sayyar_article_1003009

محي الدين هارون:

للتواصل مع صفحة الكاتب على الفيسبوك الرجاء إضغط هنا

رفعت الأقلام وجفت الصحف،وبات الحكم يقينا تذروه حبائل الانتظار البائس،وإذ بي أطل من على شرفة الموت ، رامقاً ربع قرن من الرفض والقهر المفرط وورقة بالية تحمل لقب “مهندس معماري”،إنهار بنيان عمره بمحض السراب وغمار النشوة الفالتة من سخف العابثين و كل خدع الحياة الموغلة في الشتات،أرقبها متقوقعاً في قاع السجن الشارد ، من حيز الفكرة لفراغ الوجود تمتزج كنغمة رهيبة، وصور باهتة تلتصق برأسي تنتهك نومي المضطرب ، وتطاردني في صمت اليقظة ، ثم ما تلبث أن ترواغ الأحلام في صورة سكين وجثة متمرغة في الدم الأرجواني القاتم، ومن فزع إلى فزع أكبر تتماهى الصور،لأجدني مكبلاً في ركن حجرتها معقل اللون الأبيض وما هو بأبيض اللون.

برائحة تزكم الأنوف، تتقزز منها النفوس وهي وتراقب عزف قلبها المنفرد بنبض مستقر الإيقاع تبثه آلة المتابعة ، برنين يفصح عن صوت الحياة الحاضرة ، بجسدها الهزيل الذي يشي بأن القمر لم يعد بدراً بين صعود وإنكسار على خط الشاشة،بينما عينيها الدامعة ترمقان المصل الذي ينعش أوردتها الناضبة، من دم يجمعنا فتغيب في نوبة هذيانها، الذي يأخذ في العلو ممارساً إرتجاجه بعيداًعن عذاب اللحظة الصارخة، ليتردد صداه على سمع الحضور، دافعاً بهم للغرق في الوجع المركب

عباس اخوي

عباس اخوي

عبااااا…

اختفى صوت الحياة ولم يبقى شيء،سوى صفير آلة متصل : عويل”وبعض بكاء وخط” أنهكه التخبط صعوداً ونزولاً وجد السبيل أخير ليستقيم.

أصوات نواح وصرااخ مزعج، تخترق منامي مجدداً تقتحم فراغ المكان بضيقه الخانق، حيران شيخ الحي يرددون ابتهالاتهم الجهيرة
مع قرع الطبول
عباس البيهدي الناس
صبح كايس لو زول هادي

عباس البيهدي الناس
صبح كايس لو زول هادي
يالطيييييييييييييف

فزعاً من تلك الرؤية التي كدرت غفوتي قاذفةً بي نحو يقظة أكثر إفزاعاً .حركة غير اعتيادية تنتاب السجن هذا الصباح ، يتسرب معها الخوف إلى نفسي, ولا أدري أو لم أؤمن بالبعث!؟

يقيني بوجود صورة أخرى للحياة الأبدية يجعلني اطمئن قليلاً،وربما اطمع في أكثر من ذلك,خطوات أقدام كثيرة تقترب, أصوات اصطكاك وصليل إقفال يتنامى حتى أصبح لها دوي هائل ,تقشعر له جميع انسجة الخلايا المتشتتة تحت غطاء الجسد،فضول يمتزج بقلق مطرق ،اللعنة ما كل هذا الهرج أو لست متيقناً من حتمية المصير؟أم أنني بت أكثر تشبتاً بالحياة،و أي حياة تلك التي أطمح إليها بسجن، بلا جدران.

صرير باب الزنزانة يصفعني بحقيقة الجدران الباهتة، ينفرج عن مجموعة من الرجال كاشفاً عن أزيائهم العسكرية ، تنافرت عيناي بعيداً عن ملامح أصحابها، واستقرت على عباءة الشيخ الذي اخذ يتقدم نحوي وعمامته البيضاء ترى هل حانت النهاية؟

أم أنني مازلت قابعاً بين سريالية الشك وغلظة اليقين قيل قديماً: إذا كنت لا تدرك أي وجهة تبتغي فكل الطرق جيدة؟

أي لعنة حملتني بخنوع لطريق الزنزانة ومن عجائبها أن جعلتها تحمل عام ميلادي ومبعث موتي.

ولما لم أدرك حينها معنى أن لا يعرف الإنسان إلى أين يذهب ؟ ذلك أنه لابد لكل إنسان أن يدرك إلى أين يذهب.

أمطرني ممثل الإدعاء بصوته القميء مذكراً إياي بجرد عذاباتي الغارقة في وحل الخطيئة شاحذاً كلماته اللاذعة تنخر في عضدي تصورني في هيئة غول،إلتهم صغاره في نوبة جوع عارضة ، كم أرغى وأزبد مطالباً برأسي الرخيصة وهاهو يعيد الكرة بنبرة المنتصرلعدالة مفقودة معلناً ساعة تنفيذ الحكم ما شأن محكمة السماء إذا، وما شأن محكمة الناس ؟

مكبلاً هاهنا أقتاد بالعسكر، نافثاً أنفاسي الأخيرة، أجترر قدماي إجتراراً، تخنقني العبرات تفتك بي رغبة في البكاء ، ربما تخفف الدموع مرارة اللحظة التي تقلدت صكوكها بجدارة.

إقتراب النهاية يصيبني بالدوار, الطنين يعلو وينخفض ، لا يمكنني من متابعة ما يجري ، همهمات وصيحات متداخلة لا أتبين منها إلا القليل، لم أفق من شرودي إلا على صوت الشيخ ردد خلفي ما أقول: :تبت إلى الله……

هل تبت من الغوص في الحضيض؟ أم هو إقلاع قسري؟ أم من جريمة دفعت نحوها دفعاً، أم من حكم الناس و شبح نظراتهم الشامتة؟.

مازلت أرى بوضوح بعد تغطية رأسي رهبة عارمة وقلق يتنامى يبددان ما بقي في من اتزان حالة من السكون تجتاح المكان تدفع بي للتوغل أكثر قاع الرعب ، إنتفاضات عفوية يهتز لها بدني ، تحاصرني دموع الأحباء ، تحمل ظلال إعتذار أخير عن غير رضى، وجه أمي المفجوعة..ملامح والدي وتعابير وجهه الحاسرة.. لحظة نطق الحكم سقطت أرضية المنصة.. تهاوى الجسد

 

تعليقات الفيسبوك

اترك تعليقاً

‫شاهد أيضًا‬

تأملات في اللغة وأشياء أخرى

-١-       يذكر كيف أنه كان صبياً مشاغباً رغم قصر قامته – الأقصر بين أقرانه – و…