أحمد يوسف

نص مشترك :

محمد الأمين ، أحمد يوسف :

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

محمد الأمين

      لا أخالني أُنكرُ وحشةَ المكانِ هنا، وإن كُنتُ أعلنت أكثر من مرة عن رغبتي في أن أعتزل إلى مكانٍ أرتبط به، وحدي، دوناً عن الآخرين، لكن ليس لهذه الدرجة، قصدتُ مكاناً، ميمُ كافٌ ألفٌ نون، مكانٌ أكون فيه وأشعر فيه بعدم التأكّد، أخافُ فيه و أركض، أجبنُ أبكي و أمرض، وليس في هوة سحيقة، مُتشبِّثاً بباطنها. هل أشعر بالإنتماء الآن، أأنا في البيت؟. فالجسد عديم الفائدة نزل دفعة واحدة. لا أعرف… كيف سمحت بحدوث هذا؟ لقد رأيته حين أتى حازماً أمره. رأيته مُهتمّاً بشأنه الخاص -أنا-.

أخبرتهم دون أن أكون مسموعاً. ثبّتُ نظرهُ عليّ، لكنه ظلَّ غير مرئياً لسواي. لا أخالني أُنكر الوحشة حيث كل شيء ثابتُ في مكانه. و إن كنتُ مُستلقياً على جانبي، بلا حراك، بالإضطرابات أحشو نفسي، خائفاً من الكائنين، و تبعاتهما، عازماً أن لا يقبضني النوم؛ فالظلام الدائم حجة الموتى لعدم الإستيقاظ… ما الذي سيحدث إن لم أقو على الإستيقاظ؟ أراهن أنك لن تكون قادراً على البقاء طويلاً هنا، ضمن أشياء تُتركُ للرطوبةِ و العفن البطئ.

أعلم كم من الصعب وجود من أؤانسه هنا غير الدود الذي ينخرُ العظم و كائنات التراب الدقيقة.

حدث لي ما حدث لصديق صاحبي، كان هناك -حتى ذلك الوقت- في غِبطة الأهل ثم ناداهُ صوت ما في الجوار البعيد فتوقفت الأيدي عن الحركة و العين عن الإرتِماش و الفم عن الإبتسام. لم يعد هناك ولا أنا. نكون هناك، ثم فجأة لا نكون.

أحمد يوسف

      كانَ ضوءُ القمر الشّاحب يهْرب شيئاً فشيئاً مع كُل حُفْنة تراب تُهال عليّ .. الرجالُ المتحمسون يتناوبون الإمساك بِالمجارِف و الضوء يخفتُ شيئاً فشيئاً ، إلى أن سادتِ العَتْمة .. نفضوا عَنْ ثيابهم تُرابي و مَضوْا ، تاركينّي لتلتهمني الوُحدة المُرهقة .. مُستلقياً على جانبي أُحدّق في الفراغ ، و الشقّ الضيّق يكادُ لا يسعني أنا و هواجسي .. الليالي الأولى كانتْ قاسية بِحقّ ، صرختُ دون صَوْت ، و بكيتُ كثيراً دونَ دموعَ ، و كِدتُ أن أُجنّ لو كان الموتى يُجنّون .. الرجالُ المتحمسون لم يتركوا بِمعيّتي سِوى خِرقتي البيضاء التي تَلفّني ، سِوى حُفنةٍ من الذكريات إجتررتُ تفاصيلها مرّة تلو الأخرى بإصرار عجيب .. لَم أسْهُ عن شئ ، كُلُ ضحكة ، كُل شِجار ، كُل ثُقبٍ في الجدار ، كُل صوت ، صوتُ نُباح الكلاب المُستعرّ في جَوْف الليل ، و صوتُ المآذن البعيدة .. و لَكن مع مُرور الأيام ، و حينما بدأ القلب بالتعفّن و التآكل ، بدأت ذِكرياتي تتشوّش و تختلط ، فأراني طِفلاً صغيراً سَمْح المحيا ، ثُم أراني في آخر لحظاتي و أنا أُلامس النهايات البعيدة ..

كُنتُ أعرف أنه هنالك بالأعلى ما زالتِ الشّمس تُشرقُ كُل يوم ، و ما زالت الأمطار تَهطل لِتغسلَ أدران المُدن الساهرة التي كفّت عن البكاء ، و ما زالت الرياحُ تهب كُل حين ، حاملةً معها القصص و حُبوب اللقاح .. و أنا هُنا بالأسفل ، ليس لي سوى الديدان و لهيبُ الجيرِ المُحرق .. كُنتُ أُصبّر نفسي و أُمنّيها بأنّى ربما سأرى الشمس مَرّة أخرى ، في الخريف ، حينما تتغلغل قطرتان عنيدتان من ماء المطر لِتصلاني ، حينها ربما سأنبتُ من جديد ، كشجرةِ حُزنٍ تُزهرُ زنابقاً و دُموعاً ..

محمد الأمين

     العمر يمضي، أقصد كان العمر يمضي. في غرفته التي لا يخرجُ منها جلست أراقب جدي، أعني ما كان جدي، ذكر أن قلبه أكلته الوحشة و الكربة، و وصف لي مكاناً لا يشعر فيه أحدٌ عليه بالأسى، ثم حدّق في عينيّ مسافة و ضحك. أشّر ناحية قلبه: هنا غُرف فارغة، ثم أشار بأصبعه للأعلى و قال: إخواني هناك. وتلألأ في عينيه مكانٌ بعيد و لم يبكِ و بكيت. وسألته. لم يقل أنه يخاف الموت و لم يقل أنتظرهُ بل قال أُحبهُ. و بدا موحشاً. و لسبب ما أو لدون سبب، ما عاد في قلبه غرف فارغة إذ مضى حيث أشار و جأني في النوم: وجدتهم سالمين تعال…

أحمد يوسف

      عندما تَموء القِطط في الشارع عند الفَجْر مواءاً ماجناً ، و تَرُد عليها الجدران الباهتة التي تَعبت من الإنْتصاب بصدىً أكثر مُجوناً ، كان هذا يعني أنْ أحَدهم سيتركُنا وراءه اليوم ، و يَمضي ، أو يُمضى به .. فأقضي أنا اليوم شارداً مبلبلاً ، و في المساء يَمرُ المَوْكب من أمام المنزل ، يتقدّمه المحمول على الأكْتاف ، يرتفع النّحيب من بيوت الحيّ ، و أرتعشُ أنا ..

تَموءُ القطط عند الفجرِ كُل يوم .. و ترد عليها الجُدْران .. كُل يوم يحمل الرجال فوق أكتافهم مُغادراً جديداً و يتجّهون به بخطىً مُتعجّلة صَوْب مُدن التراب .. القُبور تغفر أفواهها كُل يوم ، مُناديّة شَبِقة و جائعة ، تَضُمنا و تمتصّنُنا حتى نُخاع العظم .. كُل يوم تُنصب سُرادق الوداع فوق الأرض و تُنصب سُرادق الإستقبال تحتها .. الأكُفّ التي تُرفع للفواتح لا تلبث أن تُنزل حتى تُرفعَ من جديد لمُغادرٍ آخر ، و عِندما تُقبض ، تُقبض معها روحُ آخر .. كُل يوم تُفصّل الأكفانُ البيضاء و تَهبُ رياح الحَنوط .. و كل يوم يبكي أحدهم و ينشج متكوّراً في الظلام ، يبكي حُزناً لفراق و خوفاً من مصير .. الوجوه البائسة التي تُطالعني في الطُرقات تنقصُ كل يوم وجهاً جديداً ، يطويهم العدم واحداً فواحداً .. كُل يوم تصفرّ أوراق الأشجار و تذبل ، ثم تجف و تَهْوي ، لتنسحق تحت أقدام الرجال المتعجّلين ، خُطواتهم التي تضربُ الأرض تعزفُ كل يوم مقطعاً عفويّاً من لحنِ الموت الأبدي الذي تعوي معه ريحُ الحنوط ، و يبتلعه الليلُ على مَضض .. اليوم أتممتُ الليلة الخمسون بعد المئة هنا بالأسفل ، الدودُ لم يكن رحيماً معي ، و رغم ذلك ، في كُل فجر ، يخيّل لي أنّي أسمعُ مواءاً ماجناً من البعيد ..

بقلمين

       كانت إقامتي قصيرة بينهم .. مَررتُ مثل شِهاب شقّ السماء للحظة ، ثُم ذوى ، مُخلّفاً شحيح ضياءٍ لم يلبث أن بدده العدم الشاسع .. من أُحب ، رفعوا رؤوسهم و إبتسموا قليلاً لمروري ، ثُم خفضوها و تظاهروا بأنهم لم يروا إشتعالي .. الآن أُخاطب الدود ، هَلُم ، تعال و أضْحَك الآن على عُمرٍ كان لي، بدّدتُ فيه سحابة نهاري على سماع صوت يدفعني للانتحار إذ قال لي: لا تزال هنا؟.

مُمدّداً هنا أشتهي الآن ضربة كتف وسط الزحام، مؤانسة صديق عن مُستقبل مُشتهى، أن يجد أبي في طوافه بين الغُرف، سبباً غيري، ملائماً للبكاء، و أن تجد أمي حُجّة غير إعداد الطعام في غير وقته لتدخل مطبخها و تبكي عليّ وسط أدوات تُقرّب بيننا. أشتهي أن أُجيب على سؤالي: إن كنت ميتاً فلماذا أحسُ بالألم؟.

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

قراءة نقدية لرواية خرائط

بقلم: فائز حسن   عن الكاتب: نور الدين فارح كاتب وروائي صومالي يكتب بالإنجليزية ولد في…