفهم من الاقتراب من كونهم إنسانيين ومثقفين، هي تحاول ثم تنجح في صناعة (الشظايا)، وهل أنا إلا كذلك..

     لوحة في وجداني لكوني، كنت مقاوماً، كانتْ تقول بأن المحاصرة هذه ستضعف يوماً ما، ثم فشلنا في إضعافها، والآن وحدي أنا ضعيفاً وأولئك موتى..

     كان يحكي لنا في ضفته تلك، ثم خرجنا منه، قال لنا الوصية: “كونوا عاديين، لا مثقفين، خوف الموت، وخوف القهر والتعذيب، كنا لوحدنا، كان المجتمع في ضفة أخرى، لا يعرفنا كثيراً، رغم أننا منه فعلاً وانتماءاً، لكنه يمضي مع السلطة عندما تريد محاربتنا، ولا أدري لماذا، هل خوفاً أم انتقاماً، كنت أحس بأن مجتمعنا يريد الانتقام منا كمثقفين، أحس بغضب خفي علينا، لا أعرف سبباً أو أسباباً له، نحن أعداء له أو هكذا يظن..

      هل مجتمعنا، أصلاً يكرهنا كمثقفين، أم أن السلطة نفسها هي وراء ذلك، ضفتي هذي هي الحل، الحل ليس المقاومة، بعد ضعفي وتعذيبي لن أكون مقاوماً أو لن أصلح كذلك، عليكم أن تعرفوا معنى أن تصنع منك سلطة (شظايا) وترفض أن تقتلك، هي تعرف معنى الموت الحقيقي للمثقف، جعله شظايا، وضعه في مكان ما ضعيفاً، تمزيق روحه، محاصرة وجدانه، جعله يعيش بلا معنى، كل ذلك هو (موت حقيقي للمثقف)، وهكذا أنا..

      اذهبوا للضفة الأخرى، كونوا صامتين، لا تقولوا شعراً أو نثراً، لا تكونوا مع الغناء، فقط كونوا مع السلطة، هذه وصيتي حتى لا تعودون لي ممزقين هنا، ثم نحاول كلنا صناعة وطننا الحلم بكل تمزقنا وكل ضعفنا..

     ورجعنا للضفة الأخرى، فوجدنا السلطة تنتظرنا، تم أُخذنا إلى السجن، وهنالك سألونا: “هل أنتم المثقفين الذين يقولون للمجتمع بأن دولة المثقفين قادمة؟”، صرخنا كلنا خوفاً: “لسنا نحن”..

وصرخة خوفنا كانت هي المحرك لذلك المثقف في الضفة الأخرى، وقد أحس بأننا محاصرين، فعبر النهر إلينا، ودخل معنا السجن بعد قيادته ثورة تهتف ضد السلطة، ثم قال: “الآن هم الشظايا، ولست أنا أو أنتم، لن يمزقوا القلم والورقة، لن نضعف لهم”..

ثم جاء الذين يعذبوننا..

ثم مضينا نحن..

لن نلتقي..

لأننا صنعنا وطناً لنا في مكان ثانٍ..

هذا هو الحل (مؤقتاً).

تعليقات الفيسبوك

‫شاهد أيضًا‬

رواندا: الحلمٌ تحقق .. فالنحذوا حذوه

القيمة الكتابية الجميلة التي ينثرها الصحافي موسى حامد عن رحلته لدولة رواندا، ظني أنها مشرو…